الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                صفحة جزء
                [ ص: 635 ] ويحمل المطلق على المقيد إذا اتحدا سببا وحكما ، نحو : " لا نكاح إلا بولي وشهود " ، مع " إلا بولي مرشد وشاهدي عدل " ، خلافا لأبي حنيفة .

                لنا : إعمالهما أو إلغاؤهما ، أو أحدهما ممتنع ، وترجيح بلا مرجح ; فتعين الجمع بينهما بما ذكرنا .

                قال : الزيادة على النص نسخ ، وكلام الحكيم يحمل على إطلاقه ، ولأنه من باب مفهوم الصفة ، وليس بحجة عندنا .

                قلنا : الأول ، ونصيته على إرادة المطلق ممنوعان .

                والثاني : معارض بأن الحكيم لا يأمر بالجمع بين الضدين ، ولا الترجيح بلا مرجح ، ويأتي الجواب الثالث .

                التالي السابق


                قوله : " ويحمل المطلق على المقيد إذا اتحدا سببا وحكما " ، إلى آخره .

                اعلم : أنه إذا اجتمع معنا لفظ مطلق ومقيد ; فإما أن يتحد حكمهما ، أو يختلف ، فإن اتحد حكمهما ; فإما أن يتحد سببهما أو يختلف ; فهذه ثلاثة أقسام :

                أحدها : أن يتحدا في السبب والحكم ، وهو المراد باتحادهما سببا وحكما ، أي : يكون سببهما واحدا ، وحكمهما واحدا ، نحو قوله عليه الصلاة والسلام : " لا نكاح إلا بولي وشهود " ، مع قوله عليه الصلاة والسلام : " لا نكاح إلا بولي مرشد وشاهدي عدل " ; فالأول مطلق في الولي ، بالنسبة إلى الرشد [ ص: 636 ] والغي ، وفي الشهود ، بالنسبة إلى العدالة والفسق ، والثاني مقيد بالرشد في الولي ، والعدالة في الشهود ، وهما متحدان سببا وحكما ; لأن سببهما النكاح ، و حكمهما نفيه إلا بولي وشهود ; فيحمل المطلق على المقيد هاهنا ، ويعتبر رشد الولي وعدالة الشهود ، خلافا لأبي حنيفة في ذلك .

                " لنا " على وجوب حمل المطلق على المقيد هاهنا : أن " إعمالهما " ، أي : إعمال المطلق والمقيد ، يعني العمل بهما " أو إلغاؤهما ، أو أحدهما " ، أي : إلغاء أحدهما " ممتنع ، وترجيح بلا مرجح " ، يعني إعمالهما ، أو إلغاءهما ممتنع ، وإلغاء أحدهما ترجيح بلا مرجح .

                وتقرير الدليل : أن المطلق والمقيد إذا اجتمعا ; فلا يخلو إما أن نعمل بهما ، أو نلغيهما ; فلا نعمل بواحد منهما ، أو نعمل بأحدهما ، ونلغي الآخر ، أو نجمع بينهما بحمل أحدهما على الآخر .

                والأول : وهو العمل بهما ممتنع ، لإفضائه إلى التناقض ، إذ يلزم أن يعتبر الرشد في الولي مثلا ، ولا يعتبره ، ويشترط العدالة في الشهود ، ولا يعتبرها ، وهو محال .

                والثاني : وهو إلغاؤهما ممتنع أيضا ، لإفضائه إلى خلو الواقعة عن حكم ، مع ورود النص فيها ، وإلى تعطيل النص ، مع إمكان استعماله .

                والثالث : وهو إعمال أحدهما دون الآخر ترجيح من غير مرجح ، وهو غير جائز ; فيتعين الرابع ، وهو الجمع بينهما ، والعمل بهما ، بما ذكرنا من حمل المطلق على المقيد ، وكان أولى من العكس ; لأنه أكثر فائدة ، وهو المطلوب .

                [ ص: 637 ] قوله : " قال " : يعني أبا حنيفة احتج لمذهبه بوجوه :

                أحدها : أن تقييد المقيد زيادة على النص المطلق ، " والزيادة على النص نسخ " فلو حمل المطلق على المقيد ، لكان ذلك نسخا للمطلق ، والنسخ على خلاف الأصل ; فيجب تركه ما أمكن .

                الوجه الثاني : أن المطلق كلام الشارع الحكيم ، " وكلام الحكيم يحمل على إطلاقه " ، لوجوب استقلاله بالفائدة ، وإلا لم يكن قائله حكيما ، وقد فرضناه حكيما ، هذا خلف .

                الوجه الثالث : أن دلالة المقيد على عدم إفادة المطلق لحكمه ، إنما هو " من باب مفهوم الصفة " .

                وبيانه أو قوله عليه السلام : " لا نكاح إلا بولي مرشد " ، إنما دل بمفهومه - على أن غير المرشد لا تصح ولايته - لا بمنطوقه ، وإذا ثبت أنه من باب مفهوم الصفة ; لم يكن حجة علينا ; " لأنه ليس بحجة عندنا " .

                - قوله : " قلنا : الأول ، ونصيته على إرادة المطلق ممنوعان " .

                " الأول " : إشارة إلى قوله : " الزيادة على النص " أي : لا نسلم أن ذلك نسخ . وقد سبق وجه المنع في باب النسخ ، وكذلك لا نسلم أن المطلق منصوص على إرادته مجردا ، بل بقيد المقيد ، وذلك لأنه في دليله ادعى أمرين :

                أحدهما : أن المطلق منصوص على إرادته .

                الثاني : أن التقييد زيادة عليه ، والزيادة على النص نسخ ; فمنعنا الأمرين .

                " والثاني " : وهو قوله : " كلام الحكيم يحمل على إطلاقه ، وإلا لما استقل بالفائدة ; فيقدح في حكمته " " معارض ، بأن الحكيم لا يأمر بالجمع بين [ ص: 638 ] ضدين " ولا بالترجيح من غير مرجح ، وقد بينا لزوم ذلك ، من ترك الجمع بينهما ، بما ذكرنا .

                قوله : " ويأتي جواب الثالث " ، يعني قوله : إن دلالة المقيد من باب مفهوم الصفة . وجوابه يأتي إن شاء الله في باب المفهوم .

                قلت : لا نزاع في بطلان الأقسام الثلاثة ، من دليل التقسيم الذي ذكرناه ، وهو إعمال المطلق والمقيد ، وإلغاؤهما ، وإعمال أحدهما دون الآخر ، لكن النزاع في كيفية الجمع بينهما ; فنحن نقول : يحمل المطلق على المقيد ، وأبو حنيفة يقول بالعمل بالمطلق جوازا ، وبالمقيد استحبابا ، ولا جرم أنه قال : يصح النكاح بغير ولي ، وهو بولي أولى ، وكذا عدالة الشهود أولى ، وعدمها لا يبطل النكاح ، ويحمل قوله : " لا نكاح إلا بولي " ، على نفي الكمال والأولوية ، لا على نفي الصحة . ولعمري ، إن لمذهبه على هذا التقدير اتجاها .




                الخدمات العلمية