وما قدروا الله حق قدره

10/05/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى
 
الحمد لله العظيم الجليل، الكبير المتعال، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، ووسع كل شيء علمًا، وأحصى كل شيء عددًا، لا يُعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، أحمده سبحانه وأشكره، وأتوب إليه وأستغفره، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، شهادةً تُنجي قائلها يوم العرض الأكبر، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله الله رحمةً للعالمين، وحجةً على الخلق أجمعين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} [آل عمران: 102]. {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1]. {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 70-71].
أما بعد:
عباد الله: أعظم مصيبة في هذه الحياة أن يجهل العبدُ قدر ربه، أو أن يضعف في قلبه تعظيم الله تعالى، فيقع في خللٍ خطيرٍ في الإيمان والسلوك، وقد عبّر القرآن عن هذا الخلل بعبارة جامعة مانعة فقال سبحانه: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ} [الأنعام: 91]، وهذه الآية ليست مجرد وصفٍ لحال الكفار، بل هي ميزانٌ دقيقٌ يُقاس به إيمان العبد، ويُعرف به مقامه عند الله تعالى، فكلما ازداد تعظيمه لله تعالى، ازداد قربًا منه، وارتفع قدره، وكلما ضعف هذا التعظيم، ضعف دينه وسلوكه، وانحرفت وجهته. وإن أعظم ما يُربّي القلب على هذا التعظيم: معرفة الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلى، معرفةً تورث اليقين والخشية، لا مجرد معرفةٍ ذهنيةٍ باردة. فإنك إذا علمت أنه سبحانه القدير الذي لا يُعجزه شيء؛ خفت أن تعصيه، وإذا علمت أنه السميع البصير؛ استحييت أن يراك حيث نهاك، وإذا أيقنت أنه الرقيب الذي لا تخفى عليه خافية؛ راقبت نفسك في خلواتك قبل جلواتك، وإذا علمت أنه الشديد العقاب خفت من عذابه، وإذا علمت أنه الغفور الرحيم؛ رجوت عفوه، فاجتمع في قلبك الخوف والرجاء، وهما جناحا السير إلى الله تعالى.
 
عباد الله: إن تقدير الله حق قدره ليست مجرد دعوى بل حقيقةٌ تملأ القلب، وتنعكس على الجوارح، فتجعل العبد قائمًا بأوامر الله تعالى، منتهيًا عن نواهيه، معظمًا لشعائره، قال تعالى: {ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ} [الحج: 32]. فمن عظّم الله، عظّم الصلاة فلم يضيّعها، وعظّم الحلال والحرام فلم يتعدَّ حدوده، وعظّم كلام الله فلم يهجر القرآن، وعظّم سنة النبي صلى الله عليه وسلم فلم يستخف بها.
 
وإن من أعظم دلائل ضعف التعظيم: أن يُقدَّم هوى النفس على أمر الله، أو يُستثقل الطاعة، أو يُستخف بالمعصية، حتى تصبح الذنوب عادةً، والقلب لا يتأثر ولا ينكسر، وهذا والله من أعظم البلاء. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مرّ على أنفه) رواه البخاري.
 
فتأملوا الفرق بين قلبٍ امتلأ تعظيمًا لله، فصار الذنب عنده عظيمًا، وبين قلبٍ خلا من هذا التعظيم، فصار الذنب عنده هينًا! ولهذا كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (أسألك خشيتك في الغيب والشهادة) رواه الترمذي، لأن الخشية الحقيقية ثمرة معرفة الله وتعظيمه، فإذا وُجدت الخشية استقامت الحياة، وإذا فُقدت اختلّ كل شيء.
 
أيها المسلمون: إن من مظاهر عدم تقدير الله حق قدره في واقع الناس اليوم: الجرأة على محارم الله، والتساهل في الذنوب، حتى صارت المعصية تُفعل علنًا بلا حياء ولا خوف، بل وربما جُعلت موضع فخرٍ وتباهٍ، وهذا من أعظم الخلل في تعظيم الله، إذ كيف يعصي العبد ربه وهو يعلم أنه يراه؟! قال تعالى: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى} [العلق: 14]، وقال سبحانه: {يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ} [غافر: 19]، وقال جل وعلا: {وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ} [الحديد: 4]. فلو استحضر العبد هذه المعاني في كل حال، في بيته، وفي عمله، وفي خلوته، لما تجرأ على معصية، ولا أقدم على ذنب، ولا نظر إلى حرام، ولا نطق بباطل، ولكن الغفلة إذا استولت على القلوب، أطفأت نور المراقبة، فهانت المعاصي، واستُسهِلت المخالفات.
 
أيها المسلمون: ومن مظاهر ضعف تعظيم الله كذلك: تقديم أوامر البشر على أوامر الله، فيُطاع المخلوق ويُعصى الخالق، ويُخشى الناس ولا يُخشى الله، ويُقدَّم رضا الخلق على رضا الحق، وهذا من أعظم الخلل في العقيدة والسلوك. ومن ذلك أيضًا: الانشغال بالدنيا عن طاعة الله، حتى تُصبح الصلاة ثقيلة، والقرآن مهجورًا، والذكر منسيًا، والقلب متعلقًا بزينة الحياة، وكأن العبد خُلق للدنيا لا للآخرة! قال تعالى: {بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى} [الأعلى: 16-17]. ومن مظاهره كذلك: الرضا بالحرام من أجل مكسبٍ زائل، أو شهوةٍ عابرة، أو مكانةٍ فانية، مع أن الله حرّم الحرام رحمةً بعباده، وحفظًا لدينهم ودنياهم.
 
وقد قال بعض السلف: "لا تنظر إلى صغر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت"، وهذه كلمة عظيمة تُبيّن أن العبرة ليست بحجم الذنب، بل بمن عصيناه، فإذا عظّم العبد ربه، استصغر كل ذنب، وخاف من كل تقصير، وكان دائم المحاسبة لنفسه، يراجع أعماله، ويستدرك تقصيره، ويجدد توبته، ويحرص على أن يكون دائم الصلة بالله، مستحضرًا مراقبته في كل حال.
 
وإن من أخطر ما يُبتلى به الإنسان: أن يُبتلى بقسوة القلب، فلا يتأثر بموعظة، ولا يندم على ذنب، ولا يخشع عند ذكر الله، وهذا من آثار ضعف تعظيم الله في القلب. قال تعالى: {ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً} [البقرة: 74]. فاحذروا – عباد الله – من هذا الداء، وجددوا تعظيم الله في قلوبكم، فإن القلوب إذا عرفت ربها عظّمته، وإذا عظّمته أطاعته، وإذا أطاعته سعدت في الدنيا والآخرة.
 
أيها المؤمنون: ومن أعظم ما يعين على تعظيم الله تعالى في القلوب: تدبر أسمائه وصفاته، والنظر في آياته الكونية والشرعية، فإن من تأمل خلق السماوات والأرض، وتعاقب الليل والنهار، وعظمة الكون واتساعه؛ علم أن لهذا الكون ربًا عظيمًا لا يُقدّر قدره أحد. قال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ} [الزمر: 67]، فهذا تصوير لعظمة الله التي لا تدركها العقول، فإذا استقر هذا المعنى في القلب، امتلأ تعظيمًا وهيبةً وخشية.
 
ومن الوسائل كذلك: الإكثار من ذكر الله، فإن الذكر يحيي القلب ويزيده تعظيمًا لله، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ} [البقرة: 152]، وأعظم الذكر قراءة القرآن بتدبر، فإنه يعرّفك بربك، ويقربك منه، ويغرس في قلبك تعظيمه. وكذلك صحبة الصالحين الذين يذكّرونك بالله، ويعينونك على طاعته، فإن القلوب تضعف وتقوى، ومن أعظم ما يقويها مجالسة أهل الإيمان. وإذا عظم الله في قلب العبد، ظهرت آثار ذلك في سلوكه، فكان صادقًا في قوله، أمينًا في عمله، خاشعًا في عبادته، محسنًا في معاملته، لأن التعظيم الحقيقي ليس مجرد شعور، بل هو منهج حياة يظهر في كل تفاصيلها.
 
أقول قولي هذا، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
 
الخطبة الثانية
 
الحمد لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه كما يحب ربنا ويرضى، أحمده سبحانه وأشكره على نعمه التي لا تُحصى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
عباد الله: إن تعظيم الله تعالى وتقديره حق قدره هو أصل الإيمان، وهو الميزان الذي تُوزن به الأعمال، فمن عظّم الله في قلبه عظّم أوامره، واجتنب نواهيه، وراقب ربه في السر والعلن، ومن ضعف تعظيم الله في قلبه، تجرأ على المعصية، وغفل عن الطاعة، وركن إلى الدنيا وزينتها. وإن أعظم ما يعيد هذا التعظيم إلى القلوب: معرفة الله بأسمائه وصفاته، وتدبر كتابه، والإكثار من ذكره، واستحضار مراقبته في كل حال. فاجعلوا لأنفسكم نصيبًا من ذلك، وراجعوا قلوبكم، وزنوا أعمالكم بميزان تعظيم الله، فإن الأمر جد، والحساب قريب، والله لا يخفى عليه شيء من أعمالكم.
 
وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

www.islamweb.net