الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

لا أشعر بالتوفيق في حياتي وأخاف من المستقبل

السؤال

السلام عليكم.

أنا امرأة مطلقة، أبلغ من العمر أربعين سنة، وأعاني من شعور دائم بعدم التوفيق في حياتي؛ فلم أوفق في زواج، ولا في إنجاب، ولا في سعة رزق، كما أنني لم أكمل تعليمي بسبب رفض أهلي تعليم الفتيات لأكثر من المرحلة الإعدادية.

أحافظ على صلواتي وصيامي بفضل الله، وأعيش حالياً مع والديّ المسنَّيْن (والدي 100 عام، ووالدتي 85 عاماً)؛ وهما عاجزان تماماً بسبب المرض، أنا الوحيدة التي تقوم على رعايتهما، من إطعام وتنظيف وتغيير لملابسهما وحفاظاتهما، دون مساعدة من بقية إخوتي.

والداي يدعوان لي كثيراً، وأنا بدوري أدعو الله، وأقوم الليل، وأستغفر كثيراً، ومع ذلك أشعر أن التوفيق غائب عن حياتي.

حياتي منصبة بالكامل على خدمة والديّ، وأنا لا أقول هذا تذمراً، ولكنني أرغب في أن أعيش لنفسي قليلاً؛ فقد كان طموحي أن أكمل تعليمي وأرى حياتي المستقلة، لكن هذا كان قدر الله، لقد تعبت، وأشعر أن حياتي متأخرة كثيراً عن صديقاتي وأخواتي؛ مما يشعرني بالوحدة والخوف من المستقبل، ومن الاضطرار للجوء إلى إخوتي، الزمن يمر والعمر يمضي، فانصحوني ماذا أفعل ليفك الله عني هذا الضيق وعدم التوفيق؟

وجزاكم الله خيراً.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ أم محمد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بك أختنا الكريمة الموفقة لخدمة الوالدين، وقد قرأت رسالتك، وتفهمت مشكلتك، وجوابي لك كالآتي:

أولاً: أنتِ موفقة، فكونك صاحبة صلاة وصيام وقيام ليل، وتعيشين مع الوالدين على كبر سنهما، مجتهدة في طاعتهما وخدمتهما، هذا -والله- من التوفيق، فهنيئًا لك، والإنسان منا قد لا تكتمل أموره كلها، فيفقد بعضاً منها، ويعطى البعض الآخر، وهذا حال الدنيا، قال تعالى: (لقد خلقنا الإنسان في كبد)، فالإنسان يكابد الحياة الدنيا، والصبر مطلوب في حياتنا ومعيشتنا.

ثانياً: قيامك بخدمة الوالدين له فضل عظيم، فقد قال تعالى: (واعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً) {النساء:36}، وقال تعالى: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً) {الإسراء:23}.

بر الوالدين من أعظم الأعمال الصالحة، ومن صفات الأنبياء، وحث رسول الله صلى الله عليه وسلم على بر الوالدين، وفي الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: "سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله"، وغيرها من الأحاديث الدالة على فضل بر الوالدين والقيام بخدمتهما، وإن تعبت -كما قلت في الرسالة- فاستحضري عظم ثواب بر الوالدين، وأن الله تعالى لن يضيع عملك، وتعبك في برهما.

ثالثاً: أختنا الكريمة، تكرر منك السؤال عن مسألة عدم التوفيق في الزواج والأولاد والمال وعدم التعليم، وأنصحك بالآتي:

1- لا بد أن تعلمي أن كل خير أصله التوفيق هو بيد الله الكريم الرحمن، ومفتاحه الدعاء، والافتقار، وصدق اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى، فهو سميع الدعاء، عظيم الرجاء، فاصدقي اللجوء إلى الله، وأكثري من الاستغفار، فهو من أسباب الرزق.

2- تعزيز اليقين بالله تعالى، وحسن الظن به جل وعلا.

3- الله تعالى كتب الأرزاق والآجال، وكل ذلك في علم الله تعالى، فما على الإنسان إلا أن يثق بربه تعالى، ويجتهد في الدعاء، مع العمل بالأسباب الشرعية والمادية.

4- ‏الإنسان مبتلى في هذه الحياة، ربما تجدين امرأة متزوجة، لكنها تعيش في شقاء عظيم، أنت لا تعرفين أحوال البيوت وأحوال الناس، فاحمدي الله عز وجل على ما أنت عليه من بر الوالدين، ولو لم يكن في رصيدك إلا خدمة الوالدين لكفى به فخرًا وعملاً صالحًا.

‏5- الخروج من حالة اليأس يحتاج منك إلى إحسان الظن بالله تعالى، وتغيير الأفكار، وثقي بعد ذلك بأن مع العسر يسرًا، وأن بعد الانكسار جبرًا، وعليك بالدعاء المستمر، ولا سيما الدعاء المأثور الوارد عن النبي صلى الله عليه وسلم: "اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، وأعوذ بك من العجز والكسل، وأعوذ بك من غلبة الدين وقهر الرجال"، رواه أبو داود.

‏6- ينبغي عليك أن تغيري من نظرتك إلى الحياة بأمل كبير، فما مضى قد ولى وانقضى، فلا تكوني حبيسة همومك القديمة، وافتحي صفحة جدية مشرقة، ولعل الله أن يغير حالك إلى الأفضل والأحسن.

7- استغلي ما تبقى من العمر في التعلم والتعليم، ولا تيأسي وإن بلغت الأربعين، فلا يزال العمر فسيحًا -إن شاء الله- وانظري إلى الأمل الذي زرعه النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: ( إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا)، أخرجه أحمد وصححه الألباني. والفسيلة هي النخلة الصغيرة أو الشتلة التي تفصل من النخلة، وتزرع في الأرض.

8- تفقدي مواضع الخلل والزلل في نفسك، مع الأخذ بالأسباب الشرعية والمادية، وانهضي بحياتك إلى الأفضل والأكمل، مع التوكل على رب الأرض والسماء، وهو الله سبحانه وتعالى.

أسأل الله تعالى بمنه وكرمه وفضله أن يمن عليك بالخيرات والتوفيق والتيسير في حياتك كلها، اللهم آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً