الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
                                                                                                                                            صفحة جزء
                                                                                                                                            ( 8461 ) فصل : وكل موضع وجب الضمان على الشهود بالرجوع ، وجب أن يوزع بينهم على عددهم ، قلوا أو كثروا . قال أحمد ، في رواية إسحاق بن منصور : إذا شهد بشهادة ، ثم رجع وقد أتلف مالا ، فإنه ضامن بقدر ما كانوا في الشهادة ، فإن كانوا اثنين ، فعليه النصف ، وإن كانوا ثلاثة ، فعليه الثلث . وعلى هذا لو كانوا عشرة ، فعليه العشر ، وسواء رجع وحده ، أو رجعوا جميعا ، وسواء رجع الزائد عن القدر الكافي في الشهادة ، أو من ليس بزائد ، فلو شهد أربعة بالقصاص ، فرجع واحد منهم ، وقال : عمدنا قتله . فعليه القصاص .

                                                                                                                                            وإن قال : أخطأنا فعليه ربع الدية . وإن رجع اثنان ، فعليهما القصاص أو نصف الدية . وإن شهد ستة بالزنى على محصن ، فرجم بشهادتهم ، ثم رجع واحد ، فعليه القصاص ، أو سدس الدية . وإن رجع اثنان ، فعليهما القصاص أو ثلث الدية . وبهذا قال أبو عبيد وقال أبو حنيفة : إن رجع واحد أو اثنان ، فلا شيء عليهما ; لأن بينة الزنى قائمة ، فدمه غير محقون . وإن رجع ثلاثة ، فعليهم ربع الدية . وإن رجع أربعة ، فعليهم نصف الدية . وإن رجع خمسة ، فعليهم ثلاثة أرباعها . وإن رجع الستة ، فعلى كل واحد منهم سدسها . ومنصوص الشافعي فيما إذا رجع اثنان ، كمذهب أبي حنيفة . واختلف أصحابه فيما إذا شهد بالقصاص ثلاثة ، فرجع أحدهم ، فقال أبو إسحاق : لا قصاص عليه ; لأن بينة القصاص قائمة ، وهل يجب عليه ثلث الدية ؟ على وجهين . وقال ابن الحداد : عليه القصاص . وفرق بينه وبين الراجع من شهود الزنى إذا كان زائدا ، فإن دم المشهود عليه بالزنى غير محقون ، وهذا دمه محقون .

                                                                                                                                            وإنما أبيح دمه لولي القصاص وحده . واختلفوا فيما إذا شهد بالمال ثلاثة ، فرجع أحدهم ، على وجهين ; أحدهما ، يضمن الثلث . والثاني ، لا شيء عليه . ولنا ، أن الإتلاف حصل بشهادتهم ، فالراجع مقر بالمشاركة فيه عمدا عدوانا لمن هو مثله في ذلك ، فلزمه القصاص ، كما لو أقر بمشاركتهم في مباشرة قتله ، ولأنه أحد من قتل المشهود عليه بشهادته ، فأشبه الثاني من شهود القصاص ، والرابع من شهود الزنى ، ولأنه أحد من حصل الإتلاف بشهادته ، فلزمه من الضمان بقسطه ، كما لو [ ص: 228 ] رجع الجميع ، ولأن ما تضمنه كل واحد مع اتفاقهم على الرجوع ، يضمنه إذا انفرد بالرجوع ، كما لو كانوا أربعة .

                                                                                                                                            وقولهم : إن دمه غير محقون . غير صحيح ; فإن الكلام فيما إذا قتل ، ولم يبق له دم يوصف بحقن ولا عدمه ، وقيام الشهادة لا يمنع وجوب القصاص ، كما لو شهدت لرجل باستحقاق القصاص ، فاستوفاه ، ثم أقر بأنه قتله ظلما ، وأن الشهود شهدوا بالزور ، والتفريق بين القصاص والرجم بكون دم القاتل غير محقون ، لا يصح ; لأنه غير محقون بالنسبة إلى من قتله ، ولأن كل واحد مؤاخذ بإقراره . ولا يعتبر قول شريكه ، ولهذا لو أقر أحد الشريكين بعمدهما ، وقال الآخر : أخطأنا . وجب القصاص على المقر بالعمد .

                                                                                                                                            التالي السابق


                                                                                                                                            الخدمات العلمية