تزكية النفس وتهذيبها غايةٌ كبرى في الإسلام، حيث أقسم الله تعالى إحدى عشرة مرة في سورة الشمس، ثم قال بعدها: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن زَكَّىٰهَا * وَقَدۡ خَابَ مَن دَسَّىٰهَا} [الشمس: 9-10]؛ مما يدل على شرف هذا المقصِد تزكية النفس وتطهيرها. وإن من أعظم وسائل تزكية النفس: الإيمان بالله تعالى وأسمائه الحسنى وصفاته العلى؛ إذ بمعرفة العبد ربه يتحقق له الإيمان والتوحيد الخالص، وتنكسِر نفسه لله تعالى خشيةً ومحبةً وتعظيماً، وقد ربط النبيُّ صلى الله عليه وسلم بين تزكية النفس وبين معرفة معية الله ومراقبته، فقال لـمَّا سُئل عن تزكية النفس: (أنْ يعلمُ أنَّ اللهَ معه حيثما كان) رواه البيهقي. وذلك الإحسان الذي هو حقيقة تزكية المرء نفسه؛ وهو في الحقيقة إشارة إلى التعبُّد لله تعالى باسمه العليم، وبسائر أسمائه وصفاته، وهذا هو الطريق الأمثل لتطهير القلب وتزكية النفس، ومن أعظم ثمراته:
أولًا: تحقيق التوحيد وزيادة الإيمان من خلال معرفة الأسماء والصفات: فالإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته يُعرِّف المؤمن على ربِّه معرفةً صحيحة، فيزداد بذلك إيماناً ويقيناً. قال الله تعالى: {إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ} [فاطر: 28]، فخشية الله تعالى تكون على قدر العلم به، وكلما ازداد العبد معرفةً بأسماء الله وصفاته؛ ازداد حبًا وتعظيمًا له سبحانه وتعالى، وبالتالي يزداد امتثالًا لأوامره، وفي الحديث المتفق عليه يقول صلى الله عليه وسلم: (إن لله تسعةً وتسعين اسمًا، مائةً إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة) متفق عليه. فهذا يدل على فضل إحصاء أسماء الله تعالى بمعنى حفظها أولًا، ثم معرفة معانيها والتعبد لله بها، والتوسل إليه سبحانه بها أيضًا، ومن ثمرات ذلك أن يتذوَّق المؤمن طعم العبودية الحقة لله تعالى، ولذة الإيمان وحلاوته، فلا يعبد سوى الله تعالى ولا يتوكل إلا عليه.
ثانيًا: المراقبة والحياء وخشية الله تعالى: إنَّ معرفة العبد بأن الله تعالى بصيرٌ به، سميعٌ لكل قوله، عليمٌ بسريرته وعلانيته؛ تورث في قلبه مقام المراقبة لله تعالى، والخشية منه سبحانه، فإذا تيقَّن المؤمن بأن الله السميع يسمع همسه وكلامه، وأنه البصير يرى أفعاله وحركاته؛ استحيا أن يراه مولاه على معصية أو يسمع منه ما يغضبه، وهكذا ينشأ عن الإيمان بأسماء الله الحسنى تعظيمٌ في القلب يمنع صاحبه من التجرؤ على المحارم والآثام فتزكو نفسه وتطهُر؛ قال الله تعالى: {أَلَمۡ یَعۡلَمۡ بِأَنَّ ٱللَّهَ یَرَىٰ} [العلق: 14]. كما تغرس معرفة الصفات في القلب الأدبَ مع الله تعالى، فيستحي المؤمن من الله حق الحياء ويتأدب معه في السر والعلن. ومن آثار ذلك أيضًا حفظ الجوارح وخطرات القلب؛ فالمؤمن الذي يعلم أن الله عليم بخفايا الصدور سيحرص على تطهير نيته وتصحيح مقصده على الدوام، يقول بلال بن سعد رحمه الله: "لا تنظر إلى صِغَر المعصية، ولكن انظر إلى عظمة من عصيت". ومتى استحضر العبد عظمة الله تعالى؛ انكفَّ عن الذنوب صغارها وكبارها.
ثالثًا: المحبة والرجاء والشوق إلى الله: إن الإيمان بصفات الله عز وجل، ولا سيما صفات الرحمة والمغفرة واللطف، يورث في القلب محبة الله تعالى ورجاء رحمته؛ فكلما تأمل المؤمن سعة إحسان الله إليه، وانفراده بالنفع والضر، ازداد تعلقًا به وإنابةً إليه. قال تعالى: {وَإِن يَمۡسَسۡكَ ٱللَّهُ بِضُرّٖ فَلَا كَاشِفَ لَهُۥٓ إِلَّا هُوَۖ وَإِن يُرِدۡكَ بِخَيۡرٖ فَلَا رَآدَّ لِفَضۡلِهِۦۚ يُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦۚ وَهُوَ ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ} [يونس: 107]؛ فجمع سبحانه بين تقرير توحيده، والترغيب في رحمته. ومن آثار هذه المحبة الصادقة أن يشتاق المؤمن إلى لقاء الله تعالى ويأنس بقربه، فيفيض قلبه بحمده وشكره آناء الليل وأطراف النهار على ما أولاه من النعم، فيمتلئ قلبه شوقًا إلى الله تعالى وخضوعًا له، ويفيض حمدًا وشكرًا لمن اتصف بصفات الكمال والجلال. وقد كان من دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: (وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك) رواه النسائي. مما يدل على أن معرفة الله تولّدُ في القلب شوقًا صادقًا إلى الله عز وجل.
رابعًا: التوكل والثقة بالله تعالى: وكذلك معرفة العبد بأن الله تعالى هو الرازق والرزَّاق ذو القوة المتين الكريم المنان؛ تعزِّز عنده حُسن الظن بالله تعالى والثقة به في كل حال. وإذا ما ألمَّت به مصيبة أو ضيق؛ تذكَّر أن له ربًا اسمه الحكيم والرحيم واللطيف والرازق؛ فيطمئن قلبُه لقضاء الله وقدره، ويتوكل عليه في أموره كلها؛ لأنه أيقن أن ربه سبحانه أرحم بالعبد من نفسه وأعلم بمصلحته من غيره. ومن أعظم الثمرات في هذا الجانب عبودية التوكل والصبر، فمعرفة أسماء الله كالوكيل والكافي والحفيظ والقوي والرازق، تغرس في المؤمن اعتمادًا على الله وحده واستمدادًا للقوة منه، فيواجه صعوبات الحياة معتقدًا أن الله معه، فيثبُت ولا ينهار أمام الابتلاءات، ولهذا نجد في كتاب الله تعالى ربطًا بين التوكل ومعرفة صفات الله تعالى، كقوله تعالى: {رَبُّ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ لَاۤ إِلَـٰهَ إِلَّا هُوَ فَٱتَّخِذۡهُ وَكِیلࣰا} [المزمل: 9]، فبعد أن بيَّن أنه رب المشارق والمغارب المتصرف في الكون كله؛ أمر بالتوكل عليه سبحانه.
خامسًا: تزكية الأخلاق وإصلاح عيوب النفس: إن الإيمان بأسماء الله الحسنى وصفاته العلا؛ يحمل العبد على تطهير نفسه من الرذائل والأخلاق السيئة، لأنَّه يُبصِّره بحقيقة نفسه الضعيفة مقابل صفات ربه الكاملة، فمعرفة العبد بكمال غنى الله تعالى وقدرته تعرفه قدر نفسه ومدى فقـره وعجزه، فتنكسر في نفسه حظوظ الكبر والغرور والتعالي. وقد ذكر ابن القيم رحمه الله أن أصول الخطايا أربعة: الكِبْرُ والحَسَدُ والغَضَبُ والشَّهْوة، ثم قال: "ومنشأ هَذِه الْأَرْبَعَة من جَهله بربه وجهله بِنَفسِهِ، فَإِنَّهُ لَو عرف ربه بِصِفَات الْكَمَال ونعوت الْجلَال، وَعرف نَفسه بالنقائص والآفات؛ لم يتكبر وَلم يغْضب لَهَا، وَلم يحْسد أحدًا على مَا أَتَاهُ الله". فمعرفة العبد لربه تُورثه تواضعًا وإخباتًا، ومعرفته لنفسه توقِظه من غفلة العُجب والجهل، وبذلك يسعى المؤمن لإصلاح عيوبه وتزكية نفسه على ضوء معرفته بربه؛ قال الله تعالى: {قَدۡ أَفۡلَحَ مَن تَزَكَّىٰ * وَذَكَرَ ٱسۡمَ رَبِّهِۦ فَصَلَّىٰ} [الأعلى: 14-15]، فذكرُ اسم الله مقرونٌ هنا بالتزكية لما له من أثر مباشر عليها.
سادسًا: الدعاء بأسماء الله الحسنى والتعلّق به سبحانه: ومن أعظم ما يدل على رسوخ معاني الأسماء الحسنى في القلب؛ أن يُكثر العبد من دعاء الله تعالى بها في حاجاته، امتثالًا لقوله تعالى: {وَلِلَّهِ ٱلۡأَسْمَاۤءُ ٱلْحُسْنَىٰ فَٱدْعُوهُ بِهَا} [الأعراف: 180]. فمن عرف أن الله هو السميع؛ اجتهد في دعائه لأنه واثق بأن الله يسمعه، ومن أيقن بأن ربه هو الكريم؛ فإنه يطمع في فضله وعطائه، وهكذا يصبح الدعاء مظهرًا من مظاهر التوحيد والإيمان بالأسماء والصفات. وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو ربه بأسمائه فيقول: (ما أصاب أحدًا قط همٌّ ولا حزنٌ فقال: اللهمَّ إني عبدُك، وابنُ عبدِك، وابنُ أَمَتِك، ناصيتي بيدِك، ماضٍ فيَّ حكمُك، عدلٌ فيَّ قضاؤُك، أسألُك بكلِّ اسمٍ هو لك سميتَ به نفسَك، أو علَّمتَه أحدًا من خلقِك، أو أنزلتَه في كتابِك، أو استأثرتَ به في علمِ الغيبِ عندَك، أن تجعلَ القرآنَ ربيعَ قلبي، ونورَ صدري، وجلاءَ حزني، وذَهابَ همِّي؛ إلا أذهبَ اللهُ همَّهُ وحزنَه، وأبدلَه مكانَه فرجًا. قال: فقيل: يا رسولَ اللهِ ألا نتعلَّمُها؟ فقال بلى، ينبغي لمن سمعَها أن يتعلَّمَها) رواه أحمد. وهو نموذج على كيفية التعبّد بأسماء الله تعالى في واقع الحياة، وبهذا الدعاء والتعلُّق تُشفى النفوس من القلق والحيرة والتعلق بالخلق، إذ تجد ملجأها في ربها، فتنطرح بين يديه عالمـةً بأنه الرحيم الغفور، العزيز الحكيم، السميع البصير، فلا يعود القلب متعلِّقًا بالمخلوقين، أو بالأسباب المادية تعلقًا ينافي التوحيد، بل يُرجع الأمر كله لله سبحانه، وبذلك تتحقق تزكية النفس وارتقاؤها، فتهدأ النفس، وفيسكن القلب، ويصحّ منه التعلّق بالله تعالى، وتسمو الروح بمعرفة ربها والتوكّل عليه.
إن معرفة الله تعالى بأسمائه وصفاته هي أساس السير إليه، ومنطلق كل تزكية وفضيلة في النفس الإنسانية؛ بها يستقيم الإيمان، وتتهذب القلوب، وتسمو الأرواح، ولا عجب أن عَدَّ العلماء العلم بأسماء الله الحسنى أساس كل العلوم النافعة، إذ إنَّ كل علم نافع في الدين والدنيا مردُّه إلى تحقيق معرفة الله وما أودع في خلقه من السنن والآيات، فمن عرف الله حق المعرفة؛ عبده وأحبه وخافه حقًا؛ فارتقى بذلك في مدارج الكمال والتقوى. وقد قال الإمام ابن القيم: "والأسماء الحسنى والصِّفاتُ العُلى مقتضيةٌ لآثارها من العبوديَّة والأمر اقتضاءَها لآثارها من الخلق والتكوين، فلكلِّ صفةٍ عبوديَّةٌ خاصَّةٌ هي من مُوجَباتها ومقتضياتها، أعني: مِنْ مُوجَبات العلم بها والتَّحقُّق بمعرفتها". أي أن فهم أسماء الله يستلزم آثارًا عملية في قلب المؤمن وجوارحه، وبقدر ما يحقق العبد في نفسه مقتضيات أسماء الله وصفاته بقدر ما تسمو روحه، ويتطهر قلبه، وتزكو نفسه.
نسأل الله تعالى أن يرزقنا معرفته وخشيته ورحمته، وأن تزكو نفوسنا بمعرفة أسمائه وصفاته، إنه خير من زكاها، فهو وليُّها ومولاها.