الشريعة.. وحفظ الضرورات الخمس

10/05/2026| إسلام ويب

اتفقت جميع الشرائع على أن الضروريات التي لا تستقر حياة الخلق إلا بحفظها خمسة: الدين، والنفس، والعقل، والعرض، والمال. 
قال الشاطبي رحمه الله: "فَقَدَ اتَّفَقَتِ الْأُمَّةُ ـ بَلْ سَائِرُ الْمِلَلِ ـ عَلَى أَنَّ الشَّرِيعَةَ وُضِعَتْ لِلْمُحَافَظَةِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ، وَهِيَ: الدِّينُ، وَالنَّفْسُ، وَالنَّسْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعَقْلُ ـ وَعِلْمُهَا عِنْدَ الْأُمَّةِ كَالضَّرُورِيِّ".

وقال الغزالي رحمه الله : "فما يتضمن حفظ هذه الأصول الخمسة فهو مصلحة، وكل ما يفوت هذه الأصول فهو مفسدة ودفعها مصلحة". ذلك لأن مصالح الدين والدنيا مبنية على المحافظة عليها. فإذا انعدمت استحال عيش الناس وانعدم وجود الدنيا، وتعطلت مصالح الآخرة أيضا.

أولا: حفظ الدين
أول هذه المقاصد وأعلاها، هو حفظ الدين، وحماية كيانه، وصيانة جنابه، وهذا مجمع عليه عند العلماء، وَيُقَدَّمُ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنْ الضَّرُورِيَّاتِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ الْأَعْظَمُ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنْسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ} [الذاريات: 56]، وَغَيْرُهُ مَقْصُودٌ مِنْ أَجْلِهِ؛ وَلِأَنَّ ثَمَرَتَهُ أَكْمَلُ الثَّمَرَاتِ وَهِيَ نَيْلُ السَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي جِوَارِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.

وحفظ الدين يقوم على أمرين جامعين: حفظ وجوده، وحمايته من النقص.
فالأول يكون بالمحافظة على ما يقيم أركانه، ويثبت قواعده، ويشيد مبانيه بالدعوة إليه، والعمل على نشره، وإظهار شعائره، وتعليم شرائعه، وإكرام أهله.
والثاني يكون برفع الفساد الواقع، ومنع الفساد المتوقع، ومحاربة كل ما يتنقصه، ومنع الملحدين أوالمستهزئين، وحمايته من تأويل الجاهلين، وتحريف الغالين، وانتحال المبطلين.

وقد اتخذت الشريعة تدابير كثيرة حماية للدين وصيانة له.. منها:
. بيان أنه الدين الحق لا غيره: {إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ}[آل عمران:19]..

. وأن الله لا يقبل من أحد دينا سواه: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ}[آل عمران:85].

. وأنه كامل تام: فيمنع كل مبتدع من الابتداع فيه، وكل متخاذل من النقص منه {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا}[المائدة:3]. وفي الحديث قال صلى الله عليه وسلم: (مَن أَحْدَثَ في أَمْرِنَا هذا ما ليسَ فِيهِ، فَهو رَدٌّ) متفق عليه، وفي رواية لمسلم: (من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد).

. الأمر بالتحاكم إليه: وكل حكم سواه إنما هو حكم الجاهلية قال سبحانه: {إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ}[يوسف:40]، وقال: {وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَن يَفْتِنُوكَ عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[المائدة:49]، وقال: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون}، وقال: {أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ ۚ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ}[المائدة:50].

. ثم شرع الجهاد للدفاع عنه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّىٰ لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ}[الأنفال:39].

. ثم شرع حد الردة: قال صلى الله عليه وسلم: (لا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ، يَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وأَنِّي رَسولُ اللهِ، إلَّا بإحْدَى ثَلاثٍ: الثَّيِّبُ الزَّانِي ، والنَّفْسُ بالنَّفْسِ، والتَّارِكُ لِدِينِهِ المُفارِقُ لِلْجَماعَةِ)[متفق عليه]... وقال : (مَن بَدَّلَ دِينَهُ فاقْتُلُوه)[صحيح الترمذي والنسائي وابن ماجة].

وإنما كان ذلك صيانة للدين وحماية لأهله، وقد كان اليهود في صدر الإسلام يتواصون بالدخول في الإسلام أول النهار ثم الخروج منه آخره، ويقولون لم نجد فيه خيرا، ليشككوا المسلمين {وَقَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ}[آل عمران:72].. ولما كان الإسلام لم يكره أحدا على الدخول فيه، وإنما هو دعوة وبيان للحق وإظهار الحجة، فمن رغب في الدخول في الإسلام راغبا راضيا فحيهلا، وليعلم أنه لا يجوز له الخروج منه بعد أن دخل فيه.

ثانيا: حفظ النفس
وحماية حق الحياة لكل إنسان.. فنهى سبحانه عن الاعتداء على النفوس وإزهاقها، أو تعريضها للهلاك ولو من صاحبها فقال سبحانه: {وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ}[البقرة:195]، ثم قال: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ}[الإسراء:33]، فمن اعتدى على نفس معصومة فقلتها بغير حق فقد توعده الله بأعظم الوعيد وأشده: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا}[النساء:93]، وحتى من قتل نفسه أيضا بالانتحار وإنهاء الحياة فمن فعل فهو في النار يعذب فيها بنفس العذاب (من قتَلَ نفسَهُ بحديدةٍ جاءَ يومَ القيامَةِ وحديدتُهُ في يدِه يتوجَّأُ بِها في بطنِهِ في نارِ جَهنَّمَ خَالدًا مخلَّدًا أبدًا ، ومن قَتلَ نفسَه بسُمٍّ فَسمُّهُ في يدِه يتحسَّاهُ في نارِ جَهنَّمَ خالدًا مخلَّدًا)[متفق عليه].

فلا يجوز لأحد أن يتسلط على نفسه أو نفس غيره بقتل أو هلاك، وقد أجمع العلماء أنه ليس في القتل إكراه.
وحماية للنفوس أيضا شرع الله حد القصاص: {ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى}[البقرة:178]. {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنفَ بِالْأَنفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ}[المائدة:  45].
فمن قَتَل عمدا قُتِلَ، ومن قطع يد إنسان قطعت يده، ومن فقأ عين غيره فقئت عينه، وكذا من قطع أنف أو أذن أحد قطعت أنفه أو أذنه.. حتى يحمي الله أعضاء الناس من التلف ويسد أبواب الذريعة المؤدية إلى القتل.

ثالثا: حفظ العقل
والعقل من أعظم نعم الله ومواهبه للإنسان، فهو أسُّ الفضائل وينبوع الآداب، به يعرف الله وبه يعبد وبه يوحد وبه يمجد، وبه كرم الله بني آدم على سائر المخلوقات، وجعله شرطا للتكليف، فمن لا عقل له لا تكليف عليه، فإن الله إذا أخذ ما وهب أسقط ما وجب (رُفِعَ الْقَلَمُ عن ثلاثة:عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يَكبر، وعن المجنون حتى يَعْقِلَ) أوقال يفيق [رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه وأحمد]

وعلى العقل تقوم مصالح الدين والدنيا، ولهذا دعت الشريعة لحفظه، وجعلت ذلك أحد مقاصدها التي شرعت لها أسبابها.. والتي منها:
. بيان أهمية العقل وفضله.
. الدعوة إلى استعماله في التدبر والتفكر والنظر والتأمل للاستدلال على وجود الله ومعرفة مراده من خلقه.
. النهي عن إهماله وسوء استعماله.
. حماية العقل وتحريره من ظلمات الوثنية وأفكار الجاهلية.
. صيانة العقل عن الزوال، وذلك بتحريم المخدرات والمسكرات، وكل ما يفسد العقل، ولهذا كان حد الخمر في الشرع صيانة لهذا العقل عن الغياب لأنه إذا غاب ربما نطق صاحبه بالكفر، أو قتل، أو زنا، أو أتى بالفواحش والمفاسد كما هو معلوم من أفعال السكارى وأشباههم.

ومن صيانة العقل في شرع الله، أن الله بين أن للعقل حدودا يعمل فيها، وغيبيات لا يمكنه الوصول إليها إلا عن طريق الوحي والنقل، فالعقل مهما تعلم فهو جاهل، ومهما تخيل فهو قاصر، ومهما حاول الكمال فهو ناقص، فهو مخلوق، وهذه صفات المخلوقين، ولذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وبين الشرائع والشعائر؛ ليعلم الإنسان ما يجهل، وليدله على ما لا يمكنه الوصول إليه بعقله.

رابعا: حفظ النسل والعرض:
وصيانة الأنساب من الاختلاط، وسد كل ذريعة إلى الفتنة وأسباب الحرام:
فأمر سبحانه النساء بالحجاب، وأمر الرجال بغض البصر، ومنع من الاختلاط المحرم، ونهى النساء عن الخضوع بالقول، وعن الخلوة المحرمة بين الرجال والنساء، وأغلق أمام الرجل والمرأة كل أسباب الفتنة، ثم حث على الزواج والنكاح، وجعله الطريقة المرضية عنده للقاء الرجل والمرأة وإنجاب الذرية..

وبعد كل هذا شرع حد الزنا، وهو من أشد الحدود، لأن الدواعي إليه أيضا قوية، ومفاسده عظيمة.. فكان لابد من الردع: قال ربنا سبحانه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ}[النور:2].
وقال صلى الله عليه وسلم : (البِكرُ بالبِكرِ ؛ جَلدُ مِائةٍ ، و نَفْيُ سَنةٍ ، و الثَّيِّبُ بالثَّيِّبِ ، جَلدُ مائةٍ و الرَّجْمُ)[مسلم].
ورجم النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة معه: ماعزا والغامدية، والمرأة التي زنت بالعسيف أي الأجير الذي كان يعمل عندها.. وقال لرجل أسمه أنيس: (واغذ يا أُنَيْسُ علَى امْرَأَةِ هذا، فَإِنِ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا. فَغَدَا عَلَيْهَا فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا)[رواه البخاري].

خامسا: حفظ المال
فهو عصب الحياة، ولا تقوم حياة الناس إلا به، ولهذا كان حفظه من مقاصد هذه الشريعة العظيمة:
. فأمر الله سبحانه بالكسب فقال: {فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِن رِّزْقِهِ}[الملك:15]، وقال: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِن فَضْلِ اللَّهِ}[الجمعة:10].

ونهى عن إضاعته: بالتبذير فيه {وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا}الإسراء:26]، وأمر بحماية أموال السفهاء من الضياع {وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ }[النساء:98]، وبالحجر على السفيه الذي يفسد ماله ولا يحسن التصرف فيه.

ونهى عن أكل أموال الناس بالباطل: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ}[البقرة:188]، أو بالغش والنصب والرشوة والقهر والتطفيف.
ثم وضع حد السرقة، وهو قطع يد السارق حماية لأموال الناس: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِّنَ اللَّهِ}[المائدة:38].

 

www.islamweb.net