إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين!!

02/06/2026| إسلام ويب

الدعوة هي عمل الأنبياء والمرسلين، وهي أعظم مهنة في الوجود، وأفضل ما يشغل الإنسان به فكره، ويستعمل فيه بدنه، ويقضي فيه وقته وعمره {وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ}[فصلت:33].

والدعاة هم ورثة الأنبياء في هذا المسلك، وأتباعهم على ذلك الطريق {قُلْ هَٰذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ ۚ عَلَىٰ بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي ۖ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}[يوسف:108].

والدعوة في الحقيقة لا يمكن أن يضطلع بها إلا إنسان ينكر ذاته في سبيل ربه، فهو يتحمل الأذى والظلم والهضم وإساءات المدعوين، ويرى منهم ما يرى ولكنه لا يمكن أن يقابل الإساءة بالإساءة، ولا تهفو نفسه للانتقام، وإنما كما أمر الله تعالى حبيبه ونبيه صلى الله عليه وسلم: {فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ}[المائدة:١٣]. وقال له أيضا: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ}[الأعراف:١٩٩]، يقول الإمام الطبري: "وأولى الأقوال في تفسيره: قولُ مَن قال: خُذِ العفو من أخلاقِ الناس، واتْركِ الغلظةَ عليهمْ"... وقد سأل النبي جبريل عن معنى هذا فقال: "إن الله يأمرك أن تعفوَ عمن ظلمك، وتعطيَ من حرمك، وتصل من قطعك" [انظر تفسير الطبري:١٠/٦٤٢ -٦٤٤].

وقد كان رسول الله صلوات الله وسلامه عليه القدوة في تحمل الأذى، والصبر عليه، والعفو عن الجاهلين، وأصبر الناس على أذى لحقه في ذات الله، فما عرف أنه انتقم لنفسه قط، ولا رد على أحد أذى ولا ضرب بيده شيئا قط إلا أن يكون مجاهدا في سبيل الله، أو تنتهك محارم الله فيغضب لربه سبحانه..

لا للانتقام.. نعم للعفو
وقد مر على النبي صلى الله عليه وسلم من المواقف ما لا تتحمله الجبال الرواسي، وناله من أذى الكفار والجهال ما لو انتقم فيه لنفسه لما لامه أحد من الخلق، ولكان الانتصاف محمودا وممدوحا، ولكان أحق الناس بقوله سبحانه: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ}[لنحل: 126]. ولكنه آثر الفضل والرفعة والسمو واختارالصبر: {وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرِينَ}، واختار التقوى وهو أحق بها وأهلها: {وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} [البقرة:237]. واختار أن يكون أجره على الله {فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ}[الشورى: 40].

إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين
كان يوم ثقيف من أشد الأيام التي مرت على النبي صلى الله عليه وسلم، فقد روى مسلم عن عائشة رضي الله عنها أنَّها قالَتْ للنَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: "هلْ أتَى عَلَيْكَ يَوْمٌ كانَ أشَدَّ مِن يَومِ أُحُدٍ؟ قالَ: لقَدْ لَقِيتُ مِن قَوْمِكِ ما لَقِيتُ، وكانَ أشَدَّ ما لَقِيتُ منهمْ يَومَ العَقَبَةِ، إذْ عَرَضْتُ نَفْسِي علَى ابْنِ عبدِ يالِيلَ بنِ عبدِ كُلالٍ، فَلَمْ يُجِبْنِي إلى ما أرَدْتُ، فانْطَلَقْتُ وأنا مَهْمُومٌ علَى وجْهِي، فَلَمْ أسْتَفِقْ إلَّا وأنا بقَرْنِ الثَّعالِبِ، فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فإذا أنا بسَحابَةٍ قدْ أظَلَّتْنِي، فَنَظَرْتُ فإذا فيها جِبْرِيلُ، فَنادانِي فقالَ: إنَّ اللَّهَ قدْ سَمِعَ قَوْلَ قَوْمِكَ لَكَ، وما رَدُّوا عَلَيْكَ، وقدْ بَعَثَ إلَيْكَ مَلَكَ الجِبالِ لِتَأْمُرَهُ بما شِئْتَ فيهم، فَنادانِي مَلَكُ الجِبالِ فَسَلَّمَ عَلَيَّ، ثُمَّ قالَ: يا مُحَمَّدُ، فقالَ ذلكَ فِيما شِئْتَ، إنْ شِئْتَ أنْ أُطْبِقَ عليهمُ الأخْشَبَيْنِ، فقالَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: بَلْ أرْجُو أنْ يُخْرِجَ اللَّهُ مِن أصْلابِهِمْ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ وحْدَهُ لا يُشْرِكُ به شيئًا).
والأَخشبانِ هما: الجَبَلانِ المُطْبقانِ بمكَّةَ، فانظر كيف تَجلَّت رَحمةُ النَّبيِّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، وشفقته بالناس، مع أنهم استحَقُّوا العذاب لكُفْرِهم ولما فعلوه برسول ربهم، ولكنه آثر العفو والصفح، رجاء أنْ يُخرِجَ اللهُ مِن أصلابِهم مَن يَعبُدُ اللهَ وحْدَه، فيُوحِّدُه مُنفرِدًا، أو يُطيعُه مُخلِصًا لا يُشرِكُ به شَيئًا".

يوم أحد
وفي يوم أحد، شج المشركون وجهه الشريف، وكسروا رباعيته، ودخلت حلقتا المغفر في وجنتيه، وقتلوا سبعين من أصحابه، ومع ذلك ما كان منه إلا أن رفع يديه لا ليدعو عليهم بالهلاك، بل ليدعو لهم بالمغفرة والهداية (‌اللَّهُمَّ ‌اغْفِرْ ‌لِقَوْمِي ‌فَإِنَّهُمْ ‌لَا ‌يَعْلَمُونَ).
روى البخاري عن عبد الله مسعود رضي الله عنه قال: "كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء -يعني نفسه-، ضَرَبَهُ قَوْمُهُ فَأَدْمَوْهُ، فَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ، وَيَقُولُ: (‌رَبِّ ‌اغْفِرْ ‌لِقَوْمِي ‌فَإِنَّهُمْ ‌لَا ‌يَعْلَمُونَ).

اذهبوا فأنتم الطلقاء
وأما أبرز مواقف العفو فهو يوم فتح الله عليه مكة، فدخلها فاتحا منتصرًا، ومكنه الله من رقاب الذين بالغوا في أذاه وعذبوا أصحابه، وأخرجوه ومن معه من بلدهم، وحاربوه وحاربوا دينه، وحاولوا مرارا قتله، ولم يألوا جهدا في أذاه، فكان موقفه الذي لم ولن ينساه الدهر حين جمعهم وسألهم: (يا معشر قريش، ما ترون أني فاعل بكم؟؛ قالوا: خيرًا، أخ كريم وابن أخ كريم"، فقال كلمته الأشهر: (لا تثريب عليكم اليوم، اذهبوا فأنتم الطلقاء)[سيرة ابن هشام (٢٤١٢/)].
وقد كان ما أراد ودخل كثير منهم في الإسلام وحسن إسلامهم بعد، فوحدوا الله وعبدوه ولم يشركوا به شيئا، وجاهدوا معه ومع الخلفاء من بعده لنصرة دين الله.

عفوه عن أبي سفيان بن الحارث
وهو أخوه في الرضاعة، وابن عمه الحارث بن عبد المطلب، وكان ممن يعادي النبي أشد العداء، ويهجوه بشعره أقذع الهجاء، فلما توجه النبي إلى مكة فاتحا، تلقاه أبو سفيان بن الحارث في الطريق قبل أن يدخلها معلنا إسلامه، فانزعج النبي - صلى الله عليه وسلم - وأعرض عنه؛ لما بدا منه من أمور في أذية النبي صلى الله عليه وسلم، ومحاربة دينه، فتذلل للنبي - صلى الله عليه وسلم - حتى رق له، وقبل منه، ثم حسن إسلامه.

اليهودية التي أرادت قتله بالسم
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه-، أَنَّ امْرَأَةً يَهُودِيَّةً أَتَتْ رَسُولَ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- بِشَاةٍ مَسْمُومَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا، فَجِيءَ بِهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَتْ: "أرَدْتُ لِأَقْتُلَكَ" فَقَالَ: مَا كَانَ اللهُ لِيُسَلِّطَكِ عَلَى ذَلِكَ أَوْ قَالَ: عَلَيَّ، قَالَ: فَقَالُوا: أَلَا نَقْتُلُهَا؟ قَالَ: «لَا». [أخرجه أبو داود].

الرجل الذي اخترط عليه السيف
روى البخاري عن جابر بن عبد الله -رضي الله عنه، أن رجلًا من المشركين اخترط سيف النبي -صلى الله عليه وسلم- وهو نائم، فقال له: "من يمنعك مني؟" فقال النبي -صلى الله عليه وسلم: «الله»؛ فسقط السيف من يد الرجل، فأخذه النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: «مَنْ يَمْنَعُكَ ‌مِنِّي؟» قال الرجل: "كن خير آخذ"، فعفا عنه وتركه).

وبالجملة فهذا حال دائم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - وخلق ثابت، العفوِ والتسامُحِ وكظمِ الغيظِ، وعدم الانتقام، من غير ضعف ولا جبن ولا خور، وإنما عفو القادر من غير ذلة ولا هوان.
 

 

www.islamweb.net