الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعاني من الوسواس القهري منذ عشر سنوات...فما العلاج المناسب؟

السؤال

أُعاني منذ أكثر من عشر سنوات من الوسواس القهري، وقد بدأ معي في العبادات، وعلى الأخص الوضوء والصلاة، والآن تطور إلى أمورٍ أخرى لدرجة أن زوجتي أصبحت تلاحظ ذلك، منها: أشك أنني قد وقعت في ردة والعياذ بالله، ومنها عندما أقفل باب السيارة أرجع للتأكد منه، وبصراحة أشعر بضيق شديد في بعض الأحيان، ويصدر مني لفظ الطلاق كناية وأنا لم أقصد الطلاق، ولم يخطر ببالي، فأشعر بصوت داخلي يقول لي أنك أردت الطلاق، وعندما أخرج للعمل أقول لزوجتي مع السلامة، فيأتيني هذا الهاتف الذي قلته لكم.

أريد أن أوضح لكم أمراً ربما يكون له علاقة بهذا المرض، وهو أنني في الصغر تعرضت لمعاملة قاسية من قبل أخي الكبير، حيث كان يضربني ويعاملني بقسوة حتى بعد بلوغي.

أرجو إفادتي: ما هو العلاج المناسب؟ علماً أنني حاولت ممارسة العلاج السلوكي بنفسي ولكن لم أنجح! نأمل الرد.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ علي حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،،،

أؤكد لك أولاً أن حالتك تحمل كل سمات الوسواس القهري، والوسواس القهري هو نوع من القلق الخاص، والذي يتمثل في فكرة، أو فعل، أو طقوس، أو صورة عقلية وذهنية، أو ترديد وتكرار أشياء معينة تكون ليست ذات معنى، وبالطبع يسبب لصاحبه القلق، وربما نوعاً من الاكتئاب الثانوي.

اتضح الآن بما لا يدع مجالاً للشك أن التغيرات التي تحدث في كيمياء الدماغ تلعب دورًا أساسيًا في علاج الوساوس القهرية، ولذا وجد أن العلاج الدوائي ذو فعالية وفائدة كبيرة جدًّا، والحمد لله تعالى فالأدوية التي بين أيدينا الآن والتي تستعمل في علاج الوساوس القهرية معظمها أدوية سليمة وفاعلة جدًّا.

أتفق معك أن ممارسة العلاج السلوكي قد يصعب على الإنسان بنفسه، كما أن عدم تناول الدواء يجعل درجة القلق كما هي، مما يعيق من التطبيقات السلوكية، لذا أريدك أن تبدأ بالعلاج الدوائي، ومن أفضل الأدوية التي تُفيد العقار الذي يعرف تجاريًا باسم (بروزاك Prozac) ويعرف علميًا باسم (فلوكستين Fluoxetine) هذا هو العلاج الأساسي، ابدأ في تناوله بجرعة كبسولة واحدة في اليوم، يفضل تناوله بعد الأكل، وبعد أسبوعين ارفع الجرعة إلى كبسولتين في اليوم، واستمر عليها لمدة شهر، ثم ارفعها إلى ثلاث كبسولات في اليوم، بمعدل كبسولة في الصباح وكبسولتين مساءً، واستمر على هذه الجرعة لمدة أربعة أشهر، وهذه ليست مدة طويلة أبدًا؛ حيث إن الجرعة العلاجية يجب أن تكون في مثل هذه الحالات لمدة ثلاثة أشهر على الأقل.

بعد انقضاء الأربعة أشهر وأنت على جرعة الثلاث كبسولات في اليوم، خفض الجرعة إلى كبسولتين في اليوم لمدة ستة أشهر، ثم إلى كبسولة واحدة في اليوم لمدة عام، ثم بعد ذلك يمكن أن تتوقف عن تناول البروزاك.

كما تلاحظ فإننا قسمنا الجرعة إلى فترات علاجية معروفة، وهي جرعة البداية، ثم الجرعة العلاجية، ثم جرعة الوقاية.

هناك دواء آخر يُعرف تجاريًا باسم (رزبريدال Risporidal) أو ما يسمى علميًا باسم (رزبريادون Risperidone) ننصح بتناوله كدواء مساعد وليس كدواء أساسي، وهناك دراسات كثيرة جدًّا أشارت أن الرزبريدون بجرعة واحد إلى اثنين مليجرام يوميًا يُدعم كثيرًا فعالية البروزاك، فلذا تناول الرزبريدون بجرعة واحد مليجرام ليلاً لمدة شهر، ثم اجعلها اثنين مليجرام ليلاً لمدة شهرين، ثم واحد مليجرام ليلاً لمدة ثلاثة أشهر، ثم توقف عن تناوله، واستمر في تناول البروزاك.

أخي الكريم: الالتزام بالجرعة في وقتها وللمدة المطلوبة هي سر نجاح العلاج الدوائي بإذن الله، فأرجو أن تكون ملتزمًا بذلك، خاصة وأن هذه الأدوية هي أدوية سليمة وغير إدمانية وليست ذات آثار جانبية مخلة.

التطبيقات السلوكية يجب أن تستمر فيها، وهي تقوم على مبدأ تحقير الوساوس، والقناعة التامة بسخفها، وأن تتجاهلها وسيلة من وسائل العلاج، وبعد ذلك محاولة إيقافها، وأن تفكر في الفكرة الوسواسية ثم فجأة تقول (قف قف قف) وتكرار ذلك عدة مرات.

العلاج السلوكي القائم على التنفير أيضًا يُعتبر من العلاجات المهمة، ونقصد بذلك أن تربط ما بين الوسواس وتفاعل مقزز ومنفر ومؤلم على النفس، كأن تفكر في الفكرة الوسواسية وفي نفس الوقت تقوم بالضرب على يدك بشدة وقوة على جسم صلب حتى تحس بالألم، ويكرر هذا التمرين عشرة إلى خمسة عشر مرة بمعدل مرتين في اليوم لمدة أسبوعين أو ثلاثة، فقد وجد أنه مفيد جدًّا أخي الكريم فكن حريصًا عليه.

هنالك أيضًا أمور مهمة، وهي أن تحدد كمية الماء للوضوء، وتحدد أيضًا الزمن، وكذلك بالنسبة للصلاة، ويجب أن تكتب هذه الوساوس في ورقة وتتعامل معها واحدا بعد الآخر، وتطبق التمارين السلوكية عليها، وإن شاء الله تعالى سوف تجد بعد مضي شهرين من بداية الدواء والتطبيقات السلوكية أن هذه الوساوس قد انخفضت بنسبة سبعين إلى ثمانين بالمائة، وبعد ذلك سوف تتلاشى بإذن الله تعالى.

أخي الفاضل الكريم: يجب أن تعيش حياتك بصورة طبيعية فعالة، ويجب أن تعرف أن الوساوس ليست ضعفًا في الشخصية أو ضعفاً في الإيمان، بل هي -إن شاء الله- من صريح الإيمان، ويجب أن تكون فعّالاً في حياتك بصفة عامة.

بالنسبة للخبرة السلبية في الطفولة، والتي تمثلت في المعاملة القاسية من جانب الأخ الأكبر بالنسبة لك، لا أعتقد أن ذلك له علاقة أساسية، فالوساوس هي أمر مكتسب ومتعلم خاصة بالنسبة للأشخاص الذين لديهم استعداد وقابلية لذلك، وعلى العموم كن متسامحًا فيما بدر من أخيك.

بارك الله فيك، وجزاك الله خيرًا، ونشكرك على التواصل مع إسلام ويب.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً