الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

تغير ابني عبادة ودراسة بعد دخوله الكلية

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابني شابٌّ، كان منذ الصف الأول الثانوي ملتزماً بالعبادات وحسن المعاملة، وقد تفوّق في الثانوية العامة والتحق بكلية الطب -ولله الحمد-، ولكن بعد دخوله الكلية، تغيّر حاله جذرياً؛ فأصبح يؤدي الصلاة بتثاقل، ويُضيع وقته كثيراً، وحجته الدائمة أنه يشعر بالكسل ولا رغبة لديه في الدراسة!

ومع بداية الفصل الدراسي، أخبرني برغبته في الزواج، فأغلقنا الموضوع؛ نظراً لأنه لا يزال في مرحلة الدراسة، ولعدم وجود من قد يقبل بهذا الوضع حالياً.

أريد نصيحتكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هند حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ أختي الفاضلة في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياكِ لصالح القول والعمل.

أختي الكريمة، إن انتقال الابن من المرحلة الثانوية إلى كلية الطب يُعدّ نقلة كبيرة على المستويين النفسي والذهني، ويزداد أثرها مع كونه في سنّ المراهقة، وهي مرحلة تتسم بتغيّرات داخلية وضغوط خارجية لا ينبغي إغفالها عند التعامل مع سلوك الابن، فبعد أن كان يعيش في بيئة منضبطة محدودة الخيارات، يجد نفسه فجأة في فضاء أوسع من الحرية والعلاقات، مع توقعات دراسية عالية ومسؤوليات جديدة؛ مما قد يسبب اضطرابًا مؤقتًا في توازنه النفسي والروحي.

وقد يظهر هذا الاضطراب بصور متعددة، مثل الفتور في العبادة، وضعف الدافعية، وتضييع الوقت، وهي مؤشرات تحتاج إلى وعي تربوي في تفسيرها، فالتقصير في الصلاة -مع خطورته- غالبًا ما يكون عرضًا لخلل داخلي سابق، لا دليلًا على فساد أو انحراف؛ مما يستدعي احتواءً إيمانيًا وتدرجًا في الإصلاح، لا صدامًا أو قسوة، وفي هذا المعنى قال النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: (أحبّ الأعمال إلى الله أدومها وإن قل).

وهذا التغير ليس حالة نادرة، بل تمرّ به كثير من الأسر عند انتقال أبنائها إلى المرحلة الجامعية، خاصة إذا ابتعد الابن عن بيئته التي اعتاد عليها؛ لذلك فإن التعامل مع هذا التحول لا ينبغي أن يكون بالذعر أو الاتهام، بل بالفهم والاحتواء، والبحث عن الأسباب قبل إصدار الأحكام، مع اعتماد الحوار الهادئ أساسًا في المعالجة.

أختي الفاضلة، ما يبدو من كسل دراسي أو عزوف عن المذاكرة، ففي الغالب لا يكون كسلًا حقيقيًا، بل نتيجة ضغط نفسي، أو خوف من الفشل، أو عدم استعداد نفسي لطبيعة المرحلة الجامعية، أو شعور بثقل المسؤولية، أو سوء في تنظيم الوقت؛ ولهذا من المهم لعلاج هذه المشكلة أن يُفتح باب حوار صريح مع الابن يُشرح له فيه واقع دراسة الطب، وطول سنواتها، وما تتطلبه من صبر وجهد، مع طرح أسئلة واضحة والإجابة عليها بواقعية، فقد تكون سبب المشكلة بأكملها مثل: هل دخل هذا التخصص برغبة حقيقية؟ وهل يدرك متطلباته؟ وهل الأسرة مستعدة لدعمه نفسيًا وتنظيميًا؟ فمثل هذا الحوار يساعده على فهم واقعه الجديد وما سيقدم عليه من أعباء فيخفف من الصدام الداخلي.

ومن الجوانب العملية المهمة في هذه المرحلة الآتي:
أولًا: مساعدة الابن على تنظيم وقته.
ثانيًا: وضع أهداف مرحلية بسيطة وقابلة للتحقيق، أسبوعية أو شهرية، تعيد إليه الشعور بالإنجاز، وتخرجه من دائرة الإحباط والضياع.

أختي الفاضلة، بخصوص طلب الابن للزواج في هذه المرحلة، فهو في الغالب تعبير عن احتياج نفسي وعاطفي طبيعي، تأثرًا بالبيئة الجامعية الجديدة وما فيها من علاقات مفتوحة غالباً، أكثر من كونه مشروعًا ناضجًا لبناء وتحمّل مسؤوليات أسرة، والتعامل مع هذا الطلب ينبغي أن يكون بحكمة، كالآتي:

أولًا: لا يُقابل بالسخرية، أو الرفض القاطع دون بيان الأسباب والعوائق ومناقشته معه.

ثانيًا: لا يُفتح باب الزواج دون وعي وتقدير للعواقب، بل يُناقش بهدوء، مع توضيح مسؤوليات الزواج ومتطلباته، وبيان حقيقة الباءة التي هي شرط للزواج، لقول النبي محمد -صلى الله عليه وسلم-: (يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).

ثالثًا: التأكيد على العفة وضبط الشهوة، وملء الوقت بما ينفع، امتثالًا لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾، مع وضعه أمام الصورة السلبية الواقعية لنتائج الاندفاع في العلاقات المحرمة، وتضييع الأوقات، وخطر أصدقاء السوء، وما تجره من نتائج سلبية على حياته ومستقبلة وعلاقته بربه.

فإن ألحّ الابن في طلب الزواج، وكانت الأسرة قادرة مادياً، ورأت في الزواج حفظًا له من الحرام دون الإضرار بدراسته وبناء مستقبله، فلا مانع من دراسة وليه للأمر بواقعية، مع وضع ضوابط واضحة تضمن استقرار هذه الأسرة وتحقيق المقاصد التربوية منها؛ حتى لا تكون سببًا في فساد أسرة نتيجة اندفاع طائش.

أختي الفاضلة، من المهم المتابعة النفسية للابن، فإذا ظهرت عليه علامات اكتئاب، أو انسحاب شديد، أو فقدان عام للاهتمام، فإن اللجوء إلى الأطباء أمر مهم ويُعدّ خطوة مسؤولة لحماية.

وفي الختام: أختي الفاضلة، ما يمرّ به ابنك هو أزمة انتقال لا أزمة فساد، ومرحلة اختبار لا مرحلة سقوط، وهو يحتاج في هذه الفترة إلى أم واعية تجمع بين الرحمة والحزم، تحتضنه وتفهمه، وتوجهه دون انفعال، كما أن إحاطته ببيئة صالحة، وتذكيره بماضيه المشرق للتحفيز لا اللوم، ومساعدته على تنظيم حياته، وبيان آثار التفوق وآثار الفشل، والتنبيه إلى مخاطر العلاقات غير الشرعية وتضييع الوقت، كل ذلك بأسلوب هادئ ومقنع وناصح، من شأنه أن يوقظ دافعيته ويعينه على العودة للطريق الصحيح.

ولا تنسي -أختي الفاضلة- الدعاء لابنك بإلحاح، فدعوة الوالد لولده مستجابة، مع الإكثار من الإحسان والعمل الصالح، قال الله تعالى: ﴿وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا﴾.

وفقكِ الله، ويسّر أمرك، وكتب لكِ الأجر والخير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً