الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 8231 ) مسألة ; قال : ( وإذا نزل به الأمر المشكل عليه مثله ، شاور فيه أهل العلم والأمانة ) وجملته أن الحاكم إذا حضرته قضية تبين له حكمها في كتاب الله تعالى ، أو سنة رسوله ، أو إجماع ، أو قياس جلي ، حكم ولم يحتج إلى رأي غيره ; { لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ حين بعثه إلى اليمن : بم تحكم ؟ قال : بكتاب الله . قال : فإن لم تجد ؟ . قال : بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم . قال : فإن لم تجد ؟ . قال : أجتهد رأيي ، ولا آلو . قال : الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم لما يرضي رسول الله صلى الله عليه وسلم } .

                                                                                                                                            وإن احتاج إلى الاجتهاد ، استحب له أن يشاور ; لقول الله تعالى : { وشاورهم في الأمر } . قال الحسن : إن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم لغنيا عن مشاورتهم ، وإنما أراد أن يستن بذلك الحكام بعده . وقد شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه في أسارى بدر ، وفي مصالحة الكفار يوم الخندق ، وفي لقاء الكفار يوم بدر . وروي : ما كان أحد أكثر مشاورة لأصحابه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وشاور أبو بكر الناس في ميراث الجدة ، وعمر في [ ص: 100 ] دية الجنين ، وشاور الصحابة في حد الخمر .

                                                                                                                                            وروي : أن عمر كان يكون عنده جماعة من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم عثمان ، وعلي ، وطلحة ، والزبير وعبد الرحمن بن عوف ، إذا نزل به الأمر شاورهم فيه . ولا مخالف في استحباب ذلك ، قال أحمد : لما ولي سعد بن إبراهيم قضاء المدينة ، كان يجلس بين القاسم وسالم يشاورهما ، وولي محارب بن دثار قضاء الكوفة ، فكان يجلس بين الحكم وحماد يشاورهما ، ما أحسن هذا لو كان الحكام يفعلونه ، يشاورون وينتظرون . ولأنه قد ينتبه بالمشاورة ، ويتذكر ما نسيه بالمذاكرة ، ولأن الإحاطة بجميع العلوم متعذرة . وقد ينتبه لإصابة الحق ومعرفة الحادثة من هو دون القاضي ، فكيف بمن يساويه أو يزيد عليه ، فقد روي أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه ، جاءته الجدتان ، فورث أم الأم ، وأسقط أم الأب ، فقال له عبد الرحمن بن سهل : يا خليفة رسول الله ، لقد أسقطت التي لو ماتت ورثها ، وورثت التي لو ماتت لم يرثها . فرجع أبو بكر ، فأشرك بينهما .

                                                                                                                                            وروى عمر بن شبة ، عن الشعبي أن كعب بن سوار ، كان جالسا عند عمر ، فجاءته امرأة ، فقالت : يا أمير المؤمنين ، ما رأيت رجلا قط أفضل من زوجي ، والله إنه ليبيت ليله قائما ، ويظل نهاره صائما في اليوم الحار ما يفطر . فاستغفر لها ، وأثنى عليها ، وقال : مثلك أثنى الخير . قال : واستحيت المرأة فقامت راجعة ، فقال كعب : يا أمير المؤمنين هلا أعديت المرأة على زوجها ؟ قال : وما شكت ؟ قال : شكت زوجها أشد الشكاية . قال : أو ذاك أرادت ؟ قال : نعم . قال : ردوا علي المرأة . فقال : لا بأس بالحق أن تقوليه ، إن هذا زعم أنك جئت تشكين زوجك ، أنه يجتنب فراشك . قالت : أجل ، إني امرأة شابة ، وإني لأبتغي ما يبتغي النساء . فأرسل إلى زوجها ، فجاء ، فقال لكعب : اقض بينهما . قال : أمير المؤمنين أحق أن يقضي بينهما . قال : عزمت عليك لتقضين بينهما ، فإنك فهمت من أمرهما ما لم أفهم . قال : فإني أرى كأنها عليها ثلاث نسوة ، هي رابعتهن ، فأقضي له بثلاثة أيام بلياليهن يتعبد فيهن ، ولها يوم وليلة . فقال عمر : والله ما رأيك الأول أعجب إلي من الآخر ، اذهب فأنت قاض على البصرة .

                                                                                                                                            إذا ثبت هذا ، فإنه يشاور أهل العلم والأمانة ; لأن من ليس كذلك فلا قول له في الحادثة ، ولا يسكن إلى قوله .

                                                                                                                                            قال سفيان : وليكن أهل مشورتك أهل التقوى وأهل الأمانة . ويشاور الموافقين والمخالفين ، ويسألهم عن حجتهم ، ليبين له الحق . ( 8232 ) فصل : والمشاورة هاهنا لاستخراج الأدلة ، ويعرف الحق بالاجتهاد ، ولا يجوز أن يقلد غيره ، ويحكم بقول سواه ، سواء ظهر له الحق فخالفه غيره فيه ، أو لم يظهر له شيء ، وسواء ضاق الوقت ، أو لم يضق . وكذلك ليس للمفتي الفتيا بالتقليد .

                                                                                                                                            وبهذا قال الشافعي ، وأبو يوسف ، ومحمد . وقال أبو حنيفة : إذا كان الحاكم من أهل الاجتهاد ، جاز له ترك رأيه لرأي من هو أفقه منه عنده إذا صار إليه ، فهو ضرب من الاجتهاد . ولأنه يعتقد أنه أعرف منه بطريق الاجتهاد . ولنا ، أنه من أهل الاجتهاد ، فلم يجز له تقليد غيره ، كما لو كان مثله ، كالمجتهدين في القبلة ، وما ذكره ليس بصحيح ; فإن من هو أفقه منه يجوز عليه الخطأ ، فإذا اعتقد أن ما قاله خطأ ، لم يجز له أن يعمل به ، وإن كان لم يبن له الحق ، فلا يجوز له أن يحكم بما يجوز أن يبين له خطؤه إذا اجتهد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية