سنة الاختلاف في السنة النبوية

15/03/2026| إسلام ويب

 الاختلاف وقع ويقع بين الناس، ولكن الوقوع لا يبرر الخطأ؛ لأن الله قد نهانا عن الاختلاف وأمرنا بالاجتماع، والنهي علامة على ذم الفعل واستهجانه شرعا، ويدل النهي أيضا على أن الاختلاف وإن وقع فإن من الممكن توقيه، واجتناب دواعيه ومسبباته، ولذلك تقع المسؤولية على من خالف ذلك ويلحقه الذم والعقاب.

يقول الله في كتابه الكريم: (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا). فأمر بالاجتماع ونهى عن ضده وهو التفرق، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة)، والنصوص على هذا مما لا يقع تحت الحصر، فالشريعة كلها تجمع ولا تفرق، وتؤلف ولا تخالف، وهذا الأصل ملحوظ في تشريعات الإسلام، وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم القولية والعملية.
 
مفهوم سنة الاختلاف:
لا ينبغي الخلط بين الاختلاف بهذا المعنى المذموم، وبين اختلاف التنوع في الناس في أنسابهم وألوانهم وأعراقهم، أو ما يكون من اختلاف أفهامهم في دائرة الاجتهاد، فهذا من التنوع المقبول الذي خلق الله الناس عليه، ولا تضاد فيه بين الناس، فقد خلقهم شعوبا وقبائل وسوغ ذلك بمقصد التعارف والتآلف، وخلقهم ألوانا وألسنة مختلفة وجعل ذلك من آياته الدالة على قدرته وحكمته، وهي آية مقتضية للتفكر لا للتنكر.

الاختلاف سنة كونية لا شرعية :
من السنن الكونية التي قدرها الله كونا لا شرعا، وقوع الاختلاف في الناس، فقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم بأن ذلك سيحدث كإخباره بسائر ما يحصل من الفتن والشرور بقصد التحذير لا التبرير، ومن الخطأ أن يستدل البعض بنصوص الإخبار عن الحال على الجواز والمشروعية، كما استدل البعض على جواز سفر المرأة بلا محرم بحديث الظعينة الذي رواه البخاري عن عدي بن حاتم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال له: (فإن طالت بك حياة، لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة، لا تخاف أحدا إلا الله) قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف إلا الله. فمجرد الإخبار بالوقوع، لا يستدل به على الجواز ولا الحرمة، بل يُطلب حكمهما من دليل آخر، كما ذكر الحافظ ابن حجر.
ومثله يقال هنا فلا يُستدل بحديث الافتراق المروي في السنن: (وستفترق هذه الأمة على ثلاث وسبعين فرقة كلها في النار إلا واحدة) على أن هذا الافتراق في إطار التعددية المقبولة، فهذا فهم مغلوط بدليل ما ورد في آخر الحديث من الإخبار بأن هذا الافتراق موجب للعقوبة؛ لأنه مفارقة لسبيل المؤمنين ومحادة للحق وأهله، ووقوعه في هذه الأمة كوقوع بقية الشرور لا يبرر فعله، ولا سيما وقد أخبرنا صلى الله عليه وسلم أن التفرق في هذه الأمة هو علامة على مرض التبعية السلوكية للأمم السابقة في أدوائها وأمراضها التي أصابتها، ومنها داء التفرق والاختلاف في الدين، وحتى يتضح للقارئ وجهة هذا الحديث فإن المقصود بالتفرق هنا مخالفة أهل الحق في أصل التوحيد والنبوة وموالاة خير الناس بعد الأنبياء، وغيرها من أبواب الدين المحكمة، وليس المقصود الاختلاف في أبواب الفقه من فروع الحلال والحرام، فليس كل اختلاف بين المسلمين يجعلنا نلحقهم بهذه الفرق، وإلا للزم من ذلك تكفير أهل القبلة بعضهم بعضا.
 
ومع الإخبار النبوي بهذه السنة الماضية بوقوع الافتراق، لكنه أخبرنا أن هذا لا يعم جميع الأمة، ولا يلغي كيانها، بل لا تزال طائفة قائمة على الحق، مستقيمة على الدين، لا تخالف ما جاء به الوحي من الأصول والمسلمات، فالإسلام باق ما بقي الليل والنهار، ويقيض الله لبقائه من يجدد ما اندثر منه، ويدفع عنه التلبيس والتحريف، ويجاهدون في سبيل ثباتهم عليه وفي سبيل بقائه وعزته، وهذا أمر وجودي لا ينكره أحد، فلم يخل زمن من القائمين بالحق والمتمثلين لأحكامه وتعاليمه.
 
الاختلاف والهلاك:
ومن السنن المتعلقة بسنة الاختلاف أن الله قد قضى وقدر أن الاختلاف بالمعنى المذموم الذي سبق هو من أسباب الهلاك، واندثار الأمم، وانخفاض الحضارات، ففي صحيح البخاري عن ‌ابن مسعود رضي الله عنه قال سمعت رجلا قرأ وسمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ خلافها، فجئت به النبي صلى الله عليه وسلم فأخبرته، فعرفت في وجهه الكراهية، وقال: «كلاكما محسن، ولا تختلفوا؛ فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا». فعندما يجحد كل واحد ما عند الآخر من الحق، فهذا هو الهلاك، وهو عين ما وقع للأمم السابقة، وكان من أسباب هلاكهم، لأن الاختلاف موجب للتفرق والتباغض، واعتقاد كل واحد ببطلان ما عليه الآخر، ولا يزالون كذلك حتى يستبيح بعضهم دماء بعض، وهذا هو مجمع الهلاك وبوابة الزوال، حتى وإن لم يتفانوا فيما بينهم كانوا هدفا سهل المنال لعدو يتربص بهم، فيطمع بهم كل طامع.
 
الواجب العملي تجاه سنة الاختلاف:
والمسلمون أمام هذه السنة الكونية التي لا تحابي أحدا ينبغي لهم أن يتوقوا كل أسباب الخلاف، وبوادر النزاع، ويسعوا في توحيد الصفوف على البر والتقوى، فيحذروا من الاختلاف بكل مستوياته، فيحذرون من الاختلاف بين الحكام والمحكومين، وهو واجب على الرعية كما هو واجب على الحاكم، لأن الاختلاف بين الراعي والرعية إذا استحكم فهو مؤذن بالخراب والدمار على كل مناحي الحياة، ولذلك جاءت الشريعة بالسمع والطاعة بالمعروف، والتحذير من الاختلاف على ولاة الأمر، كما أنها لم تلغ مبدأ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشروطه وضوابطه، حفاظا على جماعة المسلمين وهيبتهم أمام عدوهم، ففي سنن النسائي عن عبادة قال: «بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في اليسر والعسر، والمنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول أو نقوم بالحق حيثما كنا، لا نخاف لومة لائم».
وقد حرص الإسلام على اجتماع الكلمة حتى في الأحوال العارضة خشية التفرق والاختلاف، كما في حال السفر شرع النبي صلى الله عليه وسلم للمسافرين إذا كانوا ثلاثة فما فوق أن ينصبوا لهم أميرا يجتمعن على رأيه إذا اختلفوا، كما في سنن أبي داود من حديث أبي هريرة وأبي سعيد: "إذا خرج ثلاثة في سفر فليؤمروا أحدهم"، فإذا كان هذا في حال السفر، وفي حق ثلاثة أشخاص، والشريعة تهتم لاجتماع كلمتهم فكيف بكيان الأمة وجماعتها.
 
ولما كان من سمات السنن الإلهية العموم والثبات، ولا محاباة في قوانين هذا الكون، فقد مضت سنة الله في وقوع الاختلاف في هذه الأمة في التاريخ والواقع، وترتب عليه ما حصل من الضعف والفشل في بعض مراحل التاريخ، وما نشاهده اليوم هو من هذا الباب، ولكن السنن تدفع بالسنن، فالاختلاف الواقع بين الناس وما يتبعه من الضعف والهوان يدفع بالاجتماع وجمع الكلمة على الحق، ولا سبيل إلا بذلك، فالتداوي من الأمراض التي أوجبت هذا الحال يكون بتغيير الحال نحو المطلوب شرعا، حيث ينبذ المسلمون كل ما يفرقهم ويعتصمون بالوحي، ويقدموه على أهوائهم وميولاتهم ومصالح ذواتهم وجماعاتهم.
 

 

www.islamweb.net