ثمرات المداومة على الطاعات والعبادات

02/06/2026| إسلام ويب

الخطبة الأولى

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ}(آل عمران:102)، أما بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، أما بعد، أيها المسلمون:

في زمنٍ كثرت فيه الفتن، وتنوعت فيه الشهوات، لا سعادة ولا نجاة للعبد إلا بالثبات والمداومة على طاعة الله وعبادته، فهي علامة صدق الإيمان، ودليل القلوب السليمة.. ومن هنا فإن حديثنا اليوم عن "ثمرات المداومة على الطاعات والعبادات".

العبادة ليست موسماً عابراً ينتهي أثره بانقضاء أيامه، بل هي حياة ممتدة، ورحلة عمر لا يقطعها إلا الموت، قال الله تعالى: {وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّىٰ يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ}(الحجر:99). فالثبات والمداومة على الطاعة والعبادة هو المعيار الحقيقي لصدق الإيمان، ومن علامات قبول العمل الصالح أن يُتبع بعمل صالح مثله.

والمداومة على الطاعة والعبادة ليست عادةً أو تكراراً بلا روح، بل هي أحبّ القربات إلى الله رب العالمين، وقد سُئِلَ النَّبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم: (أيُّ الأعمالِ أحَبُّ إلى اللهِ؟ قال: أدومُها وإن قَلَّ) رواه البخاري. وهذه ليست دعوة إلى تقليل الطاعات والأعمال الصالحة، بل دعوة إلى الثبات والمحافظة عليها، ولو كانت قليلة، ثم الانطلاق منها إلى المزيد والمزيد.

ونبينا صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملاً أثبته، أي داوم وحافظ عليه، حتى أنه إذا فاته شيء من صلاة الليل قضاه في النهار.

فتعالوا بنا أيها الإخوة الكرام مع بعض ثمرات المداومة على الطاعات والعبادات، لنقف على بعض ما يجنيه المؤمن من ثباته على الطاعة والعبادة، وما يناله من بركاتها في الدنيا والآخرة.

أيها المؤمنون: أولى ثمرات المداومة على الطاعات والعبادات: طهارة القلب من النفاق، وصلته الدائمة بالله عز وجل، وهل هناك نعمة أعظم من قلبٍ متصل سليمٍ حيٍّ بذكر الله؟!
فالقلب هو الأصل، فإذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (ألا وإنَّ في الجَسَدِ مُضغةً إذا صَلَحَت صَلَحَ الجَسَدُ كُلُّه، وإذا فسَدَت فسَدَ الجَسَدُ كُلُّه، ألا وهي القَلبُ) رواه البخاري. وقال أبو هريرة رضي الله عنه: "القلب مَلِك الأعضاء، والأعضاء جنوده، فإن طاب الملك طابت جنوده، وإن خبث الملك خبثت جنوده".

وقد بيّن العلماء أن الأعمال تتفاضل عند الله بتفاضل ما في القلوب لا بكثرتها وصورها، وذلك من قول النبي صلى الله عليه وسلم: (إن الله لا ينظر إلى صوركم وأجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم) رواه مسلم.

فرب عمل صغير في أعين الناس يكون عند الله عظيماً بالإخلاص، ورب عمل كبير لا وزن له لأنه خالطه رياء أو سمعة، قال تعالى: {فَمَنْ كَانَ يَرْجُوا لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا}(الكهف:110)، وفي الحديث القدسي يقول الله: (أنا أغنى الشُّرَكاءِ عَنِ الشِّركِ، مَن عَمِلَ عَمَلًا أشرَك فيه مَعي غيري تَرَكتُه وشِركَه) رواه مسلم.

ومن هنا كان الصحابة رضوان الله عليهم يخافون النفاق والرياء على أنفسهم، حتى الفاروق عُمر رضي الله عنه سأل حذيفة بن اليمان رضي الله عنه ـ الذي أطلعه النبي صلى الله عليه وسلم على أسماء المنافقين ـ: "أسألك بالله يا حُذيفة! هل سماني لك رسول الله في المنافقين؟!"

وقال الحسن البصري: "ما أمِن النفاق إلا منافق، وما خاف النفاق إلا مؤمن".

والمداومة على العمل الصالح والعبادة من أعظم علامات صحة القلب وسلامته، وهي دليل على حياة الإيمان في أعماق النفس، وهي الطريق إلى النجاة يوم القيامة، حيث لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، كما قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ}(الشعراء:88-89)، والقلب السليم هو الذي طهر من الشرك والنفاق والرياء، وكان صاحبه مداوما ومحافظا على العبادات والطاعات.

ومن أعظم ثمرات المداومة على الطاعات والعبادات: أنها سبب لمحبة الله عز وجل لعبده.

ومحبة العبد لربه أمر طبيعي فهو سبحانه الذي خلقه ورزقه، وأكرمه وأنعم عليه بنعم لا تُعد ولا تُحصى، من لحظة كونه نطفة في رحم أمه، إلى يوم أن يلقاه سبحانه.. أما محبة الله عز وجل لعبده فهي أمر تُحبس أمامه ألسنة البلغاء والفصحاء، وفي الحديث القدسي يقول ربنا جل وعلا: (مَن عادى لي وليًّا فقد آذَنتُه بالحَربِ، وما تَقَرَّبَ إليَّ عَبدي بشَيءٍ أحَبَّ إليَّ ممَّا افتَرَضتُ عليه، وما يَزالُ عَبدي يَتَقَرَّبُ إليَّ بالنَّوافِلِ حتَّى أُحِبَّه، فإذا أحبَبتُه كُنتُ سَمعَه الذي يَسمَعُ به، وبَصَرَه الذي يُبصِرُ به، ويَدَه التي يَبطِشُ بها، ورِجلَه التي يَمشي بها، وإن سَألَني لَأُعطيَنَّه، ولَئِنِ استَعاذَني لَأُعيذَنَّه، وما تَرَدَّدتُ عن شَيءٍ أنا فاعِلُه تَرَدُّدي عن نَفسِ المُؤمِنِ؛ يَكرَهُ المَوتَ، وأنا أكرَهُ مَساءَتَه) رواه مسلم.
فالمداومة على الفرائض والنوافل والطاعات طريق إلى محبة الله، وإذا أحب الله عبده أحبه أهل السماء، ووُضِع له القبول في الأرض.

ومن ثمرات المحافظة والمداومة على الطاعات والعبادات: أنها سبب لتفريج الكربات والشدائد، فإن من عرف الله في الرخاء عرفه الله في الشدة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس رضي الله عنهما: (احفظِ اللهَ يحفَظْكَ، احفظِ اللهَ تجِدْهُ أمامكَ، تعرَّفْ إلى اللهِ في الرَّخاءِ يعرِفكَ في الشِّدَّةِ) رواه الترمذي.

فمن داوم على الطاعة والعبادة في أوقات السعة والرخاء، لم يتخلَّ الله عنه في أوقات البلاء والكرب، بل يكون معه بالنصر والتأييد، ويبدل ضيقه فرجاً، وهمه سروراً، ويحقق له وعده كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسراً) رواه أحمد.
فالمداومة على العمل الصالح هي مفتاح محبة الله، وهي كذلك باب النجاة من الكروب والشدائد.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم..

الخطبة الثانية

الحمد لله الذي جعل الليل والنهار خلفةً لمن أراد أن يذكر أو أراد شكوراً، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، أما بعد، أيها المسلمون:

مِن أعظم ثمرات المداومة على الطاعات والعبادات: حُسن الخاتمة والفوز بالجنة، فمن عاش على الطاعة والعبادة مات عليها، ومَن مات على شيء بُعث عليه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (يُبعَثُ كُلُّ عَبدٍ على ما ماتَ عليه) رواه مسلم، وقال صلى الله عليه وسلم: (إذا أرادَ اللهُ بعبدٍ خيرًا استعملَه ، فقيل : كيف يستعملُه يا رسولَ اللهِ؟ قال: يوفِّقُه لعمَلٍ صالحٍ قبلَ الموت)ِ رواه الترمذي. فإذا وفقك الله للمداومة على العبادة والعمل الصالح، ثم قبضك على ذلك، بُعثت يوم القيامة على نفس الطاعة، وقد قال صلى الله عليه وسلم: (وإنَّما الأعمالُ بالخَواتيمِ) رواه البخاري.

وحسن الخاتمة ليس مطلباً ينال بالتمني، وإنما هو ثمرة جهاد النفس، وصبرها عن المعصية، ومداومتها على الطاعة، قال تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ}(إبراهيم:27)، وقال سبحانه: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}(العنكبوت:69)، فمن جاهد نفسه على الطاعة والمحافظة عليها، كان موعود الله له الهداية والثبات، وكان مع المحسنين الذين يعبدون الله كأنهم يرونه.

وختاماً، عباد الله: السبيل إلى المداومة والمحافظة على الطاعات والعبادات لا يكون إلا بأسباب تعين عليها، أولها: الاستعانة بالله، فهو المعين والموفق، ومَن خذله الله فهو المخذول، فقُل، بل وأكثر مِن دعائك ـ كما علم النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل رضي الله عنه وعلمنا معه ـ: (لا تدَعنَّ في دُبُرِ كلِّ صلاةٍ تقولُ: اللَّهمَّ أعنِّي على ذِكْرِكَ، وشُكْرِكَ، وحُسنِ عبادتِكَ) رواه الترمذي.

وثانيها: الاعتدال في الأعمال، فالإسلام دين الوسطية، وخير الهدي هدي نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلا إفراطَ يَقود إلى الغلو والتشدّد، ولا تفريطَ يُفضِي إلى التقصير وتضييع العبادات والطاعات.

وثالثها: صحبة الصالحين والأخيار، فإن الصاحب والجليس الصالح يعينك على الطاعة ويُذكرك بالله، والصاحب والجليس السوء يصدك عن سبيل الله ويبعدك عن طاعته.

واعلموا رحمكم الله أن المداومة على الطاعات والعبادات هي السبيل إلى حُسن الخاتمة، وهي الطريق الموصِل إلى محبة الله ورضوانه، وهي الجسر الآمن الذي يعبر به المؤمن إلى جنات النعيم، فمن داوم على طاعة الله وعبادته في دنياه ثبّته الله عند مماته، وجعل له الفوز العظيم في الآخرة.

هذا وصلوا وسلموا على السراج المنير، والهادي البشير، كما أمركم الله بالصلاة والسلام عليه بقوله: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}(الأحزاب:56)..
 

www.islamweb.net