الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


جزء التالي صفحة
السابق

( باب ) ( الخيار ) في النكاح ( والإعفاف ونكاح العبد ) وغير ذلك مما ذكر تبعا

إذا

( وجد أحد الزوجين بالآخر جنونا ) ولو متقطعا أو قبل العلاج ، والجنون زوال الشعور من القلب مع بقاء الحركة والقوة في الأعضاء ومثله الخبل كما ألحقه به الشافعي رضي الله عنه وهو بالتحريك كذا قيل ، والذي

[ ص: 309 ] في القاموس أنه الجنون ، ولعل الأول لمح أن الجنون فيه كمال استغراق بخلاف الخبل ، ويستثنى من المتقطع كما قاله المتولي الخفيف الذي يطرأ في بعض الأزمان ، وأما الإغماء بالمرض فلا خيار به كسائر الأمراض ، ومحله كما قالهالزركشي فيما تحصل منه الإفاقة كما هو الغالب ، أما المأيوس من زواله فكالجنون كما ذكره المتولي ، ويثبت أيضا بالإغماء بغير المرض كالجنون ، والإصراع نوع من الجنون كما قاله بعض العلماء

( أو جذاما ) وإن قل وهو علة يحمر منها العضو ثم يسود ثم يتقطع ويتناثر ويتصور في كل عضو غير أنه يكون في الوجه أغلب

( أو برصا ) وهو بياض شديد يبقع الجلد ويذهب دمويته ، ومحل ذلك بعد استحكامهما ، أما أوائلهما فلا خيار به كما صرح به الجويني ، قال : والاستحكام في الجذام يكون بالتقطع ، وتردد الإمام فيه وجوز الاكتفاء باسوداده وحكم أهل المعرفة باستحكام العلة ولم يشترطوا في الجنون الاستحكام ، والفرق كما قاله الزركشي إفضاء الجنون إلى الجناية على الزوج غالبا واستشكال تصور فسخ المرأة بالعيب لأنها إن علمت به فلا خيار وإلا فالتنقي منه شرط للكفاءة ولا صحة مع انتقائها ، والخيار فرع الصحة غفلة عن قسم آخر وهو أنها لو أذنت له في التزويج من معين أو غير كفء وزوجها وليها منه بناء على سلامته فتبين كونه معيبا صح النكاح في هذه الحالة كما صرح به الإمام في التولية والمرابحة ويثبت الخيار بذلك

( أو وجدها رتقاء ) أي منسدا محل الجماع منها بلحم

( أو قرناء ) وهو انسداده بعظم ولا تجبر على شق الموضع ، فإن فعلته وأمكن الوطء فلا خيار وليس للأمة فعل ذلك قطعا إلا بإذن سيدها

( أو وجدته عنينا ) أي به داء يمنع انتشار ذكره عن قبلها ، وإن قدر على غيرها سمي بذلك للين ذكره ، وانعطافه مأخوذ من عنان الدابة

( أو مجبوبا ) أي مقطوعا ذكره أو إلا دون قدر الحشفة : أي حشفة ذكره أخذا

[ ص: 310 ] مما مر في التحليل وغيره ، فإن بقي قدرها وعجز عن الوطء به ضربت له المدة الآتية كالعنين

( ثبت ) لمن كره منهما ذلك

( الخيار في فسخ النكاح ) بعد ثبوت العيب عند الحاكم كما يأتي ، فقد جاءت الآثار بذلك وصح عن عمر رضي الله عنه ذلك في الثلاثة الأول ل ، وهي مشتركة بين الزوجين كما رواه الشافعي عنه وعول عليه ، ومثله لا يكون إلا بتوقيف ، وأجمع الصحابة رضي الله عنهم عليه في الخاصين به وقياسا أولويا في الكل على ثبوت الخيار في البيع بدون هذه مع أن الفائت ثم مالية يسيرة وهنا المقصد الأعظم الجماع أو التمتع لا سيما والجذام والبرص يعديان المعاشر والولد أو نسله كثيرا كما جزم به في الأم في موضع وحكاه عن الأطباء والمجربين في موضع آخر .

قال البيهقي وغيره : ولا ينافيه خبر { لا عدوى } لأنه نفي لاعتقاد الجاهلية نسبة الفعل لغير الله تعالى فوقوعه بفعله جل وعلا ، ومن ثم صح خبر { فر من المجذوم فرارك من الأسد } وأكل معه صلى الله عليه وسلم تارة وتارة لم يصافحه بيانا لسعة الأمر على الأمة من الفرار والتوكل ، وخرج بهذه الخمسة غيرها كالعذيوط بكسر أوله المهمل وسكون ثانيه المعجم وفتح التحتية وضمها ، ويقال عذوط كعتور وهو فيهما من يحدث عند الجماع ، وفيه من ينزل قبل الإيلاج فلا خيار به مطلقا على المعتمد وسكوتهما في موضع على أن المرض المأيوس منه زواله ولا يمكن معه الجماع في معنى العنة إنما هو لكون ذلك من طرق العنة فليس قسما خارجا عنها ، ونقلهما عن الماوردي أن المستأجرة العين كذلك ضعيف لكن لا نفقة لها ، وسيأتي الفسخ بالرق والإعسار ، ولو وجدها ضيقة المنفذ بحيث لا يفضيها كل واطئ فهي كما لو وجدها رتقاء كما أشار إليه الرافعي في الديات ، ولعل المراد من ذلك أن يتعذر دخول ذكر من بدنه كبدنها نحافة وضدها فرجها ، وكذا يقال بنظير ذلك في قولهم كما تتخير هي بكبر آلته بحيث يفضي كل موطوءة

[ ص: 311 ] ولا خيار ببخر وصنان وقروح سيالة وعمى وزمانة وبله وخصاء واستحاضة وإن لم تحفظ لها عادة ، وحكم أهل الخبرة باستحكامها خلافا للزركشي ، وسواء في ثبوت الخيار بما ذكر أكان بأحدهما مثل ذلك العيب أم لا

( وقيل إن وجد به مثل عيبه ) من الجذام أو البرص قدرا وفحشا

( فلا ) خيار لتساويهما حينئذ ، والأصح أنه يتخير وإن كان ما به أفحش لأنه يعاف من غيره ما لا يعاف من نفسه ، ومحل ذلك في غير المجنونين المطبق جنونهما لتعذر الفسخ حينئذ منهما أو من أحدهما ولو كان مجبوبا بالباء وهي رتقاء فطريقان لم يرجحا شيئا منهما ، والأقرب ثبوته .

التالي السابق


حاشية الشبراملسي

( باب الخيار ) في النكاح ( والإعفاف ونكاح العبد )

( قوله : ولو متقطعا ) وإن قل . ا هـ حج .

والظاهر أن هذا هو ما نقل استثناءه الشارح عن المتولي ، وعليه فيكون الشارح مخالفا لحج ، ويمكن حمل الخفيف في كلام حج على غير ما ذكره المتولي فلا يكون مخالفا ( قوله : ومثله الخبل ) أي في ثبوت الخيار ( قوله : كذا قيل ) أي قيل إن الخبل مثل الجنون وذلك يقتضي مغايرتهما

[ ص: 309 ] قوله : الذي يطرأ في بعض الأزمان ) لم يبين المراد بذلك البعض ، والظاهر أن المراد به ما يحتمل عادة كيوم في سنة ( قوله : أما المأيوس من زواله ) أي بأن قال أهل الخبرة لا يزول أصلا ، وقضيته أنه لو قال الأطباء يزول بعد مدة لم يثبت به الخيار وإن طالت المدة ، ولو قيل بثبوته حينئذ لم يبعد ( قوله : والإصراع ) عبارة مختار الصحاح .

والصرع علة ا هـ .

فالتعبير به أولى ( قوله نوع من الجنون ) فيثبت به الخيار ( قوله : باستحكام العلة ) معتمد ، وعبارة شيخنا الزيادي : والمعتمد أنه لا يشترط استحكامها بل يكفي حكم أهل الخبرة بكونه جذاما أو برصا رملي ا هـ .

ولعل هذا هذا مراد الإمام بقوله بالاكتفاء باسوداده وحكم أهل المعرفة إلخ فلا تخالف ( قوله : أو غير كفء ) قال سم على حج : هو مشكل لأن الفرض أنها أذنت في غير كفء وهو شامل لغير الكفء باعتبار العيب ، وهذا يتضمن رضاها بالعيب فكيف مع ذلك تتخير ، وليس هذا كما لو أذنت فيمن ظنته كفئا فبان معيبا فإنما تتخير لظهور الفرق بين الإذن فمن ظنته كفئا فبان معيبا فإنه لا يتضمن الرضا بالعيب وبين إذنها في غير الكفء لتضمنه الرضا بالعيب ، وقد أوردته على م ر فوافق على الإشكال ا هـ . أقول : ويمكن أن يجاب عنه بأن الغالب في الناس السلامة من هذه العيوب فحمل الإذن في التزويج من غير الكفء على ما إذا كان الخلل المفوت للكفاءة بدناءة النسب أو نحوها حملا على الغالب ( قوله : ولا تجبر على شق الموضع ) أي حيث كانت بالغة ولو سفيهة ، أما الصغيرة فينبغي أن لوليها ذلك حيث رأى فيه المصلحة ولا خطر أخذا مما يأتي في قطع السلعة ( قوله فإن فعلته ) أي أو غيرها ( قوله : وليس للأمة فعل ذلك ) أي الشق ( قوله : إلا بإذن سيدها ) لأنه تصرف قد يؤدي إلى نقص في قيمتها ( قوله : حشفة ذكره ) أي كبرت أو صغرت حتى لو كان الباقي من ذكره قدر حشفة معتدلة أو أكثر لكن دون حشفته

[ ص: 310 ] أو صغرت حشفته جدا وكان الباقي قدرها دون المعتدلة فلا خيار ، وبقي ما لو ثنى ذكره مع انتشاره وأدخل منه قدر الحشفة فهل يكفي ذلك فليس لها الفسخ أولا لأنه لا عبرة بقدرها مع وجودها ؟ فيه نظر ، والأقرب الثاني ( قوله ثبت لمن كره ) عبارة حج : ثبت الخيار للكاره منهما الجاهل بالعيب أو العلم به إذا انتقل لأفحش منه منظرا كان باليد فانتقل للوجه لا لليد الأخرى ا هـ ( قوله : كما رواه الشافعي عنه ) أي عن عمر ، وقوله وعول : أي اعتمد ، وقوله عليه : أي في الاستدلال به ( قوله : في الخاصين به ) وهما الجب والعنة ( قوله : بدون هذه ) أي بعيوب دون هذه ( قوله : كالعذيوط ) ويقال العظيوط والعضيوط بضاد معجمة أو ظاء مشالة معجمة بدل الذال كما في القاموس ، وعتور : أي بالمثناة الفوقية كدرهم واد ا هـ قاموس ( قوله : وهو فيهما ) أي الزوجين ( قوله : وفيه ) أي الرجل ( قوله المرض المأيوس من زواله ) أي القائم بالزوج منه ما لو حصل له كبر في الأنثيين بحيث تغطى الذكر بهما وصار البول يخرج من بين الأنثيين ولا يمكنه الجماع بشيء منه فيثبت لزوجته الخيار إن لم يسبق له وطء لأن هذا هو مقتضى التشبيه بالعنة وذلك حيث أيس من زوال كبرهما بقول طبيبين بل ينبغي الاكتفاء بواحد عدل ، ولو قيل في هذه إنه ملحق بالجب فيثبت به الخيار مطلقا لكان محتملا لأن هذا المرض يمنع من احتمال الوطء ، إلا أن يقال لما كان البرء ممكنا في نفسه التحق بالعنة ، بخلاف الجب فإنه لا يمكن في العادة عود الذكر أصلا ( قوله : في معنى العنة ) أي فيثبت به الخيار ، ولو أصابها مرض يمنع من الجماع وأيس من زواله فهل يثبت الخيار إلحاقا لمرضها بالرتق أو لا ؟ فيه نظر ، والظاهر عدم الخيار بل قد يفهمه كلامه الآتي في الاستحاضة حيث قال وإن حكم أهل الخبرة باستحكامها ( قوله : أن المستأجرة العين كذلك ) أي يثبت بها الخيار ( قوله : كبدنها نحافة )

[ ص: 311 ] أي فإن كان كبدنها ، ثبت له الخيار لأنها كالرتقاء في حقه وإلا فلا ( قوله : وقروح سيالة ) ومنها المرض المسمى بالمبارك والمرض المسمى بالعقدة والحكة فلا خيار بذلك ( قوله ومحل ذلك ) أي ثبوت الخيار ، ولعل المراد لا يثبت لأحدهما بنفسه وإلا فلا مانع من ثبوت الخيار لولي المرأة بجنون الزوج كما لو لم تكن مجنونة لما يأتي في شرح قوله ويتخير بمقارن جنون إلخ من قوله وإن كانت مثل الزوج إلخ ( قوله : وهي رتقاء ) أي ابتداء فلا يتكرر معه قوله الآتي ولو حدث به جب فرضيت ( قوله : والأقرب ثبوته ) أي لكل منهما .



حاشية المغربي

( باب الخيار ) ( قوله : ومثله ) أي في الحكم فهو غيره في المفهوم ليتأتى ما ذكره بعد فتأمل [ ص: 309 ] قوله : ويثبت أيضا بالإغماء إلخ ) عبارة الروض : والجنون وإن تقطع لا الإغماء بالمرض لا بعده ( قوله : واستشكال تصور فسخ المرأة بالعيب ) يعني المقارن إذ الطارئ لا إشكال فيه [ ص: 310 ] قوله : وخرج بهذه الخمسة ) أي بالنظر لكل من الزوجين على حدته إذ كل واحد منها يتخير بخمسة ( قوله : أن يتعذر دخول ذكر من بدنه كبدنها إلخ ) أي ولم يفضها كما صرح به حج ( قوله : كما تتخير بكبر آلته بحيث يفض كل موطوءة ) [ ص: 311 ] قد يقال : إن كان يلزمها تمكينه فالعبرة بحالها ، وإن كان لا يلزمها تمكينه فلا وجه لثبوت الخيار ، إلا أن يقال : إنه حينئذ لا يتقاعد عن العين لكن قياسه أن العبرة بكونه يفضيها أو لا يفضيها بخصوصها نظير ما لو كان يعن عنها بخصوصها فلينظر ( قوله : ومحل ذلك ) انظر ما مرجع اسم الإشارة مع قصره الخلاف على الجذام والبرص



تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث