الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 379 ] مسألة قال : ( ولا تصح الهبة والصدقة فيما يكال أو يوزن إلا بقبضه ) وجملة ذلك أن الهبة والصدقة والهدية والعطية معانيها متقاربة ، وكلها تمليك في الحياة بغير عوض ، واسم العطية شامل لجميعها ، وكذلك الهبة . والصدقة والهدية متغايران ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم كان يأكل الهدية ، ولا يأكل الصدقة . وقال في اللحم الذي تصدق به على بريرة : { هو عليها صدقة ، ولنا هدية }

فالظاهر أن من أعطى شيئا ينوي به إلى الله تعالى للمحتاج ، فهو صدقة . ومن دفع إلى إنسان شيئا للتقرب إليه ، والمحبة له ، فهو هدية . وجميع ذلك مندوب إليه ، ومحثوث عليه ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : { تهادوا تحابوا } . وأما الصدقة ، فما ورد في فضلها أكثر من أن يمكننا حصره ، وقد قال الله تعالى : { إن تبدوا الصدقات فنعما هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفر عنكم من سيئاتكم }

إذا ثبت هذا ، فإن المكيل والموزون لا تلزم فيه الصدقة والهبة إلا بالقبض . وهو قول أكثر الفقهاء منهم ; النخعي والثوري والحسن بن صالح وأبو حنيفة والشافعي وقال مالك ، وأبو ثور : يلزم ذلك بمجرد العقد ; لعموم قوله عليه السلام : { العائد في هبته ، كالعائد في قيئه } . ولأنه إزالة ملك بغير عوض ، فلزم بمجرد العقد ، كالوقف والعتق

وربما قالوا : تبرع ، فلا يعتبر فيه القبض ، كالوصية والوقف . ولأنه عقد لازم ينقل الملك ، فلم يقف لزومه على القبض كالبيع . ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، ولم يعرف لهما في الصحابة مخالف ، فروى عروة ، عن عائشة رضي الله عنها ، أن أبا بكر رضي الله عنه ، نحلها جذاذ عشرين وسقا من ماله بالعالية فلما مرض ، قال : يا بنية ، ما أحد أحب إلي غنى بعدي منك ، ولا أحد أعز علي فقرا منك وكنت نحلتك جذاذ عشرين وسقا ، ووددت أنك حزتيه أو قبضتيه ، وهو اليوم مال الوارث أخواك وأختاك ، فاقتسموا على كتاب الله عز وجل .

وروى ابن عيينة ، عن الزهري ، عن عروة ، عن عبد الرحمن بن عبد القاري

أن عمر بن الخطاب ، قال : ما بال أقوام ينحلون أولادهم ، فإذا مات أحدهم ، قال : مالي وفي يدي . وإذا مات هو ، قال : كنت نحلته ولدي ؟ لا نحلة إلا نحلة يحوزها الولد دون الوالد ، فإن مات ورثه وروى عثمان أن الوالد يحوز لولده إذا كانوا صغارا . قال المروذي : اتفق أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ، أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة . ولأنها هبة غير مقبوضة ، فلم تلزم ، كما لو مات قبل أن يقبض ، فإن مالكا يقول : لا يلزم الورثة التسليم ، والخبر محمول على المقبوض ، ولا يصح القياس على الوقف والوصية والعتق .

لأن [ ص: 380 ] الوقف إخراج ملك إلى الله تعالى ، فخالف التمليكات ، والوصية تلزم في حق الوارث ، والعتق إسقاط حق وليس بتمليك ، ولأن الوقف والعتق لا يكون في محل النزاع في المكيل والموزون .

( 4439 ) فصل : وقول الخرقي ( لا يصح ) . يحتمل أن يريد لا يلزم . ويحتمل أن يريد لا يثبت بها الملك قبل القبض ، فإن حكم الملك حكم الهبة ، والصحة اعتبار الشيء في حق حكمه . وأما الصحة بمعنى انعقاد اللفظ بحيث إذا انضم إليه القبض اعتبر وثبت حكمه ، فلا يصح حمل لفظه على نفيه ، لعدم الخلاف فيه ، ولأنه قال في سياق المسألة : " كما يصح في البيع "

وقد تقرر في البيع أن بيع المكيل والموزون صحيح قبل القبض ، وإنما ينتفي الضمان وإطلاقه في التصرفات . وقوله : " ما يكال وما يوزن " ظاهره العموم في كل موزون ومكيل ، وخصه أصحابنا المتأخرون بما ليس بمتعين فيه ، كالقفيز من صبرة ، والرطل من زبدة . وقد ذكرنا ذلك في البيع ، ورجحنا العموم .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث