الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

المسألة الثالثة الترجيح الذي يمكن معه الجمع بين الأدلة

جزء التالي صفحة
السابق

[ ص: 349 ] المسألة الثالثة

فنقول : لتعارض الأدلة في هذا الضرب صور :

إحداها : أن يكون في جهة كلية مع جهة جزئية تحتها ، كالكذب المحرم مع الكذب للإصلاح بين الزوجين ، وقتل المسلم المحرم مع القتل قصاصا أو بالزنى ، فهو إما أن يكون الجزئي رخصة في ذلك الكلي ، أو لا .

وعلى كل تقدير ، فقد مر في هذا الكتاب ما يقتبس منه الحكم تعارضا وترجيحا ، وذلك في كتاب الأحكام وكتاب الأدلة ، فلا فائدة في التكرار .

والثانية : أن يقع في جهتين جزئيتين ، كلتاهما داخلة تحت كلية واحدة ، كتعارض حديثين أو قياسين أو علامتين على جزئية واحدة ، وكثيرا ما يذكره الأصوليون في الضرب الأول الذي لا يمكن فيه الجمع ، ولكن وجه النظر فيه أن التعارض إذا ظهر ، فلا بد من أحد أمرين : إما الحكم على أحد الدليلين بالإهمال ، فيبقى الآخر هو المعمل لا غير ، وذلك لا يصح إلا مع [ ص: 350 ] فرض إبطاله بكونه منسوخا ، أو تطريق غلط أو وهم في السند أو في المتن إن كان خبر آحاد ، أو كونه مظنونا يعارض مقطوعا به ، إلى غير ذلك من الوجوه القادحة في اعتبار ذلك الدليل ، وإذا فرض أحد هذه الأشياء لم يمكن فرض اجتماع الدليلين فيتعارضا ، وقد سلموا أن أحدهما إذا كان منسوخا لا يعد معارضا ، فكذلك ما في معناه ، فالحكم إذا للدليل الثابت عند المجتهد كما لو انفرد عن معارض من أصل ، والأمر الثاني : الحكم عليهما معا بالإعمال ، ويلزم من هذا ألا يتوارد الدليلان على محل التعارض من وجه واحد ؛ لأنه محال مع فرض إعمالهما فيه ، فإنما يتواردان من وجهين ، وإذ ذاك يرتفع التعارض ألبتة ، إلا أن هذا الإعمال تارة يرد على محل التعارض كما في مسألة العبد في رأي مالك ، فإنه أعمل حكم الملك له من وجه ، وأهمل ذلك من وجه ، وتارة يخص أحد الدليلين ، فلا يتواردان على محل التعارض معا ، بل يعمل [ ص: 351 ] في غيره ويهمل بالنسبة إليه لمعنى اقتضى ذلك ، ويدخل تحت هذا الوجه كل ما يستثنيه المجتهد صاحب النظر في تحقيق المناط الخاص المذكور في أول كتاب الاجتهاد ، وكذلك في فرض الكفاية المذكور في كتاب الأحكام .

والصورة الثالثة : أن يقع التعارض في جهتين جزئيتين لا تدخل إحداهما تحت الأخرى ، ولا ترجعان إلى كلية واحدة ، كالمكلف لا يجد ماء ولا تيمما ، فهو بين أن يترك مقتضى : وأقيموا الصلاة [ البقرة : 43 ] لمقتضى : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا [ المائدة : 6 ] إلى آخرها ، أو يعكس ، فإن الصلاة راجعة إلى كلية من الضروريات ، والطهارة راجعة إلى كلية من التحسينيات على قول من قال بذلك ، أو معارضة : وأقيموا الصلاة لقوله : وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره [ البقرة : 150 ] بالنسبة إلى من التبست عليه القبلة ، فالأصل أن الجزئي راجع في الترجيح إلى أصله الكلي ، فإن رجح الكلي فكذلك جزئيه ، أو لم يرجح فجزئيه مثله ؛ لأن الجزئي معتبر بكليه ، وقد ثبت [ ص: 352 ] ترجيحه ، فكذلك يترجح جزئيه .

وأيضا ، فقد تقدم أن الجزئي خادم لكليه ، وليس الكلي بموجود في الخارج إلا في الجزئي ، فهو الحامل له ، حتى إذا انخرم ، فقد ينخرم الكلي ، فهذا إذا متضمن له ، فلو رجح غيره من الجزئيات غير الداخلة معه في كليه للزم ترجيح ذلك الغير على الكلي ، وقد فرضنا أن الكلي المفروض هو المقدم على الآخر ، فلا بد من تقديم جزئيه كذلك ، وقد انجر في هذه الصورة حكم الكليات الشاملة لهذه الجزئيات ، فلا حاجة إلى الكلام فيها مع أن أحكامها مقتبسة من كتاب المقاصد من هذا الكتاب ، والحمد لله .

والصورة الرابعة : أن يقع التعارض في كليين من نوع واحد ، وهذا في [ ص: 353 ] ظاهره شنيع ، ولكنه في التحصيل صحيح .

ووجه شناعته أن الكليات الشرعية قد مر أنها قطعية لا مدخل فيها للظن ، وتعارض القطعيات محال .

وأما وجه الصحة فعلى ترتيب يمكن الجمع بينهما فيه إذا كان الموضوع له اعتباران ، فلا يكون تعارضا في الحقيقة ، وكذلك الجزئيان إذا دخلا تحت [ ص: 354 ] كلي واحد وكان موضوعهما واحدا ، إلا أن له اعتبارين .

فالجزئيان أمثلتهما كثيرة ، وقد مر منها ومن الأمثلة الميل ونحوه في تحديد طلب الماء للطهور ، فقد يكون فيه مشقة بالنسبة إلى شخص فيباح له التيمم ، ولا يشق بالنسبة إلى آخر فيمنع من التيمم ، فقد تعارض على الميل دليلان ، لكن بالنسبة إلى شخصين ، وهكذا ركوب البحر يمنع منه بعض ، ويباح لبعض ، والزمان واحد لكن بالنسبة إلى ظن السلامة والغرق وأشباه ذلك .

وأما التعارض في الكليين على ذلك الاعتبار ، فلنذكر له مثالا عاما يقاس عليه ما سواه إن شاء الله .

وذلك أن الله تعالى وصف الدنيا بوصفين كالمتضادين :

[ ص: 355 ] وصف يقتضي ذمها وعدم الالتفات إليها وترك اعتبارها .

ووصف يقتضي مدحها والالتفات إليها وأخذ ما فيها بيد القبول ؛ لأنه شيء عظيم مهدى من ملك عظيم .

فالأول له وجهان :

أحدهما : أنها لا جدوى لها ، ولا محصول عندها ، ومن ذلك قوله تعالى : أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم الآية [ الحديد : 20 ] فأخبر أنها مثل اللعب واللهو الذي لا يوجد فيه شيء ، ولا نفع فيه إلا مجرد الحركات والسكنات التي لا طائل تحتها ولا فائدة وراءها .

وقوله تعالى : وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور [ الحديد : 20 ] فحصر فائدتها في الغرور المذموم العاقبة .

وقوله تعالى : وما هذه الحياة الدنيا إلا لهو ولعب وإن الدار الآخرة لهي الحيوان [ العنكبوت : 64 ] .

وقوله تعالى : زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين إلى قوله : ذلك متاع الحياة الدنيا [ آل عمران : 14 ] .

وقال : المال والبنون زينة الحياة الدنيا [ الكهف : 46 ] إلى غير ذلك من الآيات .

[ ص: 356 ] وكذلك الأحاديث في هذا المعنى كقوله : لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافرا منها شربة ماء .

[ ص: 357 ] وهي كثيرة جدا ، وعلى هذا المنوال نسج الزهاد ما نقل عنهم من ذم الدنيا وأنها لا شيء .

والثاني : أنها كالظل الزائل ، والحلم المنقطع ، ومن ذلك قوله تعالى : إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض إلى قوله : كأن لم تغن بالأمس [ يونس : 24 ] .

وقوله : إنما هذه الحياة الدنيا متاع [ غافر : 39 ] .

وقوله : لا يغرنك تقلب الذين كفروا في البلاد متاع قليل الآية [ آل عمران : 196 - 197 ] .

[ ص: 358 ] وقوله : واضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح [ الكهف : 45 ] .

وغير ذلك من الآيات المفهمة معنى الانقطاع والزوال وبذلك تصير كأن لم تكن ، والأحاديث في هذا أيضا كثيرة ، كقوله - عليه الصلاة والسلام - : ما لي وللدنيا ، ما أنا في الدنيا إلا كراكب قال تحت شجرة ثم راح وتركها .

[ ص: 359 ] [ ص: 360 ] وهو حادي الزهاد إلى الدار الباقية .

وأما الثاني من الوصفين ، فله وجهان أيضا :

أحدهما : ما فيها من الدلالة على وجود الصانع ووحدانيته وصفاته العلا ، وعلى الدار الآخرة ، كقوله تعالى : أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج إلى : كذلك الخروج [ ق : 6 - 11 ] .

وقوله : أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا الآية [ النمل : 61 ] .

وقوله : يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة الآية إلى قوله : وأن الله يبعث من في القبور [ الحج : 5 - 7 ] .

وقوله : قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون سيقولون لله إلى قوله : سبحان الله عما يصفون [ المؤمنون : 84 - 91 ] .

إلى غير ذلك من الآيات التي هي دلائل على العقائد ، وبراهين على التوحيد .

والثاني : أنها منن ونعم امتن الله بها على عباده ، وتعرف إليهم بها في [ ص: 361 ] أثناء ذلك ، واعتبرها ودعا إليها بنصبها لهم وبثها فيهم ، كقوله تعالى : الله الذي خلق السماوات والأرض وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم إلى قوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [ إبراهيم : 32 - 34 ] .

وقوله : الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم الآية [ البقرة : 22 ] .

وقوله : هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب ومنه شجر إلى قوله : وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها [ النحل : 10 - 18 ] .

وفيها : والله جعل لكم مما خلق ظلالا وجعل لكم من الجبال أكنانا الآية [ النحل : 81 ] .

وفي أول السورة : والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون [ النحل : 5 ] .

ثم قال : ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون ثم قال : والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة [ النحل : 6 - 8 ] فامتن تعالى هاهنا ، وعرف بنعم من جملتها الجمال والزينة ، وهو الذي ذم به الدنيا في قوله : أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة [ الحديد : 20 ] .

إلى غير ذلك ، بل حين عرف بنعيم الآخرة امتن بأمثاله في الدنيا ، كقوله : في سدر مخضود وطلح منضود وظل ممدود [ الواقعة : 28 - 30 ] .

[ ص: 362 ] وهو قوله : والله جعل لكم مما خلق ظلالا [ النحل : 81 ] .

وقال : ولهم فيها أزواج مطهرة [ البقرة : 25 ] .

وقال : والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا [ النحل : 72 ] .

وهو كثير ، حتى إنه قال في الجنة : فيها أنهار من ماء غير آسن [ محمد : 15 ] إلى آخر أنواع الأنهار الأربعة .

وقال : والله أنزل من السماء ماء فأحيا به الأرض بعد موتها إلى أن قال : وأوحى ربك إلى النحل أن اتخذي من الجبال بيوتا إلى قوله : فيه شفاء للناس [ النحل : 65 - 69 ] .

وهو كثير أيضا ، ( وأيضا ) فأنزل الأحكام ، وشرع الحلال والحرام تخليصا لهذه النعم التي خلقها لنا من شوائب الكدرات الدنيويات والأخرويات .

وقال تعالى : من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة [ النحل : 97 ] يعني في الدنيا : ولنجزينهم أجرهم [ النحل : 97 ] يعني في الآخرة .

وقال حين امتن بالنعم : انظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه [ الأنعام : 99 ] : كلوا من رزق ربكم واشكروا له بلدة طيبة ورب غفور [ سبأ : 15 ] وقال في بعضها : ولتبتغوا من فضله [ النحل : 14 ] .

فعد طلب الدنيا فضلا ، كما عد حب الإيمان ، وبغض الكفر فضلا .

[ ص: 363 ] والدلائل أكثر من الاستقصاء .

فاقتضى الوصف الأول المضادة للثاني ، فالوجه الأول من الوصف الأول يضاد هذا الوجه الأخير من الوصف الثاني ، وهو ظاهر ؛ لأن عدم اعتبارها ، وأنها مجرد لعب لا محصول له مضاد لكونها نعما وفضلا ، والوجه الثاني من الوصف الأول مضاد للأول من الوصف الثاني ؛ لأن كونها زائلة وظلا يتقلص عما قريب مضاد لكونها براهين على وجود الباري ووحدانيته ، واتصافه بصفات الكمال ، وعلى أن الآخرة حق ، فهي مرآة يرى فيها الحق في كل ما هو حق ، وهذا لا تنفصل الدنيا فيه من الآخرة ، بل هو في الدنيا لا يفنى ؛ لأنها إذا كانت موضوعة لأمر وهو العلم الذي تعطيه ، فذلك الأمر موجود فيها تحقيقه ، وهو لا يفنى ، وإن فني منها ما يظهر للحس ، وذلك المعنى ينتقل إلى الآخرة ، فتكون هنالك نعيما ، فالحاصل أن ما بث فيها من النعم التي وضعت عنوانا عليه - كجعل اللفظ دليلا على المعنى - فالمعنى باق وإن فني العنوان ، وذلك ضد كونها منقضية بإطلاق ، فالوصفان إذا متضادان ، والشريعة منزهة عن التضاد ، مبرأة عن الاختلاف ، فلزم من ذلك أن توارد الوصفين على جهتين مختلفتين ، أو حالتين متنافيتين ، بيانه أن لها نظرين :

أحدهما : نظر مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا من كونها متعرفا للحق ، ومستحقا لشكر الواضع لها ، بل إنما يعتبر فيها كونها عيشا ومقتنصا [ ص: 364 ] للذات ، ومآلا للشهوات ، انتظاما في سلك البهائم ، فظاهر أنها من هذه الجهة قشر بلا لب ، ولعب بلا جد ، وباطل بلا حق ؛ لأن صاحب هذا النظر لم ينل منها إلا مأكولا ومشروبا وملبوسا ومنكوحا ومركوبا من غير زائد ، ثم يزول عن قريب ، فلا يبقى منه شيء ، فذلك كأضغاث الأحلام ، فكل ما وصفته الشريعة فيها على هذا الوجه حق ، وهو نظر الكفار الذين لم يبصروا منها إلا ما قال تعالى من أنها لعب ولهو وزينة وغير ذلك مما وصفها به ، ولذلك صارت أعمالهم : كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا [ النور : 39 ] وفي الآية الأخرى : وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا [ الفرقان : 23 ] .

والثاني : نظر غير مجرد من الحكمة التي وضعت لها الدنيا ، فظاهر أنها ملأى من المعارف والحكم ، مبثوث فيها من كل شيء خطير مما لا يقدر على تأدية شكر بعضه ، فإذا نظر إليها العاقل وجد كل شيء فيها نعمة يجب شكرها ، فانتدب إلى ذلك حسب قدرته وتهيئته ، وصار ذلك القشر محشوا لبا ، بل صار القشر نفسه لبا ؛ لأن الجميع نعم طالبة للعبد أن ينالها فيشكر لله بها وعليها ، والبرهان مشتمل على النتيجة بالقوة أو بالفعل ، فلا دق ولا جل في هذه الوجوه إلا والعقل عاجز عن بلوغ أدنى ما فيه من الحكم والنعم ، ومن هاهنا أخبر تعالى عن الدنيا بأنها جد وأنها حق ، كقوله تعالى : أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا [ المؤمنون : 115 ] .

وقوله : وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا [ ص : 27 ] .

وقوله : وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق [ الدخان : 38 - 39 ] .

[ ص: 365 ] أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق [ الروم : 8 ] إلى غير ذلك .

ولأجل هذا صارت أعمال أهل هذا النظر معتبرة مثبتة حتى قيل : فلهم أجر غير ممنون [ التين : 6 ] .

من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة [ النحل : 97 ] .

فالدنيا من جهة النظر الأول مذمومة ، وليست بمذمومة من جهة النظر [ ص: 366 ] الثاني ، بل هي محمودة ، فذمها بإطلاق لا يستقيم ، كما أن مدحها بإطلاق لا يستقيم ، والأخذ لها من الجهة الأولى مذموم ، يسمى أخذه رغبة في الدنيا ، وحبا في العاجلة ، وضده هو الزهد فيها ، وهو تركها من تلك الجهة ، ولا شك أن تركها من تلك الجهة مطلوب ، والأخذ لها من الجهة الثانية غير مذموم ، ولا يسمى أخذه رغبة فيها ، ولا الزهد فيها من هذه الجهة محمود ، بل يسمى سفها وكسلا وتبذيرا .

ومن هنا وجب الحجر على صاحب هذه الحالة شرعا ، ولأجله كان الصحابة طالبين لها ، مشتغلين بها ، عاملين فيها ؛ لأنها من هذه الجهة عون على شكر الله عليها ، وعلى اتخاذها مركبا للآخرة ، وهم كانوا أزهد الناس فيها ، وأورع الناس في كسبها ، فربما سمع أخبارهم في طلبها من يتوهم أنهم طالبون لها من الجهة الأولى ، لجهله بهذا الاعتبار ، وحاش لله من ذلك ، إنما طلبوها من الجهة الثانية ، فصار طلبهم لها من جملة عباداتهم ، كما أنهم تركوا طلبها من الجهة الأولى ، فكان ذلك أيضا من جملة عباداتهم رضي الله عنهم ، وألحقنا بهم ، وحشرنا معهم ، ووفقنا لما وفقهم له بمنه وكرمه .

فتأمل هذا الفصل ، فإن فيه رفع شبه كثيرة ترد على الناظر في الشريعة وفي أحوال أهلها ، وفيه رفع مغالط تعترض للسالكين لطريق الآخرة ، فيفهمون الزهد وترك الدنيا على غير وجهه ، كما يفهمون طلبها على غير وجهه ، فيمدحون ما لا يمدح شرعا ، ويذمون ما لا يذم شرعا .

وفيه أيضا من الفوائد فصل القضية بين المختلفين في مسألة الفقر والغنى ، وأن ليس الفقر أفضل من الغنى بإطلاق ، ولا الغنى أفضل بإطلاق ، بل الأمر في ذلك يتفصل ، فإن الغنى إذا أمال إلى إيثار العاجلة كان بالنسبة إلى [ ص: 367 ] صاحبه مذموما ، وكان الفقر أفضل منه ، وإن أمال إلى إيثار الآجلة ، فإنفاقه في وجهه ، والاستعانة به على التزود للمعاد ، فهو أفضل من الفقر ، والله الموفق بفضله .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث