الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب

باب النساء الغازيات يرضخ لهن ولا يسهم والنهي عن قتل صبيان أهل الحرب

1812 حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب حدثنا سليمان يعني ابن بلال عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خمس خلال فقال ابن عباس لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه كتب إليه نجدة أما بعد فأخبرني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء وهل كان يضرب لهن بسهم وهل كان يقتل الصبيان ومتى ينقضي يتم اليتيم وعن الخمس لمن هوفكتب إليه ابن عباس كتبت تسألني هل كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغزو بالنساء وقد كان يغزو بهن فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة وأما بسهم فلم يضرب لهن وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان وكتبت تسألني متى ينقضي يتم اليتيم فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو وإنا كنا نقول هو لنا فأبى علينا قومنا ذاك حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وإسحق بن إبراهيم كلاهما عن حاتم بن إسمعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن يزيد بن هرمز أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن خلال بمثل حديث سليمان بن بلال غير أن في حديث حاتم وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان إلا أن تكون تعلم ما علم الخضر من الصبي الذي قتل وزاد إسحق في حديثه عن حاتم وتميز المؤمن فتقتل الكافر وتدع المؤمن [ ص: 512 ]

التالي السابق


[ ص: 512 ] قوله : ( فقال ابن عباس : لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه ) يعني إلى نجدة الحروري من الخوارج ، معناه : أن ابن عباس يكره نجدة لبدعته ، وهي كونه من الخوارج الذين يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية ، ولكن لما سأله عن العلم لم يمكنه كتمه فاضطر إلى جوابه ، وقال : لولا أن أكتم علما ما كتبت إليه أي لولا أني إذا تركت الكتابة أصير كاتما للعلم ، مستحقا لوعيد كاتمه لما كتبت إليه .

قوله : ( كان يغزو بالنساء فيداوين الجرحى ويحذين من الغنيمة ، وأما بسهم فلم يضرب لهن ) فيه حضور النساء الغزو ومداواتهن الجرحى كما سبق في الباب قبله ، وقوله : ( يحذين ) هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة وفتح الذال المعجمة ، أي : يعطين تلك العطية ، وتسمى الرضخ ، وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ ولا تستحق السهم ، وبهذا قال أبو حنيفة والثوري والليث والشافعي وجماهير العلماء ، وقال الأوزاعي : تستحق السهم إن كانت تقاتل أو تداوي الجرحى ، وقال مالك : لا رضخ لها ، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصريح .

قوله بعد هذا : ( وسألت عن المرأة والعبد : هل كان لهم سهم معلوم إذا حضروا البأس ؟ فإنهم لم يكن لهم سهم معلوم إلا أن يحذيا من غنائم القوم . )

فيه أن العبد يرضخ له ولا يسهم له ، وبهذا قال الشافعي وأبو حنيفة وجماهير العلماء ، وقال مالك : لا رضخ له ، كما قال في المرأة ، وقال الحسن وابن سيرين والنخعي والحكم : إن قاتل أسهم له .

قوله : ( إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن يقتل الصبيان فلا تقتل الصبيان ) فيه النهي عن قتل صبيان أهل الحرب ، وهو حرام إذا لم يقاتلوا ، وكذلك النساء ، فإن قاتلوا جاز قتلهم .

قوله : ( وكتبت تسألني : متى ينقضي يتم اليتيم ؟ فلعمري إن الرجل لتنبت لحيته وإنه [ ص: 513 ] لضعيف الأخذ لنفسه ضعيف العطاء منها ، فإذا أخذ لنفسه من صالح ما يأخذ الناس فقد ذهب عنه اليتم ) معنى هذا : متى ينقضي حكم اليتم ويستقل بالتصرف في ماله ؟ وأما نفس اليتم فينقضي بالبلوغ ، وقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : لا يتم بعد الحلم ، وفي هذا دليل للشافعي ومالك وجماهير العلماء أن حكم اليتم لا ينقطع بمجرد البلوغ ولا بعلو السن ، بل لا بد أن يظهر منه الرشد في دينه وماله ، وقال أبو حنيفة : إذا بلغ خمسا وعشرين سنة زال عنه حكم الصبيان ، وصار رشيدا يتصرف في ماله ، ويجب تسليمه إليه وإن كان غير ضابط له ، وأما الكبير إذا طرأ تبذيره فمذهب مالك وجماهير العلماء وجوب الحجر عليه ، وقال أبو حنيفة : لا يحجر ، قال ابن القصار وغيره : الصحيح الأول ، وكأنه إجماع .

قوله : ( وكتبت تسألني عن الخمس لمن هو ؟ وإنا كنا نقول : هو لنا ، فأبى علينا قومنا ذاك ) معناه : خمس خمس الغنيمة الذي جعله الله لذوي القربى ، وقد اختلف العلماء فيه فقال الشافعي مثل قول ابن عباس ، وهو أن خمس الخمس من الفيء والغنيمة يكون لذوي القربى ، وهم عند الشافعي والأكثرين : بنو هاشم وبنو المطلب .

وقوله : ( أبى علينا قومنا ذاك ) أي : رأوا لا يتعين صرفه إلينا ، بل يصرفونه في المصالح ، وأراد بقومه ولاة الأمر من بني أمية ، وقد صرح في سنن أبي داود في رواية له بأن سؤال نجدة لابن عباس عن هذه المسائل كان في فتنة ابن الزبير ، وكانت فتنة ابن الزبير بعد بضع وستين سنة من الهجرة ، وقد قال الشافعي - رحمه الله - : يجوز أن ابن عباس أراد بقوله : ( أبى ذاك علينا قومنا ) من بعد الصحابة وهم يزيد بن معاوية . والله أعلم .

قوله : ( فلا تقتل الصبيان إلا أن تكون تعلم ما علمه الخضر من الصبي الذي قتل ) معناه : أن الصبيان لا يحل قتلهم ، ولا يحل لك أن تتعلق بقصة الخضر وقتله صبيا ; فإن الخضر ما قتله إلا بأمر الله تعالى له على التعيين ، كما قال في آخر القصة : وما فعلته عن أمري فإن كنت أنت تعلم من صبي ذلك فاقتله ، ومعلوم أنه لا علم له بذلك ، فلا يجوز له القتل .

[ ص: 514 ] قوله : ( وتميز المؤمن فتقتل الكافر وتدع المؤمن ) معناه : من يكون إذا عاش إلى البلوغ مؤمنا ، ومن يكون إذا عاش كافرا ، فمن علمت أنه يبلغ كافرا فاقتله ، كما علم الخضر أن ذلك الصبي لو بلغ لكان كافرا ، وأعلمه الله تعالى ذلك ، ومعلوم أنك أنت لا تعلم ذلك ، فلا تقتل صبيا .



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث