الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


[ ص: 5 ] الإجماع

لغة : العزم والاتفاق .

واصطلاحا اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني ، وأنكر قوم جوازه عقلا ، وهو ضروري فإنكاره عناد ، ثم الوقوع يستلزمه كالإجماع على الصلوات الخمس ، وأركان الإسلام ، ثم مع وجود العقل ، ونصب الأدلة ، ووعيد الشرع الباعث على البحث والاجتهاد ، وقلة المجتهدين بالنسبة إلى الأمة كيف يمتنع ! واختلاف القرائح عقلي بخلاف اختلاف الدواعي الشهوانية ، إذ هو طبعي ، والفرق بينهما جلي .

وقيل : إنما يحكم بتصور وجوده على عهد الصحابة عند قلة المجتهدين .

التالي السابق


القول في " الإجماع " وهو " لغة " أي : في اللغة " العزم والاتفاق " أي : يطلق على كل واحد منهما .

قال الجوهري : قال الكسائي : أجمعت الأمر ، وعلى الأمر ، إذا عزمت عليه ، والأمر مجمع . قلت : ومجمع عليه ، لتعديه بحرف الجر فيما حكاه .

قلت : وكما تعدى بالهمزة ، تعدى بالتضعيف ، فيقال : أجمع وجمع ، وفي الحديث : لا صيام لمن لم يجمع الصيام من الليل أي : يعزم عليه .

[ ص: 6 ] يجوز بالتخفيف من : أجمع ، يجمع ، وبالتشديد من : جمع يجمع . ويقال :

أجمع القوم على كذا ، أي : اتفقوا عليه .

قوله : " واصطلاحا " أي : والإجماع في الاصطلاح ، أي : اصطلاح علماء الشرع : " اتفاق مجتهدي العصر من هذه الأمة على أمر ديني " .

فقولنا : " مجتهدي " : احتراز من اتفاق غير المجتهدين ، فإنه لا يعتبر ولا يعد إجماعا .

وقولنا : " مجتهدي العصر " : عام في المجتهدين كلهم ، ففيه احتراز من اتفاق بعضهم فقط ، فلا يكون إجماعا ، وسيأتي إن شاء الله تعالى ذكر شيء من ذلك .

وقولنا : " من هذه الأمة " : احتراز من المجتهدين من غيرها ، كاتفاق علماء اليهود والنصارى ، ونحوهم من الكفار على أحكام دينهم ، فإنه ليس إجماعا شرعيا بالإضافة إلينا .

وقولنا : " على أمر ديني " أي : يتعلق بالدين لذاته أصلا أو فرعا ، احتراز من اتفاق مجتهدي الأمة على أمر دنيوي ، كالمصلحة في إقامة متجر ، أو حرفة ، أو على أمر ديني ، لكنه لا يتعلق بالدين لذاته ، بل بواسطة ، كاتفاقهم على بعض مسائل العربية ، أو اللغة ، أو الحساب ونحوه ، فإن ذلك ليس إجماعا شرعيا ، أو اصطلاحيا ، وإن كان إجماعا شرعيا في الحقيقة ، لتعلقه بالشرع ، وإن كان بواسطة .

قال الشيخ أبو محمد : الإجماع في الشرع : اتفاق علماء العصر من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - على أمر من أمور الدين . والذي ذكرناه تلخيص هذا .

[ ص: 7 ] وقال الآمدي : هو اتفاق جملة أهل الحل والعقد من أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - في عصر ما على حكم واقعة من الوقائع .

وقال القرافي : هو اتفاق أهل الحل والعقد من هذه الأمة في أمر من الأمور .

قال : ونعني بالاتفاق الاشتراك، إما في القول ، أو الفعل ، أو الاعتقاد . وبأهل الحل والعقد : المجتهدين في الأحكام الشرعية ، وبأمر من الأمور : الشرعيات ، والعقليات ، والعرفيات .



قوله : " وأنكر قوم جوازه " أي : جواز الإجماع من مجتهدي الأمة على حكم " عقلا " أي : لا يجوز ذلك في العقل أن يتفقوا على حكم واقعة ، وهو قول الأقلين .

قوله : " وهو " أي : جواز اتفاقهم على حكم ما " ضروري " أي : معلوم بالضرورة ، وهو قول الأكثرين من الأصوليين ، لأنه لا يلزم من فرض وقوعه محال لذاته ، ولا لغيره ، وهذا هو المعني بالجواز العقلي .

قوله : " فإنكاره " أي : حيث ثبت أن جواز وجود الإجماع ضروري ، فإنكار جوازه " عناد " لأن النزاع في الضروريات عناد .

نعم . هؤلاء استبعدوا وقوعه مع كثرة العباد وتباعد البلاد واختلاف القرائح ، فظنوا الاستبعاد استحالة .

قوله : " ثم الوقوع يستلزمه " هذا دليل آخر على جواز وقوعه .

وتقريره : أن الإجماع قد وقع ، والوقوع يستلزم الجواز ، أي : يدل عليه [ ص: 8 ] بالالتزام ، لأن الجواز للوقوع ، ووجود الملزوم يدل على وجود اللازم ، أما وقوع الإجماع " فكالإجماع على الصلوات الخمس ، وأركان الإسلام " الخمس ، وهي الشهادتان ، والصلاة ، والزكاة ، والصيام ، والحج ، فإنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب ذلك ، وواجبات كثيرة ، وأحكام أجمع عليها المسلمون ، وفيها لا يختلفون .

فإن قيل : إنما تثبت هذه الأشياء بالتواتر ، لا بالإجماع .

قلنا : الإجماع عليها ثابت ، لا نزاع فيه ، وأما التواتر فيها ، فهو مستند الإجماع ، أو أنها ثبتت بالتواتر والإجماع معا ، أو مرتبا ، لما تواترت أجمع عليها ، أو لما أجمع عليها ، تواترت ، وكيفما كان ، فالإجماع فيها ثابت ، وبه يحصل المقصود .

وأما أن الوقوع يستلزم الجواز ، فلما بيناه من أنه لا يقع إلا ما هو جائز الوقوع .

قوله : " ثم مع وجود العقل ، ونصب الأدلة ، ووعيد الشرع الباعث على البحث والاجتهاد ، وقلة المجتهدين بالنسبة إلى الأمة كيف يمتنع ! هذا دليل آخر على جوازه ، على سبيل التقريب والتسهيل له .

وتقريره : أن هاهنا أمورا لا يمتنع معها وقوع الإجماع :

أحدها : وجود العقل في المجتهدين .

[ ص: 9 ] والثاني : نصب أدلة الشرع على الأحكام .

والثالث : وعيد الشرع الباعث على البحث والاجتهاد ، والنظر في استخراج الأحكام ، كقوله - عز وجل - : انظرواأولم ينظروا [ الأعراف : 7 و 185 ] ، ونحوه من الأوامر بالنظر ، وهو عام في النظر في الأصول والفروع ، والعقل يضطر صاحبه مع الوعيد على ترك الاجتهاد إلى النظر ، ويستعين على درك الحق بنصب الأدلة عليه ، فيسهل عليه إدراكه ، خصوصا مع قلة المجتهدين بالنسبة إلى مجموع الأمة ، وهو الأمر الرابع من الأمور المذكورة ، فإن مجتهدي كل عصر بالنسبة إلى مجموع أهل ذلك العصر قليل جدا ، بحيث إن الإقليم العظيم ، الطويل العريض ، لا يوجد فيه من المجتهدين إلا الواحد بعد الواحد ، فبان بما ذكرناه أن مع تحقق هذه الأمور ، لا يمتنع وقوع الإجماع .

قوله : " واختلاف القرائح عقلي بخلاف اختلاف الدواعي الشهوانية ، إذ هو طبعي ، والفرق بينهما جلي " .

هذا جواب سؤال مقدر ومشهور لمنكري جواز الإجماع .

وتقريره : أن اتفاق المجتهدين لو جاز وقوعه لكان إما أن يكون عن دليل ظني ، أو قطعي ، والأول باطل ، إذ يستحيل في العادة مع اختلاف الأذهان والقرائح اجتماع الخلق الكثير على موجب دليل ظني ، كما يستحيل عادة اتفاقهم مع اختلاف الشهوات والدواعي على أكل طعام معين في يوم واحد .

والثاني : وهو اتفاقهم عن دليل قاطع يبطل فائدة الإجماع لأن القاطع [ ص: 10 ] تتوفر دواعي نقله ، فيستحيل خفاؤه عادة ، فيجب ظهوره ، ومع ظهوره لا حاجة إلى الإجماع ، لأن الإجماع إنما كان حجة لدلالته على القاطع ، وإذا أمكن معرفة القاطع بغير واسطة كان أولى من الاستدلال عليه بواسطة .

وتقرير الجواب : أنه يجوز انعقاد الإجماع عن دليل ظني ، وعن دليل قطعي ، ولا يلزم شيء مما ذكرتم .

أما انعقاده عن الظني فجائز لا يلزم من فرض وقوعه محال كما سبق .

قولكم : يستحيل اجتماعهم على موجبه عادة ، كما يستحيل اتفاقهم على أكل طعام معين في يوم واحد .

قلنا : لا نسلم . والفرق بينهما : أن اختلاف الأذهان والقرائح في النظر في الأحكام عقلي ، أي : مستنده العقل والعقل مع نصب الأدلة ، وباعث الوعيد على النظر يرشد إلى الحق والصواب ، وهو واحد في نفسه ، لا يختلف ، فيصح وقوع الاتفاق عليه ، بخلاف اختلاف الدواعي الشهوانية " يعني شهوات الأكل والشرب ، فإنه " طبعي " أي : مستنده الطبع ، والطباع تختلف بحقائقها وأعراضها اختلافا متباينا في أصول العالم ، وما ركب منه .

أما أصول العالم أعني عالم الكون والفساد ، وهي العناصر الأربع فاختلاف طباعها وكيفياتها محسوس ، إذ الأرض طبعها الهبوط التام ، والنار طبعها الصعود التام ، والماء طبعه الهبوط القاصر ، والهواء طبعه الصعود القاصر ، والنار حارة يابسة ، والهواء حار رطب ، والماء بارد رطب ، والأرض باردة يابسة .

وأما ما تركب من هذه العناصر من الحيوان الناطق وغيره ، واختلاف [ ص: 11 ] طباعه وأمزجته ظاهر ، وبحسب اختلاف ذلك تختلف شهواتهم ، فمنهم المحرور الذي يؤثر تناول المبردات ، والمقرور الذي يؤثر تناول المسخنات وذو المزاج اليابس الذي يؤثر المرطبات ، وذو المزاج الرطب الذي يؤثر تناول المجففات ، لأن الضد من ذلك يقمع بضده ، وتقتضي الطبيعة تعديل المزاج بتناوله ، فلذلك جاز وقوع الإجماع على قتل القاتل والمرتد ، وحد الزاني ، وتحريم الخمر ، ونحوها ، لأنا لما علمنا بالضرورة من حكمة الشرع ، التشوف إلى حفظ النفوس ، والأديان ، والأنساب ، والعقول ، ووردت نصوص الشرع بعقوبات أهل هذه الجنايات ، وكان ذلك مناسبا في النظر العقلي ، لا جرم وقع الإجماع على ما ذكرناه من عقوبات هؤلاء ، وتحريم الخمر ، ولم يجز الاتفاق على الاغتذاء بالبطيخ أو الباذنجان أو السمك في يوم واحد ، من جميع الأمة ، لأنا نعلم قطعا أن هناك أمزجة لا توافق هذه المآكل ، فلا يتناولها أصحابها .

وسر الفرق : أن العقل أمر مختار ، يدور مع الحق حيث ما دار ، بخلاف الطبع ، فإنه مجبور بقدرة الجبار ، على ما سخر له بطريق الاضطرار ، فبان الفرق بينهما لذوي الأبصار ، وهذا معنى قوله : " والفرق بينهما جلي " .

وأما انعقاد الإجماع على القاطع ، فلا نسلم أنه يبطل فائدة الإجماع ، [ ص: 12 ] لأنه كاف في معرفة حكم الدليل القاطع ، والأمر في ذلك واسع .

قوله : " وقيل : إنما يحكم بتصور وجوده " يعني وجود الإجماع " على عهد الصحابة - رضي الله عنهم - عند قلة المجتهدين " يعني الإمكان الموقوف على آرائهم من غير استبعاد ، كاتفاقهم على قتال مانعي الزكاة ونحوه ، وصاحب هذا القول توسط بين إحالة وقوع الإجماع ، وتجويزه على استبعاد ؛ لأنه قد قام دليل الجواز العقلي كما مر ، فانتفت الاستحالة ، وقام دليل بعد وقوع الإجماع مطلقا في كل عصر ، إذ من المستبعد جدا انتشار الحادثة الواحدة في البلاد الواسعة ، وبلوغها إلى الأطراف الشاسعة ، ليقف عليها كل مجتهد ، ثم يذكر كل منهم ما عليه في حكمها يعتمد ، وإليه يستند ثم يطبقون فيها على قول واحد ، فإن العادة على هذا لا تساعد ، فلذلك ذهب صاحب هذا القول إلى ما ذهب ، ولعمري إنه لنعم المذهب ، فإن كثيرا من الحوادث تقع في أقاصي المغرب والمشرق ، ولا يعلم بوقوعها من بينهما من أهل مصر والشام والعراق ، وما والاهما ، فكيف تصح دعوى الإجماع الكلي في مثل هذه وإنما ثبتت هذه بإجماع جزئي ، وهو إجماع مجتهدي الإقليم الذي وقعت فيه .

[ ص: 13 ] أما إجماع الأمة قاطبة ، فمتعذر في مثلها ، إذ الإجماع عليها فرع العلم بها ، والتصديق مسبوق بالتصور ، فمن لا يعلم محل الحكم ، كيف يتصور منه الحكم بنفي أو إثبات ؟ والله تعالى أعلم .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث