الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 7833 ) مسألة ; قال : ( وإذا وقعت النجاسة في مائع ، كالدهن وما أشبهه ، نجس ، واستصبح به إن أحب ، ولم يحل أكله ولا ثمنه ) ظاهر هذا أن النجاسة إذا وقعت في مائع غير الماء ، نجسته وإن كثر . وهذا ظاهر المذهب . وعن أحمد ، رواية أخرى ، أنه لا ينجس إذا كثر .

                                                                                                                                            قال حرب : سألت أحمد عن كلب ولغ في سمن أو زيت ؟ قال : إذا كان في آنية كبيرة ، مثل حب أو نحوه ، رجوت أن لا يكون به بأس ، يؤكل ، وإذا كان في آنية صغيرة ، فلا يعجبني أن يؤكل . وسئل عن كلب وقع في خل أكثر من قلتين ، فخرج منه وهو حي ؟ فقال : هذا أسهل من أنه لو مات . وعنه ، رواية ثالثة : ما أصله الماء كالخل التمري ، يدفع النجاسة عن نفسه إذا كثر ، وما ليس أصله الماء ، لا يدفع عن نفسه .

                                                                                                                                            قال المروذي : قلت لأبي عبد الله : فإن وقعت النجاسة في خل أو دبس ؟ فقال : أما الخل فأصله الماء ، يعود إلى أن يكون ماء إذا حمل عليه . وقال ابن مسعود ، في فأرة وقعت في سمن : إنما حرم من الميتة لحمها ودمها . ولنا ما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم { أنه سئل عن فأرة وقعت في سمن ؟ فقال : إن كان جامدا فخذوها [ ص: 340 ] وما حولها ، فألقوه ، وإن كان مائعا ، فلا تقربوه } .

                                                                                                                                            ولأن غير الماء ليس بطهور ، فلا يدفع النجاسة عن نفسه ، وحكم الجامد قد ذكرناه فيما تقدم . واختلفت الرواية في الاستصباح بالزيت النجس ، فأكثر الروايات إباحته ; لأن ابن عمر أمر أن يستصبح به . ويجوز أن تطلى به سفينة . وهذا قول الشافعي .

                                                                                                                                            وعن أحمد ، لا يجوز الاستصباح به . وهو قول ابن المنذر ; لأن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن شحوم الميتة تطلى بها السفن ، وتدهن بها الجلود ، ويستصبح بها الناس ؟ فقال { : لا ، هو حرام } . وهذا في معناه . ولنا أنه زيت أمكن الانتفاع به من غير ضرر ، فجاز ، كالطاهر .

                                                                                                                                            وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم في العجين الذي عجن بماء من آبار ثمود ، أنه نهاهم عن أكله ، وأمرهم أن يعلفوه النواضح . وهذا الزيت ليس بميتة ، ولا هو من شحومها ، فيتناوله الخبر . إذا ثبت هذا ، فإنه يستصبح به على وجه لا يمسه ، ولا تتعدى نجاسته إليه ; إما أن يجعل الزيت في إبريق له بلبلة ، ويصب منه في المصباح ، ولا يمسه ، وإما أن يدع على رأس الجرة التي فيها الزيت سراجا مثقوبا ، أو قنديلا فيه ثقب ، ويطينه على رأس إناء الزيت ، أو يشمعه ، وكلما نقص زيت السراج صب فيه ماء ، بحيث يرتفع الزيت ، فيملأ السراج ، وما أشبه هذا ، ولم ير أبو عبد الله أن تدهن بها الجلود ، وقال : يجعل منه الأسقية والقرب .

                                                                                                                                            ونقل عن عمر أنه تدهن به الجلود . وعجب أحمد من هذا ، وقال : إن في هذا لعجبا ، شيء يلبس يطيب بشيء فيه ميتة ، فعلى قول أحمد ، كل انتفاع يفضي إلى تنجيس إنسان لا يجوز ، وإن لم يفض إلى ذلك جاز . فأما أكله : فلا إشكال في تحريمه ; فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال { : لا تقربوه } .

                                                                                                                                            ولأن النجس خبيث ، وقد حرم الله الخبائث . وأما بيعه ، فظاهر كلام أحمد - رحمه الله تحريمه ; لقول النبي صلى الله عليه وسلم { : إذا حرم الله شيئا ، حرم ثمنه } . وقال أبو موسى : لتوه بالسويق وبيعوه ، ولا تبيعوه من مسلم ، وبينوه .

                                                                                                                                            وحكى أبو الخطاب عن أحمد رواية ، أنه يباع لكافر بشرط أن يعلم بنجاسته ; لأن الكفار يعتقدون حله ، ويستبيحون أكله . ولنا قول النبي صلى الله عليه وسلم { : لعن الله اليهود ، حرمت عليهم الشحوم ، فجملوها ، وباعوها ، وأكلوا أثمانها ، إن الله إذا حرم شيئا حرم ثمنه } . متفق عليه .

                                                                                                                                            وكونهم يعتقدون حله ، لا يجوز لنا بيعه لهم كالخمر والخنزير .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية