الشباب وبناء الذات: عوائق وتحديات

12/05/2026| إسلام ويب

مرحلة الشباب ليست مجرد فئة عمرية تمر بها الأجساد، بل هي "مرحلة القوة بين ضعفين"، والشباب هم المستودع الاستراتيجي للأمم، والطاقة المحركة لكل نهضة، وإنما ترتفع الأمم بقدر قوة شبابها في كل مجال: جسدا وعقلا، وعلما وعملا، وتقدما ورقيا، وإنما تبنى الأمم بقدر ما يبني الشباب ذواتهم، ويطوروا أنفسهم ليواكبوا تطور العلوم وتقدمها. 

غير أن الشاب المعاصر يجد نفسه اليوم في مهب رياح عاتية، تتقاذفه أمواج التحولات الكونية، مما يجعل معركة "بناء الذات" أصعب وأعقد من أي وقت مضى. لقد أنتجت التغيرات العالمية واقعا معاصرا مليئا بالتحديات، حتى إن محاولة بناء الذات أصبحت عملية معقدة تكتنفها كثير من المعوقات.. فمن ذلك:

أولاً: تحدي العولمة وتقويضها للبناء الذاتي
تُعد العولمة من أبرز الظواهر التي تشكل عالمنا المعاصر، حيث تعمل على تحويله إلى "قرية صغيرة" نتيجة لتدفق المعلومات والأفكار، والسلع، والثقافات عبر الحدود، ومع ذلك، فإن ضغط العولمة، الذي غالباً ما يكون مدفوعاً بنمط الحياة الغربي، يشكل تهديداً كبيراً لعملية "بناء الذات" الفردية والجماعية، خاصة في المجتمعات النامية فهي تسعى لقولبة العالم ضمن "نموذج استهلاكي موحد".. هذا من الناحية الاقتصادية.

أما من جهة المبادئ والعقائد والقيم والأفكار، فتفرض العولمة قيم "المادية" التي قد تصطدم مع جوهر التزكية الإسلامية أو الدينية عموما، وحتى المبادئ الإنسانية، والأخلاق المتعارف عند عموم الناس على حسنها، فالعولمة إنما تفرض النظام الغربي بقيمه التي يعيشها وليس القيم التي ينبغي أن تعاش، وكذلك نمط الحياة التي استحدثوها دون تقيد بشرائع أو قيم أو مبادئ، وإن كانت سماوية وردت من خلال الأديان، ولذلك فهي تحدث نوعا من الاضطراب والقلق النفسي والتردد بين القيم المطالب بها وبين الواقع المخالف.

ومن الناحية التربوية:
ففرض قانون الغرب "بالعولمة" يؤدي إلى استلاب الهوية، وتهاوي الاعتزاز بالشخصية، أو القومية أو العرقية، أو حتى الانتماء العقائدي، بحيث يشعر الناس بالدونية تجاه الثقافات المهيمنة، ومن ثم يتحول الشاب من "صانع للحضارة" إلى "مستهلك لمنتجاتها"، مما يفرغ الذات من محتواها القيمي الأصيل.

ثانياً: فوضى التشتت الرقمي
وهي ظاهرة من الظواهر المهمة لدى شباب هذا العصر الراهن، ولها أثرها الهائل على واقع الشاب ومستقبله، وهي إحدى العوائق التي تقف في وجه بناء الذات، حيث يواجه شباب عصرنا شتاتا ذهنياً ونفسياً ومعلوماتيا غير مسبوق، حتى أصبح التركيز عملة نادرة في ظل عالم متسارع يضج بالمؤثرات، وظهرت مشاكل أخرى:

كالتفتت المعرفي: والانشغال بالمعلومات السطحية على حساب العلم العميق.

وكالتسويف المقنّع: المتمثل في قلة الإنجاز نتيجة لغرق الشباب في عالم الافتراض والانشغال به عن الإنجاز في أرض الواقع.

ثم هناك الآثار النفسية: الناتجة عن المقارنات المستمرة بين حياة الشخص العادي مع "حياة المشاهير" والتي تؤدي إلى سخط داخلي واهتزاز في تقدير الذات.

ثالثاً: تحدي غياب القدوة
فمن المعلوم أن القدوة الصالحة من أعظم أسباب بناء الذات، حيث يحتاج المرء إلى "منارة" يستضيء بها تكون نموذجا يصلح للاحتذاء به ويكون شعلة ومنارا يهتدى به، خصوصا في ظل تراجع دور المؤسسات التقليدية (الأسرة، المسجد، المدرسة)، ولذلك برزت أزمة حادة في توفر القدوات.

ومما زاد الأمر صعوبة والطين بلة، دور العولمة أيضا في صناعة الرموز، حيث
تصدّر لنا نوعية من القدوات، أو نماذج للاحتذاء لا قيمة لها في الحقيقة، تتمثل فيما يسمى بـ "المؤثرون"، وهي الطبقات التي أصبح لها تأثير على الجيل الناشئ، فأصبح المثال والقدوة يقدم بناءً على معايير الشهرة والغنى والتفاهة، لا الكفاءة أو الخلق، فتصدر المشهد ـ للأسف ـ تافهون لا قيمة حقيقية لهم، ولا أثر نافع، وإنما قدمتهم مواقع السوشيال وصدرتهم لإلهاء الناس عن الجد والسعي إلى رقي مجتمعاتهم، وبناء ذواتهم، وتحسين واقعهم ومستقبلهم.

والواقع يدل على غياب النماذج الحية التي تجمع بين النجاح الدنيوي والاستقامة الدينية في محيط الشاب القريب. مما يحتاج ضرورة إلى إعادة الاعتبار للسير العظيمة (كسير الصحابة والعلماء والمخترعين والأدباء والمفكرين والقادة الكبار) وربطها بالواقع برؤية عصرية.

خارطة الطريق لبناء الذات
إن بناء الذات في زمن العولمة والتشتت هو "جهاد حضاري" بامتياز، والشاب الذي سينجح في نحت شخصيته وسط هذه الصخور العاتية، هو الذي سيمسك بزمام المستقبل، ويساهم في سير بلاده نحو التقدم والرقي.
ولكي ينجح الشاب في مثل هذا التحدي الكبير، فلابد أن يحول التحديات إلى فرص، وأن يتحرك وفق محاور متوازنة، نذكر منها على وجه الأهمية:

 المحور الإيماني: وتزكية النفس بالارتباط بالخالق وتعاليم الدين التي تمنع الشاب من الغرق في بحر الشهوات والشبهات.

المحور المعرفي: التعلم الحقيقي والمستمر، والبحث المتقن والمثمر، وتجاوز ثقافة "المنشورات العابرة" إلى القراءة الجادة، وامتلاك مهارات العصر التقنية واللغوية.

لزوم الانضباط: ونعني به الجد والاجتهاد وعدم الملل، فإن بناء الذات لا يتم بالتمني، بل بالانضباط الذاتي، وإدارة الوقت، والقدرة على قول "لا" للمشتتات.

البيئة الصالحة: البحث عن "الرفقة الواعية" التي تعين على الحق وتدفع نحو الإبداع، والبحث عن القدوة الصالحة التي ترفع وتنفع.

خاتمة
إن الشاب الذي ينجح في نحت شخصيته وسط هذه الصخور العاتية، هو الذي سيمسك بزمام المستقبل. إنها دعوة للعودة إلى الجذور مع الانفتاح الواعي على العصر، ليكون الشاب مسلماً في عقيدته، عالمياً في طموحه، وإنسانياً في عطائه.

www.islamweb.net