الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


باب غزوة بدر

1779 حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا عفان حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور حين بلغه إقبال أبي سفيان قال فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ثم تكلم عمر فأعرض عنه فقام سعد بن عبادة فقال إيانا تريد يا رسول الله والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا قال فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس فانطلقوا حتى نزلوا بدرا ووردت عليهم روايا قريش وفيهم غلام أسود لبني الحجاج فأخذوه فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه فيقول ما لي علم بأبي سفيان ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف فإذا قال ذلك ضربوه فقال نعم أنا أخبركم هذا أبو سفيان فإذا تركوه فسألوه فقال ما لي بأبي سفيان علم ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس فإذا قال هذا أيضا ضربوه ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف قال والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم هذا مصرع فلان قال ويضع يده على الأرض هاهنا هاهنا قال فما ماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم

التالي السابق


قوله : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان فتكلم أبو بكر فأعرض عنه ، ثم تكلم عمر فأعرض عنه ، فقام سعد بن عبادة فقال : إيانا تريد يا رسول الله ، والذي نفسي بيده لو أمرتنا أن نخيضها لأخضناها ) قال العلماء : إنما قصد صلى الله عليه وسلم اختبار الأنصار ; لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو ، وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده ، فلما عرض الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقون على ذلك فأجابوه أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وغيرها .

وفيه استشارة الأصحاب وأهل الرأي والخبرة .

قوله : ( أن نخيضها ) يعني : الخيل .

وقوله : ( برك الغماد ) أما ( برك ) فهو بفتح الباء وإسكان الراء هذا هو المعروف المشهور في كتب الحديث وروايات المحدثين ، وكذا نقله القاضي عن رواية المحدثين ، قال : وقال بعض أهل اللغة : صوابه كسر الراء ، قال : وكذا قيده شيوخ أبي ذر في البخاري ، كذا ذكره القاضي في شرح مسلم ، وقال في المشارق : هو بالفتح لأكثر الرواة ، قال : ووقع للأصيلي والمستملي وأبي محمد الحموي بالكسر ، قلت : وذكره جماعة من أهل اللغة بالكسر لا غير ، واتفق الجميع على أن الراء ساكنة إلا ما حكاه القاضي عن الأصيلي أنه ضبطه [ ص: 464 ] بإسكانها وفتحها ، وهذا غريب ضعيف .

وأما ( الغماد ) فبغين معجمة مكسورة ومضمومة لغتان مشهورتان ، لكن الكسر أفصح ، وهو المشهور في روايات المحدثين ، والضم هو المشهور في كتب اللغة ، وحكى صاحب المشارق والمطالع الوجهين عن ابن دريد ، وقال القاضي عياض في الشرح : ضبطناه في الصحيحين بالكسر ، قال : وحكى ابن دريد فيه الضم والكسر ، وقال الحازمي في كتابه " المؤتلف والمختلف في أسماء الأماكن " هو بكسر الغين ، ويقال : بضمها ، قال : وقد ضبطه ابن الفرات في أكثر المواضع بالضم ، لكن أكثر ما سمعته من المشايخ بالكسر ، قال : وهو موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل ، وقيل : بلدتان ، هذا قول الحازمي ، وقال القاضي وغيره : هو موضع بأقاصي هجر ، وقال إبراهيم الحربي : برك الغماد وسعفات هجر كناية ، يقال فيما تباعد .

قوله : ( ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي فلما رأى ذلك انصرف ، قال : والذي نفسي بيده لتضربوه إذا صدقكم وتتركوه إذا كذبكم ) معنى انصرف : سلم من صلاته . ففيه استحباب تخفيفها إذا عرض أمر في أثنائها ، وهكذا وقع في النسخ ( تضربوه وتتركوه ) بغير نون ، وهي لغة سبق بيانها مرات ، أعني حذف النون بغير ناصب ولا جازم .

وفيه جواز ضرب الكافر الذي لا عهد له ، وإن كان أسيرا .

وفيه معجزتان من أعلام النبوة إحداهما : إخباره صلى الله عليه وسلم بمصرع جبابرتهم ، فلم ينفذ أحد مصرعه . الثانية : إخباره صلى الله عليه وسلم بأن الغلام الذي كانوا يضربونه يصدق إذا تركوه ، ويكذب إذا ضربوه ، وكان كذلك في نفس الأمر . والله أعلم .

قوله : ( فما ماط أحدهم ) أي تباعد .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث