الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

مسألة كان الأقرب من عصبة المرأة طفلا أو كافرا أو عبدا زوجها الأبعد من عصبتها

بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب
جزء التالي صفحة
السابق

( 5170 ) مسألة ; قال : وإذا كان الأقرب من عصبتها طفلا أو كافرا أو عبدا ، زوجها الأبعد من عصبتها . وجملة ذلك أن الولاية لا تثبت لطفل ولا عبد ولا كافر على مسلمة بحال ، فعند ذلك يكون وجودهم كالعدم ، فتثبت الولاية لمن هو أبعد منهم كما لو ماتوا . وتعتبر لثبوت الولاية لمن سمينا ستة شروط ; العقل ، والحرية ، والإسلام ، والذكورية ، والبلوغ ، والعدالة ، على اختلاف نذكره . فأما العقل ، فلا خلاف في اعتباره ; لأن الولاية إنما تثبت نظرا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه ، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر ، ولا يلي نفسه ، فغيره أولى ، وسواء في هذا من لا عقل له لصغره كطفل ، أو من ذهب عقله بجنون أو كبر ، كالشيخ إذا أفند

قال القاضي : والشيخ الذي قد ضعف لكبره ، فلا يعرف موضع الحظ لها ، لا ولاية له . فأما الإغماء فلا يزيل الولاية ; لأنه يزول عن قرب ، فهو كالنوم ، ولذلك لا تثبت الولاية عليه ، ويجوز على الأنبياء عليهم السلام . ومن كان يجن في الأحيان لم تزل ولايته ; لأنه لا يستديم زوال عقله ، فهو كالإغماء . الشرط الثاني ، الحرية ، فلا ولاية لعبد في قول جماعة أهل العلم ، فإن العبد لا ولاية له على نفسه ، فعلى غيره أولى . وقال أصحاب الرأي : يجوز أن يزوجها العبد بإذنها ، بناء منهم على أن المرأة تزوج نفسها ، وقد مضى الكلام في هذه المسألة

الشرط الثالث ، الإسلام ، فلا يثبت لكافر ولاية على مسلمة . وهو قول عامة أهل العلم أيضا . قال ابن المنذر : أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا . قال أحمد : بلغنا أن عليا أجاز نكاح أخ ، ورد نكاح الأب وكان نصرانيا . الشرط الرابع ، الذكورية شرط للولاية في قول الجميع ; لأنه يعتبر فيها الكمال ، والمرأة ناقصة قاصرة ، تثبت الولاية عليها لقصورها عن النظر لنفسها ، فلأن لا تثبت لها ولاية على غيرها أولى . الشرط الخامس ، البلوغ شرط في ظاهر المذهب .

قال أحمد : لا يزوج الغلام حتى يحتلم ، ليس له أمر .

وهذا [ ص: 17 ] قول أكثر أهل العلم ، منهم الثوري والشافعي ، وإسحاق ، وابن المنذر ، وأبو ثور . وعن أحمد ، رواية أخرى ، أنه إذا بلغ عشرا زوج ، وتزوج ، وطلق ، وأجيزت وكالته في الطلاق . وهذا يحتمله كلام الخرقي ; لتخصيصه المسلوب الولاية بكونه طفلا ، ووجه ذلك أنه يصح بيعه ووصيته وطلاقه ، فثبتت له الولاية كالبالغ . والأول اختيار أبي بكر ، وهو الصحيح ; لأن الولاية يعتبر لها كمال الحال ، لأنها تنفيذ التصرف في حق غيره اعتبرت نظرا له ، والصبي مولى عليه لقصوره ، فلا تثبت له الولاية ، كالمرأة .

الشرط السادس ، العدالة . في كونها شرطا روايتان ; إحداهما ، هي شرط . قال أحمد : إذا كان القاضي مثل ابن الحلبي وابن الجعدي استقبل النكاح . فظاهر هذا أنه أفسد النكاح لانتفاء عدالة المتولي له . وهذا قول الشافعي ; وذلك لما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه قال : لا نكاح إلا بشاهدي عدل وولي مرشد . قال أحمد : أصح شيء في هذا قول ابن عباس ، وقد روي - يعني عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل . وأيما امرأة أنكحها ولي مسخوط عليه ، فنكاحها باطل }

وروي عن أبي بكر البرقاني بإسناده عن جابر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم { : لا نكاح إلا بولي مرشد ، وشاهدي عدل } . ولأنها ولاية نظرية ، فلا يستبد بها الفاسق ، كولاية المال . والرواية الأخرى ، ليست بشرط . نقل مثنى بن جامع ، أنه سأل أحمد : إذا تزوج بولي فاسق ، وشهود غير عدول ؟ فلم ير أنه يفسد من النكاح شيء ، وهذا ظاهر كلام الخرقي ; لأنه ذكر الطفل والعبد والكافر ، ولم يذكر الفاسق . وهو قول مالك ، وأبي حنيفة ، وأحد قولي الشافعي ; لأنه يلي نكاح نفسه ، فتثبت له الولاية على غيره ، كالعدل ، ولأن سبب الولاية القرابة ، وشرطها النظر ، وهذا قريب ناظر ، فيلي كالعدل

( 5171 ) فصل : ولا يشترط أن يكون بصيرا ; لأن شعيبا عليه السلام ، زوج ابنته وهو أعمى ، ولأن المقصود في النكاح يعرف بالسماع والاستفاضة ، فلا يفتقر إلى النظر . ولا يشترط كونه ناطقا ، بل يجوز أن يلي الأخرس إذا كان مفهوم الإشارة ; لأن إشارته تقوم مقام نطقه في سائر العقود والأحكام ، فكذلك في النكاح .

التالي السابق


تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث