
ما الذي يجعل آيةً واحدة تغيِّر إنسانًا بأكمله، بينما تمر مئات الآيات على آخر فلا تُحدِث في قلبه أثرًا يُذكر؟ وكيف استطاع القرآن أن يصنع من رجالٍ عاشوا في صحراء قاسية أعظم جيل عرفته البشرية، ثم أصبح الكتاب نفسه يُتلى اليوم في بيوت المسلمين ومساجدهم، ولا يجد كثيرون في قلوبهم إلا أثرًا يسيرًا؟
إنه سؤال يستحق أن يُطرَح، لا لأن القرآن تغيَّر، وإنما لأن القلوب هي التي تتفاوت في استقبال كلام الله. فالقرآن هو هو، كلام الله الذي لو أنزل على الجبال لخشعت وتصدعت: {لَوْ أَنزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ}[الحشر: 21].، إنه كلام الله الذي أبكى العيون، وأحيا القلوب، وصنع أمةً غيَّرت مجرى التاريخ. بينما لا نرى للقرآن ذلك الأثر في واقع الأمة اليوم، وإنما يكمن السر في القلب الذي يستقبل هذا الخطاب.
وقد وصف الله تعالى كتابه بما يكشف أثره في النفوس، فقال: {اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ} [الزمر: 23]. فالأثر القرآني يبدأ بإيقاظ الشعور، ثم ينتقل إلى القلب، ثم يظهر على السلوك.
وليس التأثر المطلوب مجرد انفعال عابر تثيره نغمة قارئ أو موقف مؤثر، ثم ينقضي بانقضاء التلاوة، وإنما التأثر الحقيقي أن تنفذ الآية إلى القلب، فتوقظ فيه معنى، أو تصحح فكرة، أو تحرك خوفًا من الله، أو تبعث رجاءً فيه، أو تحمل صاحبها على ترك ذنب أو فعل خير.
ومن هنا كان أول الطريق إلى التأثر أن يستحضر المسلم عظمة المتكلم بهذا القرآن. فالذي يقرأ القرآن وهو يستشعر أنه كلام الله، وأنه خطاب الرب سبحانه لعباده، لا يمكن أن تكون قراءته كقراءة كلام البشر. وقد نقل ابن القيم في الفوائد في وصف هذا المقام معنى بديعًا، فقال: (واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه). فحين يستحضر القارئ أنه مخاطَب بآيات القرآن، وأن وراء كل أمر ونهي ووعد ووعيد خطابًا إلهيًا يتوجه إليه، تتحول التلاوة من عادة يومية إلى لقاء حي مع الهداية.
ويحتاج هذا إلى قلب حاضر، لا إلى لسان يعمل وحده. ولذلك كان التدبر من أعظم أبواب التأثر، قال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} [ص: 29]. فليست الغاية أن تمر الآيات على العين واللسان، إنما أن تصل إلى العقل والقلب، وأن يسأل القارئ نفسه: ماذا تريد مني هذه الآية؟ وما الذي تكشفه لي عن ربي؟ وما الذي ينبغي أن يتغير في حياتي بسببها؟
ومن أسباب التأثر كذلك أن تكون التلاوة على مهل، بعيدة عن العجلة التي تحول القرآن إلى صفحات تُطوى وأجزاء تُنجز. وقد وصف الله عباده المؤمنين بقوله: {وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا} [الفرقان: 73]. فالآيات تمر بهم، لكنها لا تمر عليهم مرورًا عابرًا؛ بل يسمعونها بآذانهم، ويفقهونها بقلوبهم، ويستجيبون لها بجوارحهم.
وقد كان هذا حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه. فكان صلى الله عليه وسلم إذا سمع القرآن رَقّ قلبه وذرفت عينه؛ لعلمِه بعظمة القرآن، فعن ابن مسعودٍ -رضي الله عنه- قال: (قال لي النبي -صلى الله عليه وسلم-: "اقْرَأْ علَيَّ القُرآنَ"، قلتُ: يا رسول الله، أقرأُ عليك، وعليك أُنزِل؟! قال: "إِني أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي"، فقرأتُ عليه سورة النساء، حتى جئتُ إلى هذه الآية: {فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا}[النساء: 40]، قال: "حَسْبُكَ الآن"، فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تذرفان)[ متفق عليه].
وعندما أمر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقولوا لأبي بكر يصلي بالناس، قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يستطع أن يصلي بالناس). والأسيف هو شديد الحزن رقيق القلب. ولم تكن رقة القلب عندهم مجرد صفة وجدانية منفصلة عن العبادة، بل كانت ثمرة مباشرة لمعرفتهم بالله وتأثرهم بكلامه.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقافا عند كتاب الله تعالى، لما أغضبه عيينة بن حصن وهم عمر أن يعاقبه ذكَّره الْحُرِّ بْنِ قَيْسِ بقول الله تعالى: {خُذِ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين}[الأعراف: 199]. وإن هذا من الجاهلين. فمَا جَاوَزَهَا عمرُ حِينَ تَلَاهَا عليه.
ومن أبلغ صور التأثر ما روي عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما؛ فقد قال ابن أبي مليكة: (صحبت ابن عباس - يعني في السفر- فإذا نزل قام شطر الليل، ويرتل القرآن حرفًا حرفًا، ويكثر في ذلك من النشيج والنحيب).
ومثل هذه المواقف تكشف أن التلاوة عند السلف لم تكن سباقًا مع الصفحات، وإنما كانت وقوفًا طويلًا مع المعاني، حتى يبلغ أثرها مبلغًا يظهر في الصوت والدمع والقلب.
بل كان أثر القرآن يتجاوز البكاء إلى الاستجابة الفورية. فلما نزل قوله تعالى: {لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ}، لم يبحث أبو طلحة رضي الله عنه عن أقل ما يقدمه، بل بادر إلى أحب أمواله إليه – بيرحاء - ، فجعلها صدقة لله تعالى.
ومن المهم هنا أن ندرك أن التأثر بالقرآن لا يعني أن يبكي الإنسان عند كل آية، ولا أن يكون البكاء هو المقياس الوحيد لصدق الانتفاع. فقد يقرأ المرء آية فيتأثر بها تأثرًا عميقًا دون دموع، ويظهر أثر ذلك في توبته أو أخلاقه أو قراراته.
وربما كانت أعظم علامات التأثر أن تتغير حياة الإنسان بعد أن يغلق المصحف.
وقد لخَّص الحسن البصري هذا المعنى بكلمة بليغة حين قال: (والله ما تدبُّره بحفظ حروفه وإضاعة حدوده، حتى إن أحدهم ليقول: قرأت القرآن كله، ما يُرى له القرآن في خلق ولا عمل).
ولهذا فإن القرآن الذي لا يغير شيئًا في السلوك يحتاج صاحبه إلى أن يسأل نفسه عن سبب المسافة بين ما يقرأ وما يعيش. يقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ . كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ} [الصف: 2-3]. والقرآن أعظم ما ينبغي أن يظهر أثره في حياة من يتلوه؛ فمن قرأ آيات الصدق، ثم راجع صدقه، وقرأ آيات العفو، ثم راجع خصومته، وقرأ آيات الإحسان، ثم نظر في معاملته للناس، فقد بدأ يذوق ثمرة القرآن.
ويعين على ذلك أن يختار المسلم وقتًا يكون فيه قلبه أكثر صفاءً، وأن يبتعد عن المشتتات، وألا يجعل همّه بلوغ مقدار معين من القراءة دون عناية بالمعنى. كما يعينه أن يكرر الآية التي تحرك قلبه، وأن يقف عند الوعد والوعيد، وقصص الأنبياء، ووصف الجنة والنار، وآيات التوحيد والتعظيم؛ فإن تكرار الآية مع حضور القلب قد يفتح من معانيها ما لا يفتحه المرور السريع عليها.
والتأثر بالقرآن كذلك يحتاج إلى مجاهدة؛ فالقلب الذي أثقلته الذنوب، واستولت عليه الشهوات، وتوزعته مشاغل الدنيا، قد يجد صعوبة في التفاعل مع الآيات. ولذلك كان القرآن نفسه يدعو إلى تطهير القلب من القسوة والغفلة، قال تعالى: {أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ} [الحديد: 16].
وحين يستعيد القلب عافيته، يصبح القرآن بالنسبة إليه شيئًا آخر، يجد فيه جوابًا عن حيرته، وسلوى في حزنه، وبصيرة في اختياراته، ورجاءً حين تضيق به الحياة. عندها لا يعود السؤال: كم قرأت اليوم؟ وإنما يصبح السؤال الأهم: ماذا فعل القرآن بي اليوم؟
إن أعظم ما يدل على صدق الصلة بالقرآن ألا يبقى أثره محصورًا في لحظة التلاوة، بل يمتد منها إلى الحياة كلها. فالقرآن الذي يلامس القلب حقًا يصنع إنسانًا أكثر خشية، وأصدق لسانًا، وأحسن خلقًا، وأسرع إلى التوبة، وأرحم بالناس، وأشد مراقبة لله.
وهكذا يكون التأثر بالقرآن رحلة تبدأ من آية، لكنها لا تنتهي عند إغلاق المصحف، بل تبدأ بالقراءة أو السماع، ثم تمر بالتدبر، وتستقر في القلب، ثم تتحول إلى عمل. وحين يبلغ القرآن هذه المنزلة في حياة المسلم، يصبح كتاب الله رفيقًا وواقعا يُعاش؛ وتصبح الآيات التي كانت تُتلى بالأمس على اللسان، واقعًا يتحرك اليوم في السلوك، وأثرًا يبقى غدًا في الطريق إلى الله.