
بين ركام الجاهليةِ العاتية، وظلماتِ الوثنيةِ التي ضربت أطنابها في جزيرة العرب، تلوح في أفق السيرة النبوية ومضاتٌ إيمانية تجسّد رحلة الروح الإنسانية والعقل الحر من الحيرة إلى اليقين، ومن أسر الهوى إلى رحابة الهدى.
ولعل في قصة إسلام سيدِ دوس، الشاعرِ اللبيب، والداعيةِ الأريب، الطفيل بن عمرو الدوسي -رضي الله عنه وأرضاه- ما يحرّك السواكن، ويستثير الكوامن، ويمنح السالكين في دروب الدعوة والتربية مناراتٍ لا تخبو، وعِبَراً لا تبلى.
قصة إسلام الطفيل
وقصة إسلام الطفيل رواها البيهقي في «دلائل النبوة»، وابن هشام في «السيرة النبوية»، وكذلك ابن كثير في «البداية والنهاية»، وهذا نصها:
"كان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث أنه قدم مكة ورسول الله صلى الله عليه وسلم بها، فمشى إليه رجال قريش، وكان الطفيل رجلاً شريفاً شاعراً لبيباً، فقالوا له: إنك قدمتَ بلادنا وهذا الرجل الذي بين أظهرنا فرَّق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين المرء وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا فلا تَكْلِمَنَّهُ وَلَا تَسْمَعَنَّ مِنْه، قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئاً ولا أكلمه، حتى حشوْت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا (قطناً) فرَقَاً (خوفاً) من أن يبلغني شيء من قوله.
قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي عند الكعبة، فقمت قريباً منه فأبَىَ الله إلا أن يُسمعني بعض قوله، فسمعت كلاماً حسناً، فقلتُ في نفسي: وَاثُكْلَ أُمَّاه، والله إني لرجل لبيب شاعر، ما يخفى عليَّ الحسن من القبيح، فما يمنعني مِنْ أن أسمع من هذا الرجل ما يقول، فإن كان الذي يأتي به حسناً قبِلْتُ، وإن كان قبيحاً تركت، قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيته، فتبعته حتى إذا دخل بيته دخلت عليه فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبَى الله عز وجل إلا أن يسمعنيه، فسمعت قولاً حسناً، فاعرض عليَّ أمرك.
قال: فعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم عليَّ الإسلام، وتلا عليَّ القرآن، فلا والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه، فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي وإني راجع إليهم فداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عوناً عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم اجعل له آية.
قال: فخرجت إلى قومي حتى إذا كنت بثنية (ما انفرج بين الجبلين) يقال لها كذا وكذا، تطلعني على الحاضر (القبيلة النازلة على الماء)، وقع نور بين عيني مثل المصباح، قال: قلت: اللهم في غير وجهي؛ إني أخشى أن يظنوا أنها مُثْلَةٌ وقعت في وجهي لفراق دينهم، قال: فتحول فوقع في رأس سوطي كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية حتى جئتهم فأصبحت فيهم، فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخاً كبيراً، فقلت: إليك عني يا أبت، فلستُ منك ولستَ مني، قال: لِم يا بُني؟ قلت: أسلمت وتابعت دين محمد، قال: يا بني، فديني دينك، قال: قلت: فاذهب يا أبتِ فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت، قال: فذهب فاغتسل وطهر ثيابه ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم، ثم أتتني صاحبتي (زوجتي) فقلت لها: إليك عني فلست منك ولست مني، قالت: لم، بأبي أنت وأمي؟ قلتُ: فرق الإسلام بيني وبينك، أسلمت وتابعت دين محمد صلى الله عليه وسلم، قالت: فديني دينك، قال: قلت: فاذهبي إلى حنى ذي الشرى فتطهري منه -وكان ذو الشرى صنماً لدوس- وكان للحنى حمى حوله وبه وشل من ماء يهبط من جبل إليه، قالت: بأبي وأمي أتخشى علي الصبية من ذي الشرى شيئاً؟ قال: قلت: لا، أنا ضامن لك، قال: فذهبت واغتسلت ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام فأسلمت.
ثم دعوت دوساً إلى الإسلام فأبطؤوا عليَّ (لم يستجيبوا) فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا نبي الله، إنه قد غلبني على دوس الزنى، فادع الله عليهم، فقال: اللهم اهد دوساً، ثم قال: ارجع إلى قومك فادعهم إلى الله وارفق بهم، فرجعت إليهم فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الله، ثم قدمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر، فنزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتاً من دوس، ثم لحقنا برسول الله صلى الله عليه وسلم بخيبر فأسهم لنا مع المسلمين.
دروس وعبر
الأول: أن تكرار الباطل على الآذان له أثر الكبير في قبول الناس له، وتصديقهم به، وتنفيرهم عن الحق وردهم له، وهذه سياسة معروفة عند أهل الباطل لإقرار باطلهم.
الثاني: أن الانتفاع بداعي الهدى لا ينفع حتى يتحرر العقل من التبعية العمياء، وينتقل إلى رحاب التثبت العقلي والفطري فعندها يكون من {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ}، كما نبذ الطفيل القطن عن القلب والأذن، ونبذ معه أوهام الخوف، وجلس مستمعاً منصتاً.
الثالث: إذا انفتحت منافذ الروح، وانسابت إلى مسامع القلب كلمات الوحي "كلام الله وكلام رسوله، فلن يملك أمام عظمة التنزيل إلا الإذعان والاستسلام: "والله ما سمعت قولاً قط أحسن منه، ولا أمراً أعدل منه".
الرابع: الإسلام ليس مجرد عقيدة انطوائية، بل هو طاقةً نور تحث على الحركة والعمل ولانطلاق في الدعوة إلى الله وخدمة الدين، والسعي في رفعة شأن الإنسان، ولذلك انطلق الطفيل إلى قومه داعيا هاديا لينقذهم من ظلمات الجهل والشرك.
الخامس: قد يحتاج الداعية لآيات وكرامات تكون عونا له في دعوة من يدعو، وهذا وإن لم يكن أصلا إلا أنه وارد، ولذلك سأل الطفيل النبي آيةً تكون له عوناً في دعوة قومه.
السادس: مراعاة أحوال المدعوين فقه دقيق وفهم وتوفيق، فحين جعل الله له الآية نوراً في جبهته، خشي الطفيل النظرة القاصرة لقومه، فيظنوها عقوبة من آلهتهم لتركه عبادتها ولفراق دينه، فطلب تحويل النور إلى السوط، ليكون معجزةً مبهرة لا منفّرة، فتحول النور إلى طرف سوطه يضيء له في الليلة المظلمة، وعُرف من يومها بـ "ذي النور".
السابع: الأصل في الدعوة هو "الإنقاذ لا الإهلاك"، و"الهداية لا التدمير"؛ فعندما أبطأت دوس على الطفيل جاء يطلب من النبي أن يدعو عليهم، ولكن نبي الرحمة صلى الله عليه وسلم رفع يده وقال: ": "اللهم اهدِ دوساً وأْتِ بهم"، في أعظم درس لكل الدعاة إلى الله بأن الدعوة صبر وحلم، وهداية ورفق.. فرجع إليهم فما زال يترفق في دعوتهم حتى قدم بهم مكة بعد سنوات وهم ثمانون بيتاً مسلماً، يهتفون بالتوحيد.
خاتمة
إن قصة إسلام الطفيل بن عمرو الدوسي ترسم بأحرف من نور معالم الداعية الملهم: عقلٌ حرٌّ متثبت، وقلبٌ خاشعٌ خاضعٌ للحق، وهمةٌ عاليةلا تعرف الفتور، ورحمةٌ تسع المخالفين وتطمع في هدايتهم.