الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

يعايرونني أني تخصصت في الرياضيات ولست ماهرًا فيها، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

قد ترون أن مشكلتي تافهة، وأنا أراها كذلك، ولكن هذا الشيء التافه جعلني أتجنب الاختلاط بأكثر الناس، وإذا اضطررت للجلوس معهم تجنبت الكلام، وإذا اضطررت للكلام تجنبت أي حديث قد يوصلني إلى نقطة ضعفي، وهي تخصصي في الجامعة، وهو الرياضيات.

مضى على تخرجي في الجامعة سنوات كثيرة، نسيت خلالها أغلب المعلومات، ولم أمارس مهنة مرتبطة بتخصصي، وأصبح كثير ممن حولي يحاولون إثبات أنني جاهل رغم دراستي، وأنني لم أستفد شيئًا، وأنني غبي، فيتعمدون سؤالي لأي سبب فقط لإحراجي وكسر نفسي، والمشكلة أن أسئلتهم تافهة جدًّا، وسهلة الإجابة، ولكن بالنسبة لي لا بد أن آخذ وقتًا، وأن يكون بيدي قلم وورقة، هكذا تعودت، فلم أحتج خلال سنوات دراستي الطويلة، في هذه المادة بالذات إلى الإجابة الشفهية، بل كانت إجاباتنا كلها تحريرية.

وحقيقة وضعي أنني لست غبيًا، فمنذ المرحلة الابتدائية إلى أن تخرجت في الجامعة لم أتعثر سنة واحدة، ومرت علي ظروف صعبة جدًّا تجاوزتها وحدي، وبدون مدرسين خصوصيين، وتخرجت بتقدير جيد جدًّا، لكنني لست سريع البديهة، ولا أستطيع التفكير بعقلي فقط، بل يعتمد تفكيري على الكتابة وتحريك القلم، وهذه النقطة انتشرت بين من أعرفهم، حتى أصبحوا يعايرونني بها، ومن ضمنهم والدي وإخوتي، أمَّا والدتي، فحين تعايرني تقصد أن تنتشلني من هذه الحالة، لكنها أساءت الطريقة، فماذا أفعل؟

ومن هؤلاء من صرحوا منذ بداية دراستي أنهم لا يريدونني أن أتقدم في حياتي خطوة واحدة إلى الأمام، وكان نجاحي يسوؤهم جدًّا، والآن وجدوا ما يشفون به غليلهم، وهو إحراجي بهذه الطريقة.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم 
الأخ الفاضل/ B حفظه الله. 
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد: 

مرحبًا بك في موقعك استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا، سائلين الله عز وجل أن يكتب لك الشفاء العاجل، وأن يوفقك لكل خير وفلاح.

أولًا: تحليل الحالة النفسية:
يظهر أنك مصاب بنوع من القلق الاجتماعي البسيط، وبعد ذلك تكونت وتشكلت لديك منظومة وسواسية، هذا الأمر الذي ذكرته، وهو أنك مقتدر من الناحية المعرفية، ولكنك تأخذ وقتًا في التعبير عمَّا بداخلك، ولا بد أن تكون بيدك ورقة وقلم حتى تعبر عن نفسك، هذا نسميه بـ (الطقوس الوسواسية)، أي أنك اتخذت أو تعودت على هذا النمط، وأصبحت منكبًا على هذه الوسيلة كوسيلة تعبيرية، والوساوس هي نوع من القلق النفسي، وقد تكون أفكارًا أو أفعالًا، وهذه وساوس أفعال طقوسية، والوساوس دائمًا تُعالج بتحقيرها، وتجاهلها، واستبدالها بما هو مضاد.

ثانيًا: التمارين السلوكية والحوار الافتراضي
أنا أنصحك بأن تعود نفسك على الوسائل التعبيرية الأخرى، وهذا يتطلب منك أن تبدأ لوحدك، تصور أنك في وضع حواري مع شخصٍ آخر، وضع سؤالًا افتراضيًا على نفسك، وكأن إنسانًا آخر سألك هذا السؤال، وتصور أن هذا الإنسان الآخر يجلس أمامك، وعليك أن تقوم بإجابته، هذا نوع من الحوار الافتراضي إذا قمت بتطبيقه وتكراره سوف يفيدك كثيرًا.

وأنا في بعض الحالات أنصح بعض الإخوة بأن يجروا هذا الحوار الافتراضي، ويقوموا بتسجيل محتواه، ثم بعد ذلك يستمعوا إلى ما قاموا بتسجيله، وهذا يعتبر مفيدًا جدًّا، ويعطي ثقة كبيرة وفاعلة جدًّا.

ثالثًا: تطوير المهارات الاجتماعية:
تطوير المهارات الاجتماعية أيضًا يأتي من خلال الاشتراك في النشاطات الاجتماعية أيًّا كانت هذه النشاطات الاجتماعية، مثل ممارسة الرياضة مع مجموعة، والانخراط في العمل الخيري، وحضور حلقات التلاوة؛ فهذا يعطي الإنسان القدرة على تقليص الرهبة الاجتماعية، ويطور المهارات التواصلية بصورةٍ جيدة جدًّا.

فأرجو أن تلجأ لهذه الوسائل، وأن تحقر الفكرة الوسواسية التي تعاني منها، قل لنفسك: "لماذا أنا أحصر تفكيري بهذه الطريقة؟ ولماذا أضطر إلى الكتابة وتحريك القلم؟ هذا رابط وسواسي سخيف لن أهتم به أبدًا ولن أطبقه، وسوف ألجأ إلى الوسائل المعتادة والمعروفة والمتداولة بين الناس".

هذا يتطلب منك التغيير الفكري المعرفي الداخلي، ويتطلب التركيز، وبالطبع حين تبدأ في تطبيق هذه التمارين السلوكية التي ذكرناها سوف تحس بقلق شديد، ولكن يجب أن تقاوم هذا القلق وتدفعه وتستمر في المواجهات، وبعد ذلك سوف تجد أنك فعلاً قد تغلبت على هذا الوسواس، وأن القلق والتوتر قد انقضى وانتهى تمامًا.

حسّن من دافعيتك الداخلية، ولا تهتم كثيرًا لما يقال عنك، ويجب أن تخرج نفسك من هذا النطاق الضيق الذي افترضته على ذاتك، وذلك من خلال وجود المخاوف، أريدك أن تبحث عن عمل، وأريدك أن تتواصل اجتماعيًا كما ذكرت لك، وهذا من أفضل الوسائل التأهيلية التي سوف يفيدك.

رابعًا: الخطة العلاجية الدوائية:
وحتى نساعدك لتطبيق هذه الوسائل التأهيلية، أعتقد أنه سيكون من الضروري بالنسبة لك أن تتناول أحد الأدوية المضادة للقلق، والمخاوف، والوساوس، والاكتئاب، وبفضل الله تعالى هذه الأدوية موجودة، ومتوفرة، ومفيدة جدًّا.

الدواء الذي أفضله في مثل حالتك هو العقار الذي يعرف علميًا باسم الـ "فلوكستين - Fluoxetine"، ويسمى تجاريًا باسم الـ "بروزاك - Prozac"، فهو دواء سليم، وبسيط، وغير إدماني، ولا يتطلب الحصول عليه وصفة طبية، وهذا الدواء مشهود له بالفعالية والفائدة، واستعمله ملايين الناس حول العالم، فقط يتطلب منك الالتزام القاطع بتناول الجرعة كما أصفها لك، وهي على النحو التالي:

كبسولة واحدة يوميًا، وقوة الكبسولة هي (20 ملغ)، ويفضل تناول الدواء بعد الأكل، استمر على هذه الجرعة لمدة شهر، وبعد ذلك ارفع الجرعة إلى كبسولتين في اليوم -أي (40 ملغ)- وهذه جرعة وسطية؛ حيث إن الجرعة القصوى هي ثلاث كبسولات في اليوم، ولكنك لست في حاجة لمثل هذه الجرعة.

استمر على جرعة (40 ملغ) لمدة ستة أشهر، وبعد ذلك خفضها إلى كبسولة واحدة لمدة ستة أشهر أخرى، وهذه هي الجرعة الوقائية، وبعد ذلك يمكنك أن تتوقف عن تناول الدواء.

أرجو أن تتبع الإرشادات السابقة، وتتناول الدواء بالطريقة التي وصفناها لك، وأنا على ثقة تامة بإذن الله تعالى أن حياتك سوف تتغير تمامًا، وسوف تسير صحتك النفسية نحو الإيجابية، وتتحسن فعاليتك إن شاء الله، وسوف تكون في وضع إيجابي يعود بالخير عليك وعلى من حولك.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً