الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زميلتي تحدد خياراتها بحسب ما تجده من آيات القرآن، فهل فعلها صحيح؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

دكتوري الفاضل، لدي مشكلة مع إحدى الصديقات؛ وهي أنها اعتادت استخدام طريقة "الاستخارة بالقرآن" لتستخير الله، وتعرف ما يخبئه لها المستقبل، وهل ستنجح في بعض الأمور أم لا، دأبت على ذلك منذ فترة طويلة إذا استصعب عليها أمر؛ حيث تنوي ما تريد في قلبها وتفتح القرآن وتنظر في الآية وما تقوله، وقد تعودت على ذلك إلى أن وصلت إلى حد الإدمان والوسوسة، فأصبحت تفعل هذا دائماً.

في المرة الأخيرة، نوت أنها تريد معرفة ما إذا كان والداها سيعيشان ويريان أبناءها أم لا، فكانت الآية التي ظهرت لها تشير إلى أنهما لن يعيشا ويريا أحفادهما، ومنذ ذلك الحين، وهي في حالة نفسية متدهورة جداً، وتحولت إلى شخص آخر تماماً عن الإنسانة التي أعرفها؛ فقد كانت إنسانة دائمة الابتسام ومتفائلة جداً، وكنت أغبطها على نعمة التفاؤل التي تمتلكها، والآن هي في حالة حزن شديدة، خائفة من المستقبل وتفكر في والديها كثيراً.

قلت شهيتها للطعام -ونحن في شهر رمضان- وفي بعض الأيام أُغشي عليها بسبب إهمالها لصحتها وأكلها، علماً أنها تدرس معي في الولايات المتحدة الأمريكية.

حاولت إقناعها بأن هذا من الشيطان، وعليها أن تستعيذ منه، وأنه ليس هناك خيرة أكيدة بالطريقة التي تتبعها، وأن هذه كلها وساوس، وكل شيء سيكون على ما يرام، ولكنها تجيبني: "أنا مقتنعة بكلامكِ، ولكن هذا كلام الله، الله يخاطبني بالقرآن، أنا مقتنعة، ولكن هناك صراع في داخلي لا أستطيع إقناعه، لقد بكيتُ كثيراً وخاطبتُ الله في أثناء صلاتي بأن أعرف هل والدي سيعيشان ويريان أحفادهما، وكانت الآية القرآنية التي ظهرت لي: لا".

الآن أنا خائفة عليها كثيراً؛ حيث لديها فرصتان لا تُعوضان: فرصة زواج من شخص مؤمن خلوق، وسوف تتمكن من الدراسة معه، وفرصة دراسية، وهي خائفة أن تُقبل على شيء ويحدث مكروه لوالديها، حاولت الكلام معها، ولكنها لم تقتنع.

ولدي عدة أسئلة:
1- هل يدخل الشيطان للإنسان عن طريق القرآن؟
2- هل يمكن الاستخارة بهذه الطريقة؟ وهل هذه الطريقة صحيحة؟
3- كيف يمكنني إقناعها وإيقاف صراعها الداخلي، بأن هذا خطأ وعليها أن تنسى؟

وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ رنيم حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد،،،

فمرحبًا بك أختنا الكريمة في استشارات إسلام ويب، ونحن نشكر لك حرصك على إنقاذ زميلتك هذه مما تعانيه، وهذا يدل على صدق أخوتك، وحرصك على الخير، نسأل الله تعالى أن يزيدك منه ويثبتك عليه.

لا شك أيتها الأخت العزيزة أن ما وقع في هذه الأخت من الحزن إنما هو بسبب الشيطان، فإن الشيطان حريص على أن يُدخل الحزن إلى قلب المسلم، فهذا دأبه، وهذه عادته كما أخبر الله عز وجل في كتابه فقال: {إنما النجوى من الشيطان ليحزن الذين آمنوا وليس بضارهم شيئًا إلا بإذن الله وعلى الله فليتوكل المؤمنون}، فمما يتمناه الشيطان أن يُدخل الحزن إلى قلب المسلم، فيُضعفه عن العمل بما ينفعه في دينه والاستعداد لآخرته، وبهذا يظفر بشيء كثير مما يتمناه ويريده من المسلم، وعلى هذه الأخت أن تتذكر هذه المعاني جيدًا، لتطرد عن نفسها هذا الوسواس الذي أوقعها فيه الشيطان، وإن كان ذلك عن طريق القرآن.

أما ما تفعله من التطير بفتح المصحف فإن هذا لا يجوز، فإن التشاؤم بما لا يشرع الله تعالى التشاؤم به حرام، بل هو من الشرك الأصغر إذا كان صاحبه يعتقد أن الله عز وجل هو الذي يضر وينفع، فالتطير كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، -وهو التشاؤم- أخبر عنه النبي عليه الصلاة والسلام بأنه شرك، وهذا يعني أنه من المحرمات الكبار، فيجب على المسلم أن يتجنبه، فلا يتشاءم بشيء لم يجعله الله عز وجل سببًا للتشاؤم، وأحرى بهذا المنع أن يكون التشاؤم بالقرآن، فهذا لا يجوز، إنما اختلف العلماء في التفاؤل بالقرآن إذا وقعت عين الإنسان على آية فيها ما يُبشره، ويدعوه إلى التفاؤل، هل يجوز له أن يفتح المصحف ليتفاءل به أو لا يجوز؟ فبين محرمٍ، وبين كارهٍ له مع الجواز، وبين مجيزٍ.

فالعلماء في هذه المسألة مذاهب، لكن هذا كله في التفاؤل بالقرآن، أما التشاؤم فإن هذا لا يجوز؛ لأن الطيرة كما قلنا شرك، ولأن الطيرة -أي التشاؤم- لها أضرار على دين الإنسان وعلى عمله وعلى إنتاجه، وعلى نظرته لهذه الحياة، من أجل ذلك منع الله عز وجل التشاؤم بما ليس سببًا للتشاؤم.

وبهذا تعرف الأخت بأنها وقعت في خطأ كبير، وأنها خالفت هدي الله وتعليم الله لعباده، فأدخلت على نفسها الضرر، وجلبت لنفسها الهم والحزن، وهي في عافية من ذلك لو علمت أن الأمر كله بيد الله، وأن الأقدار بيد الله، وأنه لا يعلم الغيب أحد إلا الله، كما قال الله سبحانه وتعالى: {قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله}، فلا يجوز لها أن تعتقد بأنها ستعرف الغيب من خلال فتح آية في المصحف.

وأنت إذا أطلعتها على هذا، وأخبرتها بأن التطير حرام، وأنه لا يجوز مطلقًا، لا سيما بما جعله الله سببًا للخير فهذه صفة المشركين، المشركون هم الذين يتشاءمون بأسباب الخير، كما حكى الله سبحانه وتعالى عن قوم موسى أنهم قالوا له: {اطيرنا بك وبمن معك}، فجعلوا أسباب الخير سببًا للشر وسببًا للتشاؤم، فلا يجوز للمسلم أن يتشبه بهم في هذا، وعلى هذه الأخت أن تطرد عن نفسها هذه الوساوس، وتعلم أن ما بنته كله على شفا جُرف هار، وأنه لا طريق لمعرفة ما في الغد، وأن هذا مما اختص الله عز وجل بعلمه، وبهذا إن شاء الله ستجد العافية والسلامة، وستعيش حياتها الطبيعية كما أراد الله سبحانه وتعالى.

نسأل الله -عز وجل- لها ولنا العافية من كل مكروه، وبالله التوفيق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً