الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 265 ]

فالواجب ، قيل : ما عوقب تاركه . ورد بجواز العفو . وقيل : ما توعد على تركه بالعقاب . ورد بصدق إيعاد الله تعالى . وليس بوارد على أصلنا ، لجواز تعليق إيقاع الوعيد بالمشيئة ، أو لأن إخلاف الوعيد من الكرم شاهدا ، فلا يقبح غائبا . ثم قد حكي عن المعتزلة ، جواز أن يضمر في الكلام ما يختل به معنى ظاهره ، وهذا منه . والمختار ما ذم شرعا تاركه مطلقا . وهو مرادف للفرض على الأصح . وهو قول الشافعي . وعند الحنفية ، الفرض : المقطوع به ، والواجب : المظنون ، إذ الوجوب لغة : السقوط ، والفرض : التأثير وهو أخص ، فوجب اختصاصه بقوة حكما ، كما اختص لغة . والنزاع لفظي ، إذ لا نزاع في انقسام الواجب إلى ظني وقطعي . فليسموا هم القطعي ما شاءوا . ثم لنتكلم على كل واحد من الأحكام .

[ ص: 274 ]

التالي السابق


[ ص: 274 ]

وقال الآمدي : الواجب : ما تركه سبب للذم شرعا في حالة ما . فقوله : في حالة ما ، محافظة على ما ذكرناه من الواجبات الثلاثة ، لأن تركها إنما يكون سببا للذم . وقال ابن الصيقل : الواجب : هو الفعل المقتضى من الشارع ، الذي يلام تاركه شرعا ، وهو معنى ما ذكرنا ، غير أن اللوم أخف من الذم .

قال الجوهري : اللوم : العذل . وقال أيضا : استلام الرجل إلى الناس : استذم .

فعلى هذا هما سواء .

فإن قيل : ما ذكرتموه في حد الواجب يقتضي أن كل واجب ، فإن تاركه مذموم شرعا ، وهو باطل بالنائم والناسي ، فإنهما يتركان الواجبات حال النوم والنسيان ولا يذمان .

فالجواب : أن الوجوب والذم من لواحق التكليف ، والناسي والنائم وغيرهما ممن لا يفهم الخطاب ، غير مكلف عندنا في حال العذر ، وإنما يتوجه إليه الخطاب بعد زوال العذر ، كما قررناه في مسألة تكليف النائم والناسي . وإذا كانا غير مكلفين لم ينتقض الحد بهما ، كما لا ينتقض بالصبي والمجنون .

وقيل : حد الواجب : ما يتعرض تاركه للعقاب واللوم . وزعم بعضهم أن هذا أحسن ما قيل في حد الواجب .

الفرق بين الفرض والواجب

قوله : " وهو " يعني الواجب " مرادف للفرض على الأصح " أي : أصح الروايتين عن أحمد - رضي الله عنه - . " وهو قول الشافعي . وعند الحنفية : الفرض [ ص: 275 ] المقطوع به ، والواجب المظنون " يعني أنهم فرقوا بين الفرض والواجب ، فقالوا : الفرض ما ثبت بدليل قاطع شرعا ، كنص الكتاب والإجماع والخبر المتواتر ، والواجب : ما ثبت بدليل ظني كالقياس وخبر الواحد .

ومعنى قولنا : " مرادف للفرض " ، أي : مساويه في المعنى ، تشبيها له برديف الراكب ، وهو الذي على ردف الدابة ، من جهة أن هذين اسمان على مسمى واحد ، كما أن ذينك راكبان على مركوب واحد .

قوله : " إذ الوجوب لغة : السقوط ، والفرض : التأثير ، وهو أخص ، فوجب اختصاصه بقوة حكما ، كما اختص لغة " .

هذا تقرير الفرق بين الفرض والواجب . وبيانه : أن الوجوب في اللغة السقوط ، كما سبق تقريره . والفرض : التأثير ، وإلى معناه يرجع أكثر فروع مادته .

قال الجوهري : الفرض : الحز في الشيء ، وفرض القوس : هو الحز الذي يقع فيه الوتر ، والفريض : السهم المفروض فوقه ، والتفريض : التحزيز ، والمفرض : الحديدة التي يحز بها ، والفراض : فوهة النهر .

وإذا ثبت ذلك ، فالفرض أخص من السقوط ، إذ لا يلزم مثلا من سقوط [ ص: 276 ] الحجر ونحوه على الأرض ، أن يحز ويؤثر فيها ، ويلزم من حزه وتأثيره في الأرض ، أن يكون قد سقط ، واستقر عليها . وإذا كان كذلك ، وجب اختصاص الفرض بقوة في الحكم ، كما اختص بقوة في اللغة ، حملا للمسميات الشرعية على مقتضياتها اللغوية ، إذ الأصل عدم التغيير .

وقولنا : الفرض ما كان طريق ثبوته قطعيا ، هو نوع اختصاص له ، فوجب القول به .

قوله : " والنزاع لفظي " إلى آخره ، أي : أن النزاع في المسألة ، إنما هو في اللفظ ، مع اتفاقنا على المعنى . إذ لا نزاع بيننا وبينهم في انقسام ما أوجبه الشرع علينا وألزمنا إياه من التكاليف ، إلى قطعي وظني . واتفقنا على تسمية الظني واجبا ، وبقي النزاع في القطعي ، فنحن نسميه واجبا وفرضا بطريق الترادف ، وهم يخصونه باسم الفرض ، وذلك مما لا يضرنا وإياهم ، فليسموه ما شاءوا .

ثم قد ذكر الجوهري أن الفرض هو ما أوجبه الله تعالى ، سمي بذلك ، لأن له معالم وحدودا ، وقال في الباب أيضا : فرض الله علينا كذا ، وافترض ، أي : أوجب ، والاسم الفريضة . هذا نقله عن أهل اللغة .

وإذا استوى الفرض والواجب فيما قلنا فهما سواء في الشرع ، لأن الأصل عدم [ ص: 277 ] التغيير ، واختلاف طريق ثبوت الحكم في القوة والضعف ، والقطع والظن ، لا يوجب اختلاف حقيقته في نفسه .

تنبيه : الذي نصره أكثر الأصوليين هو ما ذكرناه ، من أن الواجب مرادف للفرض ، لكن أحكام الفروع قد بنيت على الفرق بينهما ، فإن الفقهاء ذكروا أن الصلاة مشتملة على فروض وواجبات ومسنونات ، وأرادوا بالفروض الأركان .

وحكمهما مختلف من وجهين :

أحدهما : أن طريق الفرض منها أقوى من طريق الواجب .

والثاني : أن الواجب يجبر إذا ترك نسيانا بسجود السهو ، والفرض لا يقبل الجبر ، وكذا الكلام في فروض الحج وواجباته ، حيث جبرت بالدم دون الأركان .

وأشار الشيخ أبو محمد إلى الوجهين ، فقال : الفرض : هو الواجب في إحدى الروايتين ، لاستواء حدهما ، والثانية : الفرض آكد ، فقيل : هو اسم لما يقطع بوجوبه ، وقيل : ما لا يسامح في تركه عمدا ولا سهوا ، نحو أركان الصلاة .

قلت : واختلفت الرواية عن أحمد - رحمه الله - في صدقة الفطر ، فقال في رواية مهنا : هي واجبة ، لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فرضها ، وهذا تسوية منه بين الفرض والواجب ، وقال في رواية المروذي : سمعت ابن عمر يقول : فرض رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدقة الفطر ، وأنا ما أجترئ أن أقول : إنها فرض ، وقيس بن سعد يدفع أنها فرض ، وهذا فرق منه بينهما .

وكذلك اختلفت الرواية عنه في المضمضة والاستنشاق ، وهل هما فرض أو [ ص: 278 ] واجب ؟ بناء على الأصل المذكور . وصحح ابن عقيل في " الفصول " أنهما واجب لا فرض . والله أعلم .

قوله : " ثم لنتكلم على كل واحد من الأحكام " يعني في مسائله . والكلام السابق ، كأنه في أمر كلي متعلق بالواجب ، فجعل متصلا بالكلام في حده ، وبعضهم يجعله مسألة من مسائل الواجب . وهو كذلك ولا حرج .

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث