الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 558 ]

والظاهر : حقيقة ، هو الاحتمال المتبادر ، واستعمالا ، اللفظ المحتمل معنيين فأكثر ، هو في أحدها أظهر ، أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى مع تجويز غيره ، ولا يعدل عنه إلا بتأويل ، وهو صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحا .

التالي السابق


قوله : " والظاهر حقيقة " أي : في نفس الأمر ، هو الشاخص المرتفع ، ومنه قيل لأشراف الأرض : ظواهر . والظاهر خلاف الباطن ، ولذلك قابل الله تعالى في صفاته الكريمة بينهما ، فقال : هو الأول والآخر والظاهر والباطن [ الحديد : 3 ] ، وكما أن المرتفع من الأشخاص هو الظاهر الذي تبادر إليه الأبصار ، فكذلك المعنى المتبادر من اللفظ ، هو الظاهر الذي تبادر إليه البصائر والأفهام .

أما إطلاق الظاهر على اللفظ المحتمل أمورا ، هو في أحدها أرجح ، فهذا اصطلاح لا حقيقة .

قوله : " واستعمالا " ، أي : والظاهر في استعمال الفقهاء : هو " اللفظ المحتمل معنيين فأكثر هو في أحدها أظهر " وينبغي أن يقال : هو في أحدها أرجح دلالة ، لئلا يصير تعريفا للظاهر بنفسه ، كما سبق في تعريف العلم ، بأنه معرفة المعلوم .

فقولنا : هو اللفظ المحتمل معنيين : احتراز من اللفظ الذي لا يحتمل إلا معنى واحدا ، فإن ذلك هو النص كما سبق .

وقولنا : فأكثر . لأن اللفظ قد يحتمل معنيين ومعاني ، ولهذا قلنا : هو في أحدها [ ص: 559 ] أرجح ، لأن المعنيين فأكثر جمع لا تثنية ، فكان ذلك أجود من قول الشيخ أبي محمد : ما احتمل معنيين هو في أحدهما أظهر .

قوله : " أو ما بادر منه عند إطلاقه معنى ، مع تجويز غيره " .

هذا تخيير بين التعريفين ، أي : الظاهر هو اللفظ المحتمل ، إلى آخره ، أو اللفظ المتبادر منه معنى ، مع تجويز غيره ، بأيهما شئت عرفه ، لأنهما سواء .

فقولنا : " ما بادر منه عند إطلاقه " احتراز مما لا يتبادر منه عند إطلاقه معنى ، لأن ذلك هو المجمل ، كالقرء عند إطلاقه ، لا يتبادر منه حيض ولا طهر .

وقولنا : عند إطلاقه : احتراز مما كانت مبادرة المعنى منه لا عند إطلاقه فقط ، بل مع قرينة أو دليل آخر ، فإن ذلك ، وإن سمي ظاهرا باعتبار ظهور المراد منه ، إلا أنه مجاز ، إذ ليس ظاهرا بذاته ، بل بالدليل الخارج ، ونحن كلامنا في الظاهر بذاته . فلو قيل : ما بادر منه لذاته معنى مع تجويز غيره ، فإن ذلك هو النص كما سبق .

قوله : " ولا يعدل عنه " ، أي : عن الظاهر " إلا بتأويل " ، أي : حكم الظاهر ذلك ، كما أن حكم النص ذلك أيضا ، فإن ترك الاحتمال الظاهر الراجح إلى الاحتمال الخفي المرجوح كترك النص إلى غيره ، وإن كان الثاني أقبح وأفحش ، إلا أنهما مشتركان في قدر من القبح والفحش والتحريم ، وهذا كمن يقول : إن قوله سبحانه وتعالى في الخمر والميسر والأنصاب والأزلام : رجس من عمل الشيطان [ ص: 560 ] فاجتنبوه ، هذا الأمر على الندب ، وقوله سبحانه وتعالى بعد ذلك : فهل أنتم منتهون [ المائدة : 91 ] ، هو صيغة استفهام لا يفيد الأمر ، فيكون الخمر على هذا مكروها لا حراما ، فإن هذا مراغمة لخطاب الشرع ، إذ الأمر باجتناب ذلك ظاهر في الإيجاب ، كما سيأتي في الأوامر إن شاء الله تعالى . وصيغة : هل أنتم منتهون : هي في عرف استعمال العرب بمعنى : انتهوا ، ومن ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم هل أنتم تاركوا لي صاحبي ، يعني الصديق رضي الله عنه ، أي : اتركوه ولا تؤذوه . ولا فرق عندنا في هذا بين الفروع العملية ، والأصول العلمية الاعتقادية .

فالظواهر الواردة في الكتاب والسنة في صفات البارئ جل جلاله ، لنا أن نسكت عنها ، ولنا أن نتكلم فيها ، فإن سكتنا عنها قلنا : تمر كما جاءت ، كما نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه وسائر أعيان أئمة السلف ، وإن تكلمنا فيها ، قلنا : هي على ظواهرها من غير تحريف ، ما لم يقم دليل يترجح عليها بالتأويل ، لكن الكلام يبقى في ظواهرها ما هي ؟ فالجهمية لقصور نظرهم ومعرفتهم بالأحكام الإلهية ، لم يفهموا منها إلا الظاهر المشاهد من المخلوقين ، من يد ، وقدم ووجه وغير ذلك ، فلذلك حرفوها عن ظواهرها إلى مجازات بعيدة .

ونحن نقول : المراد بظواهر النصوص معان ، هي حقائق فيها ، ثابتة لله [ ص: 561 ] سبحانه وتعالى ، مخالفة للمعاني المفهومة من المخلوقين ، وذلك على جهة الاشتراك .

فإن قيل : الأصل عدم الاشتراك ، قلنا : والأصل عدم المجاز .

فإن قيل : إذا تعارض المجاز والاشتراك ، فالمجاز أولى ، قلنا : هذا ترجيح ظني ، أي : إنما يستعمل في الظنيات ، فإن كانت المسألة ظنية ، فلم يغلون في الدين ، ويكفرون بها ، أو يفسقون ، ثم لا نسلم أن المجاز أولى ، بل الاشتراك . سلمناه ، لكن المجاز أولى من الاشتراك المطلق ، أو من الاشتراك المقترن بقرينة ؟ الأول مسلم ، والثاني ممنوع ، ونحن قد دلتنا قرينة إجماع السلف على عدم التأويل ، وكثرة الظواهر ونصوصية بعضها في المقصود على أنها مقولة على الله سبحانه وتعالى وخلقه بالاشتراك ، وربما تعرضنا للكلام في هذا فيما بعد إن شاء الله تعالى .

قوله : " وهو " ، يعني التأويل الذي لا يترك الظاهر إلا به ، هو " صرف اللفظ عن ظاهره لدليل يصير به المرجوح راجحا " ، وذلك لأن المطلوب في الشرع معرفة الحق ، والحق قد يكون دليله قاطعا لا نزاع فيه ، فيوصل إلى الحق قطعا ، كإثبات الصانع وتوحيده ، وإرسال الرسل ونحوه . وقد يكون دليله غير قاطع ، فلا يمكن الوصول إلى الحق قطعا ، فيكون المطلوب هو الأرجح فالأرجح ، وذلك هو الغالب في أحكام الفروع ، ولا شك أن الضعيف قد يقوى بغيره ، حتى يصير أقوى مما كان [ ص: 562 ] أقوى منه ، كما قيل في المثل :


لا تخاصم بواحد أهل بيت فضعيفان يغلبان قويا

وهذا أمر مدرك بالحس ، فكذلك في دلالة الألفاظ ، قد يكون أحد مدلولي اللفظ أرجح من الآخر ، لكن ذلك المدلول المرجوح قد يوافقه دليل من خارج ، فإذا انضم إليه صارا جميعا مساويين لذلك المعنى الراجح ، فيجب التوقف على المرجح أو الراجحين عليه ، فيجب تركه والعدول إليهما .

ومثاله قوله صلى الله عليه وسلم : الجار أحق بصقبه رواه البخاري والترمذي وصححه ، فهو ظاهر في ثبوت الشفعة للجار الملاصق والمقابل أيضا ، مع احتمال أن المراد بالجار الشريك المخالط ، إما حقيقة ، أو مجازا ، لكن هذا الاحتمال ضعيف بالنسبة إلى الظاهر ، فلما نظرنا إلى قوله عليه السلام : إذا وقعت الحدود وصرفت الطرق ، فلا شفعة رواه البخاري وأبو داود والترمذي وصححه ، صار هذا الحديث مقويا لذلك الاحتمال الضعيف في الحديث المتقدم ، حتى ترجحا على ظاهره ، فقدمناهما ، وقلنا : لا شفعة إلا للشريك المقاسم . وحملنا عليه الجار في الحديث الأول ، وهو سائغ في اللغة .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث