الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط
فهرس الكتاب
صفحة جزء
797 - وعن وائل بن حجر : أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه حين دخل في الصلاة كبر ثم التحف بثوبه ، ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ، فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ، ثم رفعهما وكبر فركع ، فلما قال : " سمع الله لمن حمده " رفع يديه ، فلما سجد ، سجد بين كفيه ، رواه مسلم .

التالي السابق


797 - ( وعن وائل بن حجر ) : بضم الحاء وسكون الجيم ، ابن ربيعة بن وائل بن يعمر بفتح الياء والميم ، أبو هنيدة الحضرمي ، كان قيلا من أقيال حضرموت ، وكان أبوه من ملوكهم ، وفد على النبي - صلى الله عليه وسلم - ويقال : أنه - صلى الله عليه وسلم - بشر أصحابه بقدومه ، وقال : يأتيكم وائل بن حجر من حضرموت طائعا راغبا في الله وفي رسوله ، وهو بقية من أبناء الملوك فلما دخل عليه رحب به وأدناه من نفسه ، وبسط له رداءه فأجلسه عليه ، وقال : ( اللهم بارك في وائل وولده وولد ولده ) روى عنه ولداه علقمة وعبد الجبار وجماعة ، والصحيح أن عبد الجبار لم يسمع من أبيه والله أعلم ، كذا نقله ميرك عن التصحيح ( أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - رفع يديه ) : حال ، أي : نظر إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - رافعا يديه ( حين دخل ) : أي أراد الدخول ( في الصلاة كبر ) : قال الطيبي : كبر بالواو وفي بعض نسخ المصابيح عطفا على يدخل ، وفي بعضها وفي صحيح مسلم وكتاب الحميدي ، وجامع الأصول بغير واو مقيدا بلفظ كذا فوقه ، وفيه وجهان أحدهما : أن يكون حالا " وقد " مقدرة وأن يراد بالدخول الشروع فيها والعزم عليها بالقلب ، فيوافق معنى العطف ، ويلزم منه المواطأة يعني عمل الجارحة واللسان والقلب ، وثانيهما : أن يكون كبر بيانا لدخوله في الصلاة ، ويراد بالدخول افتتاحها بالتكبير ، وعلى الأول يلزم اقتران النية بالتكبير ( ثم التحف بثوبه ) ، أي : تستر به يعني : أخرج يديه من الكم حين كبر للإحرام ، ولما فرغ من التكبير أدخل يديه في كميه ، قال ابن الملك : ولعل التحاف يديه بكميه لبرد شديد ، أو لبيان أن كشف اليدين في غير التكبير غير واجب .

قلت : فيه أنه عند التكبير أيضا غير واجب ، بل مستحب ، وقال ابن حجر : يحتمل أنه بعد تكبيرة الإحرام سقط ثوبه عن كتفه فأعاده ، ويحتمل أنه كان نسيه ثم تذكره بعد إحرامه فأخذه والتحف به ، قلت : الاحتمال الثاني بعيد جدا مع احتياجه إلى معالجة كثيرة ، قال ويؤخذ من الاحتمال الأول أنه يسن لمن فاتته سنة في صلاته تداركها إذا أمكنه بفعل قليل ، فإن الصلاة في الثوب أي الرداء سنة ، ومن الثاني أنه يسن لمن ترك سنة من سنن الصلاة المتقدمة عليها تداركها ، ولو في الصلاة إن أمكن بفعل قليل أيضا ، ومن ثم كان الذي يتجه فيمن دخل في الصلاة بلا سواك أنه يسن له تداركه فيها بفعل قليل اهـ .

[ ص: 658 ] وهو تفريغ غير صحيح ; لأن ستر الكتف إنما استحب خارج الصلاة ليتحقق وقوعه فيها ، وليس كذلك المسواك مع أن السواك في الصلاة غير مشروع إجماعا ، وهو عمل كثير عند البعض ، فإن من رآه يتسوك تيقن أنه في غير الصلاة ، وأيضا ينافي مقتضى ظاهر مذهبهم من أنه إذا ترك الاستفتاح أو التعوذ عن محله لا يتدارك بعده هذا ، ويدل على بطلان احتماليه قوله ( ثم وضع يده اليمنى على اليسرى ) : أي : حال كونه ملتحفا بثوبه لقوله : ( فلما أراد أن يركع أخرج يديه من الثوب ) : والظاهر أنه وضع من غير إرسال ، وهو المعتمد في المذهب وقيل : إنه يرسل ثم يضع جمعا بين الروايتين وخروجا عن خلاف المذهبين ، وعلى كل فهو حجة على من قال بكراهة الوضع ، أو بترك سنيته المؤكدة ، فما قاله ابن حجر من أن فيه التصريح بمشروعيته ، وبأنه أولى من الإرسال ، خلاف الأولى لقول البغوي : ويكره إرسالهما ، ولعدم ثبوت الإرسال في فعله - عليه السلام - ، وقوله أصلا : ولو ثبت لكان أولى أن يحمل على الضرورة ، أو لبيان الجواز ، وسيأتي محل الوضع ( ثم رفعهما وكبر فركع ) : أي : انتهى رفعه وتكبيره بانتهاء ركوعه ، كما دل عليه الروايات السابقة ، كذا ذكره ابن حجر ، لكن يتعقب عليه الفاء التعقيبية ، فالأولى حمله على بيان الجواز ( فلما قال : " سمع الله لمن حمده " رفع يديه ) : أي : لما شرع في قوله ذلك شرع في رفعهما كما علم من الروايات السابقة أيضا ، واستفيد منه أن سمع الله لمن حمده ذكر الرفع والانتقال من الركوع إلى الاعتدال ، وأنه يسن الجهر به إن احتيج إليه للإمام والمبلغ ( فلما سجد ، سجد بين كفيه ) : أي : محاذيين لرأسه ، قال ابن الملك : أي وضع كفيه بإزاء منكبيه في السجود ، وفيه أن إزاء المنكبين لا يفهم من الحديث ، ولا هو موافق للمذهب ، وأغرب ابن حجر أيضا حيث قال : وفيه التصريح بأنه يسن للمصلي وضع كفيه على الأرض حذاء منكبيه اتباعا لفعله - عليه السلام - ، كما رواه أبو داود وسنده صحيح .

قلت : على تقدير صحة سنده ، فمسلم مقدم لأنه في الصحة مسلم ، فهو أولى بالترجيح ، فيحمل رواية غيره على الجواز ، والله أعلم ( رواه مسلم ) : من طريق عبد الجبار بن وائل ، عن علقمة ، ومولى لهم أنهما أخبراه ، عن أبيه وائل بن حجر ، وهو إسناد مستقيم ، وعن ابن معين أنه قال : علقمة بن وائل ، عن أبيه مرسل ، مات أبوه وأمه حامل به ، والصحيح أن علقمة سمع من أبيه ، وأن الذي لم يسمع من أبيه هو عبد الجبار بن وائل بعد وفاة أبيه بستة أشهر ، كذا نقله الترمذي عن البخاري ، ذكره ميرك .




الخدمات العلمية