من أغرب مفارقات العصر الحديث أن الإنسان نجح في ترويض الآلة، وفشل في ترويض القلق، فقد اختصر المسافات، وسخّر التكنولوجيا، وفتح أبواب الرفاهية على مصاريعها، لكنه في الوقت نفسه ازداد شعوراً بالتعب الداخلي، وكأن ما كسبه من وسائل الراحة، فقده من راحة النفس، ولهذا لم تعد الشكوى من الإرهاق النفسي، والتوتر، والضيق، والقلق حالات استثنائية، بل أصبحت جزءً من الحديث اليومي، الذي يتكرر على ألسنة الناس في البيوت، وأماكن العمل، والطرقات.
وقد تنبه لهذا الأمر من وقت مبكر الكاتب الكبير: أحمد أمين في كتابه: (فيض الخاطر) حيث كتب يقول: "ونجد في لغتنا الحديثة كثرة استعمال: تهدمت أعصابه، وتحطمت أعصابه، وتوترت أعصابه، ونحو ذلك ممالا نجد في كتبنا القديمة، كما أننا نجد اللغة العامية أكثرت من استعمال النرفزة، أخذاً من الكلمة الإفرنجية التي تعني عصبي المزاج، ولم يكن آباؤنا يستعملون هذه الكلمات، ولا التعبيرات؛ لأنهم لم يشعروا بتهدم الأعصاب، وإنما تهدمت أعصابنا بتكاليف المدنية، وأعباء الحياة، والسبب في هذا الشعور بتهدم الأعصاب: كثرةُ تكاليف الحياة، وزيادة أعبائها، وتعدد مطالبها، وانتقال كثير من الكماليات، إلى ضروريات، مما لم يكن له نظير عند آبائنا، وأجدادنا.
والحق أن الإنسان الأول لم يكن أقل تعرضاً للمشكلات من إنسان اليوم، لكنه كان يعيش في عالم أبسط، وحدود مطالبه أوضح، وتوقعاته من الحياة أقل اتساعاً، أما إنسان العصر الحديث فقد وجد نفسه وسط شبكة معقدة من الالتزامات، والطموحات، والمنافسات التي لا تكاد تنتهي، إنه مطالب بأن ينجح في عمله، ويتفوق في مجاله، ويؤمن مستقبله، ويربي أبناءه، ويحافظ على صورته الاجتماعية، ويلاحق كل جديد، وكأن عليه أن يحمل العالم كله فوق كتفيه.
إن المشكلة الكبرى ليست في كثرة المطالب وحدها، بل في التحول الذي أصاب مفهوم الحاجة عند الإنسان، فكثير من الكماليات تحولت إلى ضروريات، وكثير من الرغبات ارتدت ثوب الحقوق المكتسبة.
وما كان يعد ترفاً بالأمس، أصبح اليوم شرطاً من شروط الحياة المقبولة، وهكذا اتسعت دائرة التوقعات حتى أصبحت أوسع من الإمكانات، فكان الصراع الدائم بين ما يريده الإنسان، وما يستطيع تحقيقه.
ومن هنا تبدأ رحلة الإرهاق الخفي؛ فليس التعب دائماً نتيجة جهد جسدي، بل قد يكون ثمرة أفكار لا تهدأ، ومقارنات لا تنتهي، وطموحات تتجاوز حدود الواقع، بعض الناس يعيشون حياتهم كلها في مطاردة صورة متخيلة للكمال؛ يريد الواحد منهم النجاح الكامل، والمكانة الكاملة، والرضا الكامل، فإذا عجز عن بلوغ هذه الصورة المستحيلة ظن نفسه فاشلاً، مع أن الحياة نفسها لا تعرف الكمال.
ولعل كثيراً من آلام الإنسان تنبع من سوء تقدير ذاته، قبل أن تنبع من سوء الظروف المحيطة به، فحين يجهل المرء قدراته الحقيقية، أو يتوهم أنه يستحق ما لا تسمح به مواهبه، وظروفه، يدخل في صراع دائم مع الواقع، إنه يريد من الحياة أكثر مما تعطي، ويريد من الناس أكثر مما يملكون، ويريد من نفسه أكثر مما تقدر عليه.
وحين يغيب عن الإنسان أن المكاسب في الدنيا إنما هي أرزاق من الخالق جل وعلا، وأن ما كتب الله تعالى له لن يفوته، ويغيب عن الهدي النبوي كما جاء في الحديث الشريف (إن روح القدس نفث في روعي أن نفسًا لن تموت حتى تستكمل أجلها، وتستوعب رزقها ، فاتقوا الله، وأجمِلوا في الطلب)أخرجه الطبراني، عندما تغيب هذه المعاني، التي تداوي جموح النفس، يصطدم الإنسان بالجدار الصلب للحقائق، ويبدأ الشعور بالإحباط، والتذمر، والضيق.
الخوف من المستقبل أكثر القوى استنزافاً للطاقة الإنسانية، إذ يجعل الإنسان يعيش المصيبة مرتين؛ مرة في خياله قبل وقوعها، ومرة عند وقوعها إن وقعت، يخاف الفقر قبل أن يفتقر، ويخاف المرض قبل أن يمرض، ويخاف الفشل قبل أن يجرب، ويخاف المستقبل قبل أن يأتي، وهكذا تتحول الحياة بكثير من الناس إلى سلسلة طويلة من المعارك الوهمية التي تستنزف الروح، وتبدد السكينة.
والعجيب أن كثيراً من هذه المخاوف لا تقوم على أساس حقيقي، بل تنمو في الظنون، والتوقعات، فكم من إنسان أرهق نفسه بقلق لم يقع، وأحزن قلبه بأحداث لم تأت، وعاش سنوات من التوتر بسبب احتمالات لم تتجاوز حدود الخيال؛ ولذلك قيل إن أكثر ما يعذب الإنسان ليس الواقع، بل تصوراته عن الواقع.
ومن علامات هذا الإرهاق النفسي أن يفقد الإنسان قدرته على رؤية الجانب المشرق من الحياة، فإذا اجتمعت له أسباب الفرح: وجد الصحة، والعافية، والولد، والسكن انصرف عن كل ذلك واستسلم للحزن لشيء فاته، أو مصيبة يتوقعها، وإذا نال نجاحات متعددة تعلقت نفسه بإخفاق واحد، وكأن عينيه أصبحتا مدربتين على التقاط العيوب، وإهمال المزايا، وهنا يتحول العالم في نظره إلى مساحة من السواد، رغم أن النور ما زال يملأ كثيراً من جوانبه.
ولا تقف آثار هذا الإرهاق عند حدود الفرد، بل تمتد إلى الأسرة، والمجتمع، فالإنسان القلق، ينقل قلقه إلى من حوله، والمتوتر يشيع التوتر في بيئته، والغاضب يزرع الغضب في علاقاته؛ ولذلك فإن سلامة النفس ليست قضية شخصية فحسب، بل هي قضية اجتماعية أيضاً؛ لأن الفرد المضطرب يضعف عطاؤه، ويختل توازنه، وتتأثر أسرته، وعمله، ومجتمعه بنتائج ذلك.
ومع كل هذه الأسباب التي تدعو إلى القلق، فإن أبواب العلاج ليست مغلقة، ولعل أول طريق إلى الطمأنينة أن يدرك الإنسان أن ربه الكريم أرحم به من أمه، وأنه سبحانه وتعالى معه يكلأه، ويحفظه، ويستره، ومما تستقر به نفس المرء أن يعلم أنما يصيبه من كدر الدنيا، سيكون كفارة لذنوبه، وتطهيراً لنفسه، وتصحيحا لمساره، ألم يقل الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم:(ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزنٍ، ولا أذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوكةِ يُشاكُها، إلَّا كَفَّرَ اللهُ بها مِن خَطاياه)رواه البخاري.
ثم يأتي بعد ذلك اكتمال الإيمان بالتحرر من عبودية الخوف، لا بغياب المخاوف، وإنما القدرة على عدم الاستسلام لها، وكلما واجه الإنسان الحياة بروح أكثر ثقة وأقل هلعاً، ازدادت قدرته على احتمال تقلباتها، ومفاجآتها.
ويتواصل العلاج بالخروج من السجن الضيق للذات، فكم من إنسان تضخمت همومه؛ لأنه جعل نفسه محور الكون، لا يفكر إلا في مشكلاته، ومطالبه، ومخاوفه، فإذا انصرف إلى خدمة الناس، أو شارك في عمل نافع، أو حمل هماً عاماً أكبر من همه الخاص، وجد أن كثيراً من أوجاعه بدأت تتضاءل تلقائياً، فالروح الإنسانية تشبه الماء الراكد؛ إذا بقي حبيساً فسد، وإذا جرى في مجراه الطبيعي تجددت حياته.
أكثر الناس سكينة أولئك الذين وجدوا معنى يتجاوز ذواتهم؛ في الطاعات، والعبادات، والمنافع العامة: كنشر العلم، أو خدمة الخلق، هذه المعاني تمنح الإنسان قدرة عجيبة على تحمل المتاعب، وتحول المشقة إلى تضحية، والجهد إلى قيمة، والألم إلى تجربة ذات مغزى.
مشكلة عصرنا لا تكمن في كثرة الأعمال وحدها، بل في قلة السكينة، وليست في ضيق الموارد فقط، بل في اتساع الشهوات، وليست في تعقد الحياة فحسب، بل في فقدان البوصلة التي تعيد للإنسان توازنه، ومن هنا فإن السعادة الحقيقية لا تبدأ من الخارج، بل من الداخل: من قلب يؤمن بالله، ويعلم صاحبه أنه قد كُتب رزقه، وأجله، وهو جنين في بطن أمه، ومن عقل يفهم الحياة على حقيقتها، وروح تتحرر من الخوف، ونفس تجد في العطاء معنى لوجودها، وعندئذ تصبح الحياة، مهما ازدحمت بالمتاعب، أخف على القلب، وأيسر على الروح.
المقالات
الأكثر مشاهدة اليوم

