الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 580 ] الاستثناء

الاستثناء : إخراج بعض الجملة بـ " إلا " أو ما قام مقامها ، وهو " غير " ، و " سوى " ، و " عدا " ، و " ليس " ، و " لا يكون " و " حاشا " ، و " خلا " ، وقيل : قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول ، وهذا قول من يزعم أن التعريف بالإخراج تناقض ، وليس بشيء .

والاستثناء يجب اتصاله ، ويتطرق إلى النص بخلاف التخصيص بغيره فيهما . ويفارق النسخ في الاتصال ، وفي رفع حكم بعض النص ، وفي منع دخول المستثنى على تعريفه الثاني .

التالي السابق


قوله : " الاستثناء " ، أي : هذا بيان حكم الاستثناء وهو من مخصصات العموم ; لأنها إما منفصل ، وهو المخصصات التسعة السابقة ، أو متصل وهو الاستثناء والشرط والغاية والصفة . فإذا قال : له علي عشرة إلا درهما ، أو : قام القوم إلا زيدا ; فقد تخصص العشرة بالدرهم ، والقوم بزيد . وإذا قال : أنت طالق إن قمت ; فقد خص عموم الأحوال بحالة القيام ، وإذا قال : أوصيت للقراء الفقهاء ، أو للشرفاء العلماء ; فقد خصت صفة الفقه والعلم بعض القراء والشرفاء . وإذا قال : ( ولا تقربوهن حتى يطهرن ) [ البقرة : 222 ] ، تخصص زمن المنع بما عدا زمن الطهر .

- قوله : " الاستثناء إخراج بعض الجملة بـ " إلا " أو ما قام مقامها " .

اعلم أن الاستثناء من حيث اللفظ : استفعال إما من التثنية ; لأن [ ص: 581 ] المستثنى في كلامه يثني الجملة ، أي : يأتي بجملة ثانية في كلامه ، نحو : قام القوم إلا زيدا ; فهم منه قيام القوم ، وعدم قيام زيد ; فهي جملتان ، أو من : ثنى الفارس عنان فرسه ، إذا عطفه ; لأن المستثني يعطف على الجملة ; فيخرج بعضها عن الحكم بالاستثناء .

وأما من حيث المعنى ; فقيل : هو إخراج بعض الجملة بـ إلا أو ما قام مقامها ; فإخراجه بـ إلا ، نحو : قام القوم إلا زيدا ، وإخراجه بما قام مقامها ، وهو غير وسوى ، إلى آخره نحو : قام القوم غير زيد وسوى عمرو ، وليس زيدا ، ولا يكون عمرا ، وحاشى بشرا ، وخلا بكرا .

وقيل : الاستثناء قول متصل يدل على أن المذكور معه غير مراد بالقول الأول .

وقال الآمدي : هو لفظ متصل بجملة ، لا يستقل بنفسه ، دال على أن مدلوله غير مراد بما اتصل به بحرف إلا أو بأحد أخواتها ، وهو في معنى الذي قبله وإن زاد عليه تحقيقا .

- قوله : " وهذا " ، أي : التعريف بقوله : " قول متصل " ، إلى آخره هو " قول من يزعم أن التعريف " يعني تعريف الاستثناء " بالإخراج " ، أي : بقولنا : هو إخراج بعض الجملة ، " تناقض " لأن هؤلاء قالوا : تعريف الاستثناء بإخراج بعض الجملة يقتضي أن ذلك البعض دخل في الجملة المستثنى منها ، ثم [ ص: 582 ] أخرج بالاستثناء ; فيكون تناقضا ; لأنه إذا قال : قام القوم ، اقتضى قيام زيد فيهم ، فإذا قال : إلا زيدا ، اقتضى أنه لم يقم فيهم ; فصار التقدير : قام زيد ، لم يقم زيد ، وذلك تناقض ، وعلى هذا بنى أبو بكر من أصحابنا أن الاستثناء في الطلاق لا يصح ; لأنه إذا قال : أنت طالق ثلاثا ، وقعت الثلاث ، فإذا قال : إلا واحدة ، لم ينفعه ; لأن الطلاق إذا وقع ، لا يرتفع ، ولأنه يلزم التناقض المذكور في الطلقة الثالثة .

- قوله : " وليس بشيء " ، أي : هذا السؤال ليس بشيء ، ولا تناقض في تعريف الاستثناء بالإخراج لوجهين :

أحدهما : أن متقدمي أهل العربية عرفوه بالإخراج ، قال ابن جني ، وحسبك به مقدما في هذا الشأن : الاستثناء : أن تخرج شيئا أدخلت فيه غيره ، أو تدخله فيما أخرجت منه غيره ، وحينئذ يجب المصير إلى ما قالوه ، واعتقاد أن لا تناقض في ذلك ; لأنهم أهل اللغة ، وهي وأهلها بريئون من التناقض فيها .

الوجه الثاني : أنا إذا قلنا : قام القوم ; فقد أسندنا القيام إلى جميعهم لعموم اللفظ فيهم ، وذلك يتناول زيدا وغيره ، ولا معنى لدخوله في المستثنى منه ، إلا أن القيام منسوب إليه كغيره ، فإذا قلنا بعد ذلك : إلا زيدا ; فقد أخرجناه منهم بعد دخوله فيهم ، نعم ، دخوله فيهم دخول لفظي لا معنوي ; لأن القائل يقول : قام القوم ، مع اعتقاده أن زيدا لم يقم معهم ، ولذلك عطف [ ص: 583 ] عليه ; فاستثناه منهم ، وإذا كان دخول المستثنى وإخراجه لفظيا : لم يلزم منه تناقض .

ولما تخيله القائلون بأن تعريف الاستثناء بالإخراج تناقض ، ذهب ذاهبون إلى أن المستثنى يدخل في المستثنى منه دخولا مراعى موقوفا على عدم الاستثناء ، فإن ورد المستثنى ، لم يستقر دخوله ، وإلا استقر .

مثاله : لو قال : أنت طالق ثلاثا ، أو : له علي عشرة دراهم ; فالطلقة الثالثة ، والدرهم العاشر داخلان في النسبة بشرط أن لا يستثنيهما المتكلم ; فيستقر دخولهما ، فإن استثناهما ، لم يستقر دخولهما . ولهذا لو قال : له علي كذا ، ثم سكت سكوتا يمكنه الكلام فيه ، ثم استثنى شيئا لم يقبل منه .

وهذا التقرير لا ينافي ما ذكرناه من أن دخول المستثنى وخروجه لفظيان ، وما ذكره أبو بكر من الاستثناء في عدد الطلاق لا يصح ، يشكل عليه بصحة الاستثناء في الإقرار بالمال ، وقد قال به ، مع أن الإنسان مؤاخذ بموجب إقراره ، كما أنه مؤاخذ بموجب إيقاعه الطلاق ، فلما اتفقنا على صحة الاستثناء في الإقرار بالمال ، دل على أن دخول المستثنى لفظي كما قلنا ، لا معنوي ، وأن ذلك ليس من باب رفع الواقع ، بل من باب منع الوقوع في المعنى ، أو من باب التخصيص المحض ، وبيان أن المستثنى غير مراد . وحينئذ تتقارب الأقوال في الاستثناء ، بل تتفق ، ويعود النزاع لفظيا ، والله سبحانه وتعالى أعلم .



[ ص: 584 ] قوله : " والاستثناء يجب اتصاله ، ويتطرق إلى النص ، بخلاف التخصيص ، بغيره فيهما " .

هذا بيان الفرق بين الاستثناء والتخصيص بغير الاستثناء ، وذلك من وجهين :

أحدهما : أن الاستثناء يجب اتصاله بالمستثنى منه ، وستأتي المسألة عن قريب إن شاء الله تعالى ، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء ; فإنه يجوز أن يتراخى ، مثل أن يقول : اقتلوا المشركين ، ثم يقول بعد مدة : اقبلوا الجزية من أهل الكتاب ، ولا تقتلوهم ، بخلاف قوله : اقتلوا المشركين ، ثم يقول بعد مدة : إلا أهل الكتاب .

والفرق بينهما عدم استقلال صيغة الاستثناء بنفسها لأنها تابعة للمستثنى منه ، بخلاف قوله : لا تقتلوا أهل الكتاب ; فإنه مستقل بنفسه . وهذا يقتضي أن التخصيص بالغاية والصفة والشرط يجب اتصاله لعدم استقلال هذه المخصصات بأنفسها . وإن قولنا : " بخلاف التخصيص بغيره " ، ليس على إطلاقه ، بل يجب أن يقال : بخلاف التخصيص بالمنفصل .

الوجه الثاني : في الفرق بين الاستثناء والتخصيص : أن الاستثناء يتطرق إلى النص ، كقوله : أنت طالق ثلاثا إلا واحدة ، وله علي عشرة إلا [ ص: 585 ] ثلاثة ، " ولله تسعة وتسعون اسما ، مائة إلا واحدا " ، بخلاف التخصيص بغير الاستثناء ; فإنه لا يصح في النص ، وإنما يصح في العام ، ودلالته ظنية كما سبق ، فإذا قال : أكرم الرجال ، ثم قال : لا تكرم زيدا ، كان ذلك تخصيصا ; لأن دخول زيد في الرجال بالنظر إلى إرادة المتكلم مظنون لا مقطوع ، ولو نص على أسماء الرجال ; فقال : أكرم عمرا وبكرا وبشرا وخالدا وجعفرا وزيدا ، حتى أتى على أسمائهم ، ثم قال : لا تكرم زيدا ، لم يكن ذلك تخصيصا بل نسخا ، وذلك لأن التخصيص يبين أن مدلول اللفظ الخاص ليس مرادا من اللفظ العام الذي هو محتمل لإرادته وعدمها وذلك صحيح مفيد . أما إذا نص على إرادة مدلول لفظ كزيد أو غيره من الرجال ، لم يصح بعد ذلك أن يبين أنه غير مراد له لإفضائه إلى التناقض ، بل يكون نسخا ; لأن التناقض من لوازمه .



قوله : " ويفارق النسخ في الاتصال ، وفي رفع حكم بعض النص ، وفي منع دخول المستثنى على تعريفه الثاني " .

هذا بيان الفرق بين الاستثناء والنسخ ، وذلك من وجوه :

أحدها : أن الاستثناء يشترط فيه الاتصال كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى ، والنسخ لا يشترط اتصاله ، بل يشترط تراخيه كما مر . وسبب الفرق أن الاستثناء لا يستقل بنفسه ، بخلاف الناسخ مع المنسوخ ; فإنه يستقل بنفسه ، وينافي المنسوخ ; فاتصاله به يكون تهافتا .

[ ص: 586 ] الوجه الثاني : أن الاستثناء إنما يرفع حكم بعض النص ، ولا يصح أن يكون مستغرقا ، والنسخ يجوز أن يرد على جميع حكم النص فيرفعه ; فيصح أن يوجب أربع ركعات ، ثم ينسخها بأن يقول : لا تصلوها ، ولا يصح أن يقول : صلوا أربعا إلا أربعا أو إلا ثلاثا كما سيأتي إن شاء الله تعالى .

وهاهنا تحقيقان :

أحدهما : قولنا : الاستثناء يرفع حكم بعض النص تجوز باعتبار دخول المستثنى في المستثنى منه لفظا ، وإلا فالاستثناء في التحقيق بيان لأنه أحد المخصصات .

الثاني : قولي : والنسخ يجوز أن يرفع حكم جميع النص ، أجود من قول الشيخ أبي محمد : إن النسخ يرفع جميع حكم النص ; لأن النسخ قد يرفع جميع حكم النص ، وقد يرفع بعضه ، كما نسخ خمس رضعات من عشر ، وكما إذا نسخ الوجوب يبقى الجواز ، وهو بعض حكم النص .



ويتعلق بهذا إشكال خطر لي على الفرق بين النسخ والتخصيص ولم يتحقق لي الجواب عنه ، وهو أن يقال : إذا جاز ورود النسخ والتخصيص على بعض حكم النص اشتبها ; فبماذا يفرق بينهما ؟ فإن قيل : بأن النسخ رفع ، والتخصيص بيان .

قلنا : صورتهما هاهنا مشتبهة ; فلا يعرف أيهما الرفع من البيان .

فإن قيل : يفرق بينهما بأن النسخ يكون بعد العمل بالنص ، والتخصيص [ ص: 587 ] قبله . فإذا قيل لنا : اقتلوا المشركين ، ثم قيل لنا : لا تقتلوا أهل الكتاب ، فإن كان ذلك قبل قتالنا للمشركين ، كان تخصيصا ، وإن كان بعده ، كان نسخا لبعض الحكم .

قلنا : فالنسخ قد بينا جوازه قبل الامتثال ، وبتقدير ذلك يعود الإشكال ; فإنه إذا قال لنا : صوموا شهر المحرم ، ثم قال لنا قبل دخول المحرم : لا تصوموا منه غير عشرين يوما ، لم نعلم هذا تخصيصا ، أو نسخا للبعض .

الوجه الثالث : أن الاستثناء مانع ، والنسخ رافع . وبيانه أن الاستثناء يمنع دخول المستثنى تحت لفظ المستثنى منه على تعريفه الثاني ، وهو أن الاستثناء لفظ متصل يدل على أن مدلوله غير مراد بالقول الأول ، والنسخ يرفع ما دخل تحت لفظ المنسوخ . وقد بينا أن النزاع في تعريف الاستثناء بالإخراج وغيره لفظي أو قريب منه ، وحينئذ يكون الفرق المذكور بين الاستثناء والنسخ مطلقا على كلا التعريفين للاستثناء ; فلا يظهر لقوله على تعريفه الثاني كبير فائدة .

تنبيه : يشتمل على ما هو كالتكملة لما ذكرنا ، وذلك أن بين التخصيص والنسخ جامعا وفارقا :

أما الجامع ; فهو أن كل واحد منهما قد يوجب تخصيص الحكم ببعض مدلول اللفظ كما سبق .

والفارق من وجوه :

أحدها : أن التخصيص بين أن مدلول اللفظ الخاص لم يكن مرادا من [ ص: 588 ] لفظ العام الدال عليه ، بخلاف المنسوخ ، فإن مدلوله كان مرادا بالحكم ، ثم رفع بالنسخ .

وثانيها : أن التخصيص لا يرد على الأمر بمأمور واحد ، نحو : أكرم زيدا ، إذ ليس بعام ، والنسخ يرد على ذلك .

وثالثها : أن التخصيص لا يجوز حتى لا يبقى من العام شيء ، بل لا بد أن يبقى واحد أو جمع كما سبق ، والنسخ يجوز أن يرفع جميع مدلول النص .

ورابعها : أن التخصيص قد يكون بغير خطاب الشرع ، كالإجماع ودليل العقل والحس كما سبق ، والنسخ لا يكون إلا بخطاب الشرع ، أو ما قام مقامه .

وخامسها : أن دليل التخصيص قد يكون متقدم الوجود على ما يخصصه ، بخلاف دليل النسخ ; فإنه يشترط تأخيره .

وسادسها : أنه لا يجوز تخصيص شريعة بشريعة أخرى ، ويجوز نسخها بها ، كما ثبت من تناسخ الشرائع .

وسابعها : أن التخصيص أعم من النسخ ; لأن التخصيص بيان ، والنسخ رفع ، ورفع الحكم يستلزم البيان ، والبيان لا يستلزم رفع الحكم .

وثامنها : أن التخصيص لا يكون إلا قبل العمل لأنه بيان ، وتأخير البيان عن وقت العمل لا يجوز ، والنسخ يجوز قبل العمل وبعده .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث