الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كتاب الحج

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

بسم الله الرحمن الرحيم كتاب الحج باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه

1177 حدثنا يحيى بن يحيى قال قرأت على مالك عن نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يلبس المحرم من الثياب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس [ ص: 252 ]

التالي السابق


[ ص: 252 ] ( كتاب الحج )

الحج : بفتح الحاء هو المصدر ، وبالفتح والكسر جميعا هو الاسم منه ، وأصله : القصد ، ويطلق على العمل أيضا ، وعلى الإتيان مرة بعد أخرى ، وأصل العمرة : الزيارة .

واعلم أن الحج فرض عين على كل مكلف حر مسلم مستطيع .

واختلف العلماء في وجوب العمرة فقيل : واجبة ، وقيل : مستحبة .

وللشافعي قولان : أصحهما وجوبها . وأجمعوا على أنه لا يجب الحج ولا العمرة في عمر الإنسان إلا مرة واحدة ، إلا أن ينذر فيجب الوفاء بالنذر بشرطه ، وإلا إذا دخل مكة أو حرمها لحاجة لا تتكرر من تجارة أو زيارة ونحوهما ، ففي وجوب الإحرام بحج أو عمرة خلاف العلماء وهما قولان للشافعي : أصحهما : استحبابه ، والثاني وجوبه بشرط أن لا يدخل لقتال ولا خائفا من ظهوره وبروزه . واختلفوا في وجوب الحج هل هو على الفور أو التراخي ؟ فقال الشافعي وأبو يوسف وطائفة : هو على التراخي ، إلا أن ينتهي إلى حال يظن فواته لو أخره عنها ، وقال أبو حنيفة ومالك وآخرون : هو على الفور . والله أعلم .

قوله صلى الله عليه وسلم وقد سئل ما يلبس المحرم : ( لا تلبسوا القمص ولا العمائم ولا السراويلات ولا البرانس ولا الخفاف إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ولا تلبسوا من [ ص: 253 ] الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس ) قال العلماء : هذا من بديع الكلام وجزله ؛ فإنه صلى الله عليه وسلم سئل عما يلبسه المحرم فقال : لا يلبس كذا وكذا ، فحصل في الجواب أنه لا يلبس المذكورات ، ويلبس ما سوى ذلك ، وكان التصريح بما لا يلبس أولى ؛ لأنه منحصر ، وأما الملبوس الجائز للمحرم فغير منحصر فضبط الجميع بقوله صلى الله عليه وسلم : ( لا يلبس كذا وكذا ) يعني : ويلبس ما سواه ، وأجمع العلماء على أنه لا يجوز للمحرم لبس شيء من هذه المذكورات ، وأنه نبه بالقميص والسراويل على جميع ما في معناهما ، وهو ما كان محيطا أو مخيطا معمولا على قدر البدن أو قدر عضو منه ، كالجوشن والتبان والقفاز وغيرها ، ونبه صلى الله عليه وسلم بالعمائم والبرانس على كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره ، حتى العصابة فإنها حرام ، فإن احتاج إليها لشجة أو صداع أو غيرهما شدها ولزمته الفدية ، ونبه صلى الله عليه وسلم بالخفاف على كل ساتر للرجل من مداس وجمجم وجورب وغيرها ، وهذا كله حكم الرجال ، وأما المرأة فيباح لها ستر جميع بدنها بكل ساتر من مخيط وغيره ، إلا ستر وجهها فإنه حرام بكل ساتر ، وفي ستر يديها بالقفازين خلاف للعلماء ، وهما قولان للشافعي : أصحهما : تحريمه ، ونبه صلى الله عليه وسلم بالورس والزعفران على ما في معناهما ، وهو الطيب ، فيحرم على الرجل والمرأة جميعا في الإحرام جميع أنواع الطيب ، والمراد ما يقصد به الطيب ، وأما الفواكه كالأترج والتفاح وأزهار البراري كالشيح والقيصوم ونحوهما ، فليس بحرام ؛ لأنه لا يقصد للطيب ، قال العلماء : والحكمة في تحريم اللباس المذكور على المحرم ولباسه الإزار والرداء أن يبعد عن الترفه ويتصف [ ص: 254 ] بصفة الخاشع الذليل ؛ وليتذكر أنه محرم في كل وقت ، فيكون أقرب إلى كثرة أذكاره ، وأبلغ في مراقبته وصيانته لعبادته ، وامتناعه من ارتكاب المحظورات ؛ وليتذكر به الموت ولباس الأكفان ، ويتذكر البعث يوم القيامة ، والناس حفاة عراة مهطعين إلى الداعي ، والحكمة في تحريم الطيب والنساء : أن يبعد عن الترفه وزينة الدنيا وملاذها ، ويجتمع همه لمقاصد الآخرة ، وقوله صلى الله عليه وسلم : إلا أحد لا يجد النعلين فليلبس الخفين وليقطعهما أسفل من الكعبين ، وذكر مسلم بعد هذا من رواية ابن عباس وجابر : ( من لم يجد نعلين فليلبس خفين ) ولم يذكر قطعهما . واختلف العلماء في هذين الحديثين فقال أحمد : يجوز لبس الخفين بحالهما ، ولا يجب قطعهما ؛ لحديث ابن عباس وجابر ، وكان أصحابه يزعمون نسخ حديث ابن عمر المصرح بقطعهما ، وزعموا أن قطعهما إضاعة مال ، وقال مالك وأبو حنيفة والشافعي وجماهير العلماء : لا يجوز لبسهما إلا بعد قطعهما أسفل من الكعبين ؛ لحديث ابن عمر ، قالوا : وحديث ابن عباس وجابر مطلقان ، فيجب حملهما على المقطوعين ، لحديث ابن عمر ، فإن المطلق يحمل على المقيد ، والزيادة من الثقة مقبولة ، وقولهم : إنه إضاعة مال ليس بصحيح ؛ لأن الإضاعة إنما تكون فيما نهي عنه ، وأما ما ورد الشرع به فليس بإضاعة ، بل حق يجب الإذعان له . والله أعلم .

ثم اختلف العلماء في لابس الخفين لعدم النعلين ، هل عليه فدية أم لا ؟ فقال مالك والشافعي ومن وافقهما : لا شيء عليه ؛ لأنه لو وجبت فدية لبينها صلى الله عليه وسلم . وقال أبو حنيفة وأصحابه : عليه الفدية كما إذا احتاج إلى حلق الرأس يحلقه ويفدي . والله أعلم .

قوله صلى الله عليه وسلم : ( ولا تلبسوا من الثياب شيئا مسه الزعفران ولا الورس ) أجمعت الأمة على تحريم لباسهما لكونهما طيبا ، وألحقوا بهما جميع أنواع ما يقصد به الطيب ، وسبب تحريم الطيب أنه داعية إلى الجماع ؛ ولأنه ينافي تذلل الحاج ، فإن الحاج أشعث أغبر ، وسواء في تحريم الطيب الرجل والمرأة ، وكذا جميع محرمات الإحرام سوى اللباس كما سبق بيانه .

ومحرمات الإحرام سبعة : اللباس بتفصيله السابق ، والطيب ، وإزالة الشعر والظفر ، ودهن الرأس واللحية ، وعقد النكاح والجماع ، وسائر الاستمتاع حتى الاستمناء ، والسابع : إتلاف الصيد . والله أعلم .

وإذا تطيب أو لبس ما نهي عنه لزمته الفدية إن كان عامدا بالإجماع ، وإن كان ناسيا فلا فدية عند الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق ، وأوجبها أبو حنيفة ومالك ، ولا يحرم المعصفر عند مالك والشافعي ، وحرمه الثوري وأبو حنيفة وجعلاه طيبا ، وأوجبا فيه الفدية ، ويكره للمحرم لبس الثوب المصبوغ بغير طيب ، ولا يحرم . والله أعلم .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث