الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


بحث في نص الكتاب معلومات عن الكتاب

[ ص: 279 ]

الواجب

وفيه مسائل :

الأولى : الواجب ينقسم إلى معين ، كإعتاق هذا العبد ، والتكفير بهذه الخصلة ، وإلى مبهم في أقسام محصورة كإحدى خصال الكفارة .

وقال بعض المعتزلة : الجميع واجب ، وهو لفظي . وبعضهم : ما يفعل ، وبعضهم : واحد معين ، ويقوم غيره مقامه .

التالي السابق


قوله : " الواجب " ، أي : ذكر الكلام على الواجب في أحكامه الكلية والجزئية . " وفيه مسائل " :

" الأولى : الواجب ينقسم إلى معين ، كإعتاق هذا العبد " إلى آخره .

هذه المسألة تعرف بمسألة الواجب المخير ، وهو وجوب واحد لا بعينه من أشياء .

وتلخيص القول فيه :

إن الواجب ، إما أن يكون معينا ، كإعتاق هذا العبد ، مثل أن ينذر عتق هذا العبد المعين ، أو عتق زيد من عبيده ، فيكون مخاطبا بعتقه على التعيين ، وكذلك من نذر الصدقة بمال بعينه ، كهذه الدنانير ، أو الإبل أو الخيل ونحوه ، كان مخاطبا بالصدقة به بعينه حسب ما التزمه بالنذر . وكذا لو فرض أن الله تعالى أوجب التكفير على عباده أو بعضهم ، في كفارة اليمين أو غيرها ، بخصلة معينة من خصال الكفارة المشروعة ، كالإعتاق أو الإطعام أو الكسوة ، وجبت تلك الخصلة بعينها . [ ص: 280 ]

وإما أن يكون مبهما في أقسام محصورة ، كإحدى خصال الكفارة ، ككفارة اليمين المذكورة في قوله تعالى : فكفارته إطعام عشرة مساكين من أوسط ما تطعمون أهليكم أو كسوتهم أو تحرير رقبة [ المائدة : 89 ] .

قلت : ولا حاجة بنا إلى قولنا : في أقسام محصورة ، لأن السيد لو قال لعبده : اخدمني اليوم نوعا من الخدمة ، أي أنواعها شئت ، أو تصدق عني بنوع من أنواع مالي ، أيها شئت ، أو أكرم شخصا من الناس ، أو من أصحابي أيهم شئت ، صح هذا الكلام عقلا ، وخرج به عن العهدة ، وإن لم تكن الأقسام محصورة في الخطاب .

ولكن الشيخ أبا محمد تابع أبا حامد في هذه العبارة ، وذكر صفة الحصر وهي غير مؤثرة .

" وقال بعض المعتزلة : الجميع واجب " وهذا محكي عن أبي علي الجبائي وابنه أبي هاشم . أطلقا القول بوجوب جميع الخصال على التخيير .

قوله : " وهو لفظي " يعني الخلاف بين الجمهور ، وبين أصحاب هذا القول . وقد صرح أبو الحسين في " شرح العهد " بأن الخلاف لفظي ، أي : في اللفظ ، والمعنى متفق عليه . وذلك لأنه لا خلاف بين المسلمين أنه لو فعل جميع الخصال ، لم يثب ثواب أداء الواجب إلا على واحدة ، ولو ترك الجميع ، لم يعاقب عقاب ترك الواجب إلا على واحدة ، ولو وجب الجميع ، لترتب الثواب والعقاب على جميع الخصال ، وتقدر به ، ولما خرج عن عهدة التكليف بفعل واحدة ، وكل ذلك باطل [ ص: 281 ] بالإجماع . ووافق الخصم على هذا فلم يبق النزاع إلا في اللفظ . غير أن نصب الخلاف معهم جرى على عادة الأصوليين ، ودفعا لشبهة غالط إن كان .

ثم إن قولهم : يجب الجميع على التخيير ، كلام متناقض في نفسه ، إذ مقتضى وجوب الجميع : أنه لا يبرأ إلا بفعل الجميع . ومقتضى التخيير : أنه يبرأ بفعل أيها شاء ، وهما لا يجتمعان ، وإنما مرادهم بوجوب الجميع ، أنه لا يجوز ترك الجميع ، وهو صحيح ، لكن لا يلزم منه وجوب فعل الجميع ، أو وجوب الجميع على البدل ، لا على الجمع . بمعنى : إن لم تفعل هذا افعل هذا ، وهو مذهب الجمهور .

وقال القرافي في معناه : إن الوجوب تعلق بالجميع على وجه تبرأ الذمة بفعل البعض ، وهو معنى ما قلناه : وتبين بذلك أن الخلاف لفظي .

وأقول : إن الغلط في المسألة ، إما من المعتزلة ، حيث ظنوا أن الوجوب مع التخيير لا يجتمعان ، أو من الجمهور على المعتزلة ، بأن رأوا لهم عبارة موهمة أو بعيدة الغور ، فظنوا أنهم أرادوا وجوب الجميع ، كما وهموا عليهم في تلخيص مسألة تحسين العقل وتقبيحه ، وغيرها من المسائل التي توجد في كتب المعتزلة ، على خلاف المنقول عنهم فيها ، كما بينته في كتاب " رد القول القبيح بالتحسين [ ص: 282 ] والتقبيح " .

قوله : " وبعضهم : ما يفعل ، وبعضهم واحد معين " أي : وقال بعض المعتزلة : الواجب من خصال الواجب منها واحد معين ، " ويقوم غيره مقامه "

تفسير الأية

ترجمة العلم

عناوين الشجرة

تخريج الحديث