الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 630 ] المطلق والمقيد

المطلق : ما تناول واحدا غير معين باعتبار حقيقة شاملة لجنسه نحو : ( فتحرير رقبة ) [ النساء : 92 ] ، " ولا نكاح إلا بولي " .

والمقيد : ما تناول معينا أو موصوفا بزائد على حقيقة جنسه نحو : ( شهرين متتابعين ) [ النساء : 92 ] ، وقد سبق أن الدال على الماهية من حيث هي هي فقط مطلق ; فالمقيد يقابله ، والمعاني متقاربة ، وتتفاوت مراتبه باعتبار قلة القيود وكثرتها ، وقد يجتمعان في لفظ واحد بالجهتين كرقبة مؤمنة قيدت من حيث الدين ، وأطلقت من حيث ما سواه ويقال : فعل مقيد ، أو مطلق باعتبار اختصاصه ببعض مفاعيله من ظرف ، ونحوه وعدمه .

التالي السابق


قوله : " المطلق " ، هذا موضع الكلام في المطلق والمقيد ; فالمطلق : " ما تناول واحدا غير معين ، باعتبار حقيقة شاملة لجنسه ، نحو " ، قوله عز وجل : ( فتحرير رقبة ) [ المجادلة : 3 ] ، وقوله عليه الصلاة والسلام : " لا نكاح إلا بولي " . فكل واحد من لفظ الرقبة والولي ، قد تناول واحدا غير [ ص: 631 ] معين ، من جنس الرقاب والأولياء . " والمقيد ما تناول معينا " ، نحو : أعتق زيدا من العبيد ; أو موصوفا بوصف زائد على حقيقة جنسه ، نحو : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) [ النساء : 92 ] ، و ( فصيام شهرين متتابعين ) [ النساء : 92 ] ، وصف الرقبة بالإيمان ، والشهرين بالتتابع ، وذلك وصف زائد على حقيقة جنس الرقبة والشهرين ; لأن الرقبة قد تكون مؤمنة وكافرة ، والشهرين قد يكونان متتابعين وغير متتابعين .

- قوله : " وقد سبق " ، يعني في تعريف حد العام " أن اللفظ الدال على الماهية ، من حيث هي هي فقط " ، أي : بالنظر إلى تجردها عن كل عارض يلحقها ، من وحدة وتعدد ، وطول وقصر ، وصغر وكبر ، هو المطلق ، " فالمقيد يقابله " ، أي : يقابل المطلق بهذا التفسير ; لأنهما في الأصل متقابلان ، فإذا ظهر أن المطلق : هو اللفظ الدال على الماهية المجردة عن العوارض ، التي من شأنها أن يلحقها ، أو بعضها ; فالمقيد : هو اللفظ الدال على الماهية ، مع تلك العوارض ، أو بعضها .

وقال الآمدي : المطلق : هو النكرة في سياق الإثبات ، كقولنا : رجل ، [ ص: 632 ] والمقيد : ما كان من الألفاظ دالا على وصف مدلوله المطلق ، بصفة زائدة عليه ، كقولنا : رجل عالم ، وهذا معنى ما ذكرناه في المقيد .

- قوله : " والمعاني متقاربة " ، أي : معاني ما ذكرناه في المطلق والمقيد متقاربة ، لا يكاد يظهر بينها تفاوت ; لأن قولنا : رقبة ، هو لفظ تناول واحدا من جنسه ، غير معين وهو لفظ دل على ماهية الرقبة ، من حيث هي هي ، أي : مجردة عن العوارض ، وهو نكرة في سياق إثبات .

وقولنا : رقبة مؤمنة . هو لفظ ، تناول موصوفا بأمر زائد على ماهيته ، وهو لفظ ، دل على الماهية ، مع بعض عوارضها ، وهو لفظ دل على وصف مدلوله المطلق ، بصفة زائدة عليه ، وربما ظهر التفاوت بين هذه التعريفات ، عند تدقيق النظر ، بصورة نادرة ، أو خفية ، لكنا لم نسبر ذلك .

تنبيه : الإطلاق والتقييد ، يكونان تارة في الأمر ، نحو : أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة ، وتارة في الخبر ، نحو : " لا نكاح إلا بولي وشاهدين " " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل . "

فائدة : الإطلاق والتقييد في الألفاظ : مستعاران منهما في الأشخاص ، [ ص: 633 ] يقال : رجل أو حيوان مطلق : إذا خلا من قيد ، أو عقال ، أو شكال ، ومقيد : إذا كان في رجله قيد ، أو عقال ، أو شكال ، أو نحو ذلك من موانع الحيوان من الحركة الطبيعية الاختيارية ، التي ينتشر بها بين جنسه .

فإذا قلنا : أعتق رقبة ; فهذه الرقبة شائعة في جنسها ، شيوع الحيوان المطلق بحركته الاختيارية بين جنسه .

وإذا قلنا : أعتق رقبة مؤمنة كانت هذه الصفة لها ، كالقيد المميز للحيوان المقيد ، من بين أفراد جنسه ، ومانعة لها من الشيوع ، كالقيد المانع للحيوان من الشيوع بالحركة في جنسه .



قوله : " وتتفاوت مراتبه " ، أي : مراتب المقيد في تقييده " باعتبار قلة القيود وكثرتها " فما كانت قيوده أكثر ; كانت رتبته في التقييد أعلى ، وهو فيه أدخل ; فقوله : أعتق رقبة مؤمنة ، مصلية ، سنية ، حنبلية ، أعلى رتبة في التقييد من قوله : أعتق رقبة مؤمنة .

وقوله سبحانه وتعالى : ( أن يبدله أزواجا خيرا منكن مسلمات مؤمنات قانتات تائبات عابدات سائحات ثيبات وأبكارا ) [ التحريم : 5 ] ، أعلى رتبة في التقييد من قوله : ( مؤمنات قانتات ) لا غير .

- وقوله عز وجل : ( التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله ) [ التوبة : 112 ] ، أعلى وأدخل في التقييد ، من اقتصاره على بعض الصفات المذكورة ; فكلما كثرت الأوصاف المخصصة ، المميزة للذات من [ ص: 634 ] غيرها ; كانت رتبة التخصيص والتقييد فيها أعلى .

- قوله : " وقد يجتمعان " ، يعني الإطلاق والتقييد قد يجتمعان في " لفظ واحد " باعتبار الجهتين ، كقوله تعالى : ( فتحرير رقبة مؤمنة ) [ النساء : 92 ] ، " قيدت من حيث الدين " ، بالإيمان ، " وأطلقت من حيث سواه " ، كالصحة والسقم ، والطول والقصر ، والنسب والبلد ; فهي مقيدة من جهة ، مطلقة من جهة .

وكذلك " يقال : فعل مقيد ، أو مطلق ، باعتبار اختصاصه ببعض مفاعيله ، من ظرف " زمان أو مكان ، ونحوه من المفاعيل ، كالمصدر ، والعلة ، والآلة ، ومحل الفعل ، وعدم اختصاصه بذلك .

ومثال هذا : ما سبق لنا في أن الأمر للفور والتكرار أم لا ؟ حيث قلنا : إن الأمر كقوله : صل ، مثلا ، مطلق بالنسبة إلى الزمان والمكان والآلة ، لا دلالة له على شيء منها بعينه ; فكذلك لا يدل على فور ولا تراخ ، ولا مرة ولا مرار .

وقد يقيد الفعل ببعض مفاعيله دون بعض ; فيكون مطلقا مقيدا ، بالإضافة إلى بعضها دون بعض ، كقوله : صم يوم الاثنين ; فالصوم مقيد من جهة ظرف الزمان ; مطلق من جهة ظرف المكان ، ولو قال : صم في مكة يومين لكان على العكس من ذلك .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث