إن التاريخ بالنسبة لأي أمة من الأمم ليس مجرد أرقام تُسجل على الورق، ولا وسيلة عابرة لحساب الأيام والسنين، بل هو «الوعاء الحضاري» الذي يحفظ ذاكرتها، ويحدد انتماءها، ويصون هويتها ويربط حاضرها بماضيها؛ ولذلك كانت الأمم تعتني بتواريخها، وتجعلها مرتبطة بأحداث كبرى تركت أثرًا في مسيرتها.
وإذا كانت التقاويم لدى الشعوب ترتبط عادةً بظواهر كوكبية، أو أمجاد قومية، أو ولادة شخصيات معظمة، فإن الأمة الإسلامية تفردت بتقويم فريد في نشأته، رباني في أساسه، نبوي في منطلقه، شُوريّ في اختيار بداية انطلاقه؛ ألا وهو (التاريخ الهجري).
يمثل التقويم الهجري حجر الأساس في المعالم الحضارية والتعبدية للأمة؛ إذ ارتبطت به الشعائر، وتوثقت به العلوم والسير والمكاتبات، فأرخت به الأمة أمجادها، وحضارتها الفكرية ،والعلمية، والسياسية على مدار أكثر من أربعة عشر قرناً.
ولم يكن اختياره في عهد الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه لمجرد التوثيق الإداري، بل كان استحضاراً لحدث مفصلي نقل الدعوة الإسلامية من مرحلة الاستضعاف إلى التمكين وإقامة أركان الدولة.
ومن هنا فإن العناية بالتاريخ الهجري ليست عناية بالماضي لمجرد الماضي، وإنما هي عناية بالهوية والذاكرة والعبادات، والارتباط برسالة الإسلام.
يقول ابن خلدون في "المقدمة": "فالتاريخ في ظاهره لا يزيد على إخبار عن الأيام والدول، والسوابق من القرون الأُوَل، وفي باطنه نظر وتحقيق، وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق، فهو لذلك أصيل في الحكمة عريق، وجدير بأن يُعَدَّ في علومها وخليق".
وقال ابن الأثير في "الكامل": "فإنه ليس شيء من أنواع التعاليم أنفع من علم التاريخ، فإن فيه العِبَر، وفيه معرفة أحوال الماضين من الأمم والأنبياء والملوك، وفيه فوائد تصلح بها المعاش والمعاد".
أصل التقويم الهجري وأساسه الشرعي
يقوم التقويم الهجري على نظام زمني كوني وشرعي يعتمد الشهور الهلالية (القمرية)، وهي الشهور التي حددها الله عز وجل منذ خلق السموات والأرض، فجعل عدد الشهور اثني عشر شهرًا، وربط عددًا كبيرًا من العبادات والأحكام بهذا التقويم، قال تعالى: {إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِندَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنفُسَكُمْ} [التوبة: 36].
فالزمن عند الله محسوب بدقة، ومنه نستفيد في تنظيم حياتنا الدينية والدنيوية، وقد حدد الله تعالى الأشهر الحرم التي تحظى بمكانة خاصة، قال سبحانه: {مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (التوبة:36).
والأشهر الحُرُم هي: المحرَّم، وذو القعدة، وذو الحجة، ورجب، وهي شهور مباركة تشجع المسلمين على التقوى، والابتعاد عن الظلم والعدوان، وهي جزء من تنظيم الله للمجتمع.
وقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} [البقرة: 189].
فالآية صريحة في أن الأهلة جعلها الله مواقيت للناس، ويدخل في ذلك معرفة الشهور والمواسم والمواعيد.
وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ} [يونس: 5]. فالقمر ومنازله مرتبطان بمعرفة الحساب وعدد السنين.
وقد أوضح النبي صلى الله عليه وسلم هذا المعنى للتقويم القمري، عن ابن عمر رضي الله عنهما، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (إنا أمة أمية، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا وهكذا)[متفق عليه]. يعني مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. .
فالتقويم الهجري ليس نظامًا مستحدثًا منفصلًا عن الشريعة، بل يقوم على أصل شرعي هو: اعتبار الأهلة والشهور القمرية في ضبط عدد من المواقيت والأحكام.
بداية استعمال التاريخ الهجري
من المهم التفريق بين أمرين: أصل اعتماد الشهور القمرية، وهو سابق على وضع نظام ترقيم السنوات، وبين اعتماد الهجرة مبدأً للتاريخ الإسلامي؛ فالعرب كانوا يعرفون الشهور القمرية قبل الإسلام، وكانت أسماء الشهور معروفة، ومنها المحرم وصفر وربيع الأول وغيرها.
لكن لم يكن للمسلمين في صدر الإسلام تقويم خاص يؤرخون به كتبهم ورسائلهم بالسنوات المرقومة، بل كانوا يكتفون بتسمية الأعوام بأحداثها البارزة؛ فكانوا يقولون: "عام الفيل"، و"عام الفجار"، و"عام الوفود"، و"عام الرمادة".
ومع اتساع رقعة الدولة الإسلامية في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وتعدد المعاملات والمكاتبات، ظهرت الحاجة إلى ضبط التواريخ.
روى الإمام الحاكم وغيره أن أبا موسى الأشعري رضي الله عنه كتب إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب يقول: "إنه تأتينا منك كتب ليس لها تاريخ، ولا ندري على أيها نعمل، وقد قرأنا كتاباً منك محله شعبان، فما ندري أهو شعبان الماضي أم شعبان الحالي؟".
فجمع عمر الصحابة رضي الله عنهم للتشاور في وضع تاريخ للأمة، واختلفت الاقتراحات في اختيار المناسبات التي يؤرخ بها، ثم استقر رأي الصحابة على جعل الهجرة النبوية مبدأ للتاريخ الإسلامي.
قال الحافظ ابن حجر في "فتح الباري": "أخرج أبو نعيم الفضل بن دكين في تاريخه، ومن طريقه الحاكم من طريق الشعبي أن أبا موسى كتب إلى عمر "إنه يأتينا منك كتب ليس لها تاريخ" فجمع عمر الناس فقال بعضهم: أرِّخ بالمبعث، وبعضهم: أرِّخ بالهجرة، فقال عمر: الهجرة فرقت بين الحق والباطل؛ فأرخوا بها، وذلك سنة سبع عشرة. فلما اتفقوا، قال بعضهم: ابدءوا برمضان، فقال عمر: بل بالمحرم؛ فإنه منصرف الناس من حجهم فاتفقوا عليه" اهـ.
وهذا يدل على فقه الصحابة؛ فقد بحثوا عن حدث عظيم له دلالة واضحة في تاريخ الأمة، فوجدوا في الهجرة النبوية المعنى الجامع بين العقيدة والتاريخ والتحول الحضاري.
لماذا اختيرت الهجرة أساسًا للتاريخ؟
ليست الهجرة مجرد رحلة من مكة إلى المدينة، لقد كانت الهجرة انتقالًا بالعقيدة من مرحلة الاستضعاف إلى مرحلة التمكين، وانتقالًا بالمجتمع المسلم إلى مرحلة جديدة من البناء والتشريع؛ ولهذا كان اختيارها مبدأً للتاريخ يحمل رسالة للأجيال: أن الإسلام دين حركة، وعمل، وبناء، وأن الإيمان ليس فكرة مجردة، إنما هو عقيدة تنتج مجتمعًا ورسالة وحضارة.
ومن هنا كان التاريخ الهجري أكثر من مجرد عدّ للسنين؛ إنه تذكير مستمر بأصل من أصول التحول في تاريخ المسلمين.
ارتباط الأحكام الشرعية والعبادات بالتقويم الهجري
يتجلى الارتباط الشرعي بالتاريخ الهجري في كون غالب الشعائر، والفرائض، والآجال مبنية بناءً كلياً على الحركة القمرية:
فركن الصيام مرتبط بشهر رمضان.
وركن الحج مرتبط بأشهر الحج.
وصيام يوم عرفة مرتبط بالتاسع من ذي الحجة.
وصيام عاشوراء مرتبط باليوم العاشر من المحرم.
وزكاة الأموال التي تعتبر حولًا قمريًا ترتبط بالحول الهجري في كثير من صورها.
وعدة المتوفى عنها زوجها: حددها القرآن بأربعة أشهر وعشرة أيام قمرية: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا} [البقرة: 234].
ومدة الرضاع: عامان قمريان كاملان: {وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ} [البقرة: 233].
وبلوغ سن التكليف الشرعي: يُحسب تمام سن الخامسة عشرة بالسنوات الهجرية لا الشمسية.
والإيلاء، والكفارات، والنذور، والآجال، وغيرها من الأحكام ترتبط بحساب الشهور.
وهنا يتضح أن التاريخ الهجري ليس شيئًا منفصلًا عن حياة المسلم التعبدية، بل يدخل في ضبط عدد من أهم شعائر الإسلام.
رمضان شاهد على مركزية التاريخ الهجري:
يكفي أن نتأمل شهر رمضان لنعرف أهمية التقويم الهجري، فالمسلم لا يستطيع تحديد بداية رمضان ونهايته بمجرد معرفة التاريخ الميلادي، بل يحتاج إلى معرفة دخول الشهر القمري وخروجه. عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم فأكملوا العدد)[متفق عليه]؛ ولهذا ترتبط بداية رمضان برؤية الهلال.
والحج كذلك مرتبط بالتاريخ الهجري ارتباطًا لا يمكن فصله؛ فموسم الحج يقع في ذي الحجة، وعرفة في التاسع منه، وعيد الأضحى في العاشر، وأيام التشريق بعده. قال الله تعالى: {الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ} [البقرة: 197]؛ وهكذا يحدد المسلمون عبادتهم الكبرى وفق نظام زمني قمري، وهذا من أعظم مظاهر ارتباط التقويم الهجري بالهوية التعبدية للأمة.
الواجب الشرعي والحضاري في نصرة التاريخ الهجري
إن العناية بالتقويم الهجري حماية للهوية، ومحافظة على شعائر الدين، ولتحقيق ذلك يجب العمل وفق محاور رئيسة:
التربية الأسرية والتوعية: من خلال تعليم الأجيال الناشئة أسماء الشهور الهجرية وترتيبها (المحرم، صفر، ربيع الأول... إلخ)، واستخدام التاريخ الهجري في المعاملات والحديث اليومي، وتجاوز حالة الاقتصار على شهر رمضان فحسب.
المؤسسات التعليمية والإعلامية: إدراج التاريخ الهجري أساساً في الوثائق، والمكاتبات الرسمية، والمناهج الدراسية، مع إبراز المناسبات والأحداث التاريخية المرتبطة بكل شهر عبر المنصات الثقافية والتوعوية.
المعاملات المالية: الاعتماد على الشهور الهجرية في تأجيل الديون، وكتابة العقود، وتحديد المواعيد، وحساب حول الزكاة في المؤسسات والشركات.
التكامل العملي: في حال فرضت المعاملات المعاصرة التعامل بالتقويم الميلادي، فالواجب ألا يغيب التقويم الهجري، بل يتم الجمع بينهما مع تقديم التاريخ الهجري إبرازاً واعتزازاً بالهوية.
إن حماية التقويم الهجري وإحياءه في واقعنا المعاصر ليس رفاهية فكرية، بل هو جزء من الجهاد الحضاري والمحافظة على الهوية والوجود.
التاريخ الهجري والذاكرة الحضارية
عندما يقرأ المسلم أن حدثًا وقع في سنة معينة من الهجرة، فإنه يدخل مباشرة في سياق تاريخ أمته، فالهجرة، وبدر، وفتح مكة، وحجة الوداع، ووفاة النبي صلى الله عليه وسلم، والفتوحات، وظهور المدارس العلمية، ووفاة كبار العلماء، كلها أحداث حفظها المسلمون ضمن سياق زمني هجري؛ ومن هنا أصبح التاريخ الهجري جسرًا بين المسلم المعاصر وتراثه، فهو لا يُذَكِّره فقط بما حدث، بل يذكره بأنه جزء من أمة لها تاريخ طويل، وتجربة حضارية واسعة.
رسالة التاريخ الهجري للأمة
حين اختار الصحابة الهجرة أساسًا للتاريخ، لم يختاروا ولادة النبي صلى الله عليه وسلم، ولا بعثته، ولا وفاته، مع عظم هذه الأحداث، وإنما اختاروا حدثًا يمثل انتقالًا عمليًا بالدعوة والمجتمع، وهذا يحمل رسالة بالغة: أن الأمم لا تبنى بالأماني، وإنما بالتضحية والعمل والتحول والإرادة.
والهجرة نفسها تُعلِّم المسلم أن التغيير يحتاج إلى إيمان وتخطيط وصبر وأخذ بالأسباب؛ ولهذا فإن كل عام هجري جديد يمكن أن يكون مناسبة للتأمل في معنى الهجرة، لا لمجرد تبادل التهاني والأرقام.
قال ابن مسكويه في "تجارب الأمم": "إن التاريخ ليس الغرض منه حفظ الأخبار فحسب، بل الاعتبار بما جرى، والاهتداء إلى طرق الصواب في سياسة المعاش والمعاد".
إن القضية الحقيقية هي: ألا يتحول التقويم الهجري إلى شيء غريب عن حياة المسلم؛ فإن الأمة التي تنسى تاريخها تضعف صلتها بجذورها، أما الأمة التي تعرف تاريخها وتستفيد منه وتربط حاضرها بماضيها فهي أقدر على بناء مستقبلها.
والتاريخ الهجري يختصر في داخله قصة أمة: هجرةً، وتضحيةً، وبناءً، وتشريعا، وحضارةً، وعلما.
قال ابن كثير في "البداية والنهاية": "فإن تاريخ الأمم الماضية والقرون الخالية فيه عبرة لأولي الألباب، واعتبار لمن له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، وقد قص الله علينا في كتابه العزيز أحسن القصص، وكرر فيها العِبر والمواعظ…".
إن التاريخ الهجري جزء أصيل من منظومة التشريع والبناء الحضاري للأمة الإسلامية. لقد بدأ برؤية ربانية في الاعتماد على الأهلّة، واكتمل بشرعة راشدة اتخذت من الهجرة النبوية مبدأً ومُنطلقاً.
إن المحافظة عليه تعني المحافظة على الذاكرة التعبدية والحضارية؛ فكلما استشعر المسلم هذا التاريخ، استقلّ بشخصيته الإسلامية، وارتبط برسالته، وغرس في أجياله الاعتزاز بالماضي لبناء مستقبل مشرق يستمد ضياءه من هدي النبوة.
وإذا أحسن المسلمون تقديم هذا المعنى للأجيال الجديدة، فلن يكون التاريخ الهجري مجرد رقم يكتب، بل سيصبح نافذة يطل منها الجيل على تاريخ أمته، ووسيلة يربط بها عباداته بأوقاتها، وجسرًا يصل بين ماضي الإسلام وحاضره ومستقبله.
المقالات

