الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أتردد في قراراتي ولا أستطيع كتمان مشاعري، فما نصيحتكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

طرحتُ مشكلة سابقة، ولدي الآن مشكلتان جديدتان، أعلم أنني أتعبكم معي، لكن لو تعلمون كم استفدت من هذا الموقع.

المشكلة الأولى: أشعر أنني مُسرفة، مع أنني في الحقيقة لا أُسرف، أشعر بأنني أسرف في كل شيء، حتى في الوقت، ولا أستطيع الاستمتاع بالأشياء، فمثلًا: البارحة اشتريت شيئًا ثم أرجعته للمحل مرة أخرى؛ لأنني فكرت أنني لو اشتريت شيئًا ذا قيمة مثل الذهب لكان أفضل، أو أنه ليس ضروريًا ويمكنني العيش بدونه، وهكذا تتوالى الأفكار كل مرة، حتى أرجعه وأشعر بالراحة.

حتى الأمور الأساسية أتردد فيها؛ لأنني طوال حياتي تقريبًا لم أكن أشتري لنفسي، بل أهلي يشترون ويختارون لي، ولست معتادة على إنفاق المال، ودائمًا أقول: لو أنفقته في شيء أفضل، أو خبأته! وحتى عندما أخرج للترفيه عن نفسي، أشعر أنني أُسرف في الوقت، فأقول: لو بقيت في المنزل وأنجزت المهام المتراكمة لكان أفضل، فلا أستمتع بوقتي، وأود الرجوع في أي لحظة.

لقد رأيت الناس وكيف يعيشون، وكيف ينفقون على الملابس والطعام والترفيه، بينما أنا أتزمّت حتى في الاحتياجات، ولا أسعد نفسي، ولا أكافئها.

أما المشكلة الثانية وهي نفسية: عندما أكون أمام الناس ويضايقني شيء، أو عندما أتحسس من أي موقف، يظهر ذلك عليّ بشكل واضح، فأقوم بتجنب الجميع، ويظهر ذلك على ملامحي، ولا أستطيع التحكم به، ويبدو شكلي طفوليًا وغير عاقل، ومزاجية جدًا، ولا أستطيع حتى الاستجابة لمن يحاول مراضاتي.

وهذه الحالة تصيب والدي أيضًا، وكنت أكره هذا الأمر فيه، لكنه بدأ يظهر عليّ كذلك، كيف أستطيع السيطرة على هذه الحالة؟

شكرًا لكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نشكرك على تواصلك معنا، وثقتك بموقعنا.

فهمنا من رسالتك -أختي الكريمة- أنك تعانين من مشكلتين مهمتين تؤثران على حياتك اليومية، الأولى تتعلق بالتشدد المفرط على نفسك في الإنفاق والترفيه حتى صرت تشعرين بأنك مسرفة وأنت في الحقيقة متزمتة، والثانية تتعلق بصعوبة التحكم في انفعالاتك وردود أفعالك العاطفية أمام الناس، وكلتا المشكلتين لهما جذور عميقة تحتاج إلى فهم ومعالجة تدريجية.

أولا: لفت انتباهي في رسالتك -أختي الكريمة- أنك تصفين نفسك بأنك مسرفة، بينما الحقيقة أنك على النقيض تماما، فأنت متزمتة إلى درجة تمنعك من الاستمتاع حتى بالأشياء الأساسية والمباحة، هذا التناقض بين ما تشعرين به وما تفعلينه يدل على أن هناك خللاً في فهم مفهوم الإسراف، وربما وسواسًا يحتاج إلى معالجة.

الإسلام دين الوسطية والاعتدال، يقول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَٰلِكَ قَوَامًا﴾، فالإسلام ينهى عن الإسراف كما ينهى عن التقتير والبخل على النفس.

والإسراف الحقيقي هو صرف المال فيما لا ينفع أو في المحرمات، أو بما يتجاوز القدرة المالية، ويوقع الإنسان في الدين والحرج، أما شراء ما تحتاجينه من ملبس ومأكل وترفيه مباح، فهذا ليس إسرافًا، بل هو من حقوق النفس عليك، يقول النبي صلى الله عليه وسلم لعبد الله بن عمرو بن العاص: "إن لربك عليك حقا، ولنفسك عليك حقا، ولأهلك عليك حقا، فأعط كل ذي حق حقه". فنفسك لها عليك حق في الراحة والترفيه والاستمتاع بالطيبات المباحة، وحرمانها من ذلك ظلم لها وتفريط في حقها.

ما تمرين به -أختي الكريمة- له عدة أسباب يمكن أن نفهمها كالتالي:
السبب الأول: هو أنك لم تعتادي على اتخاذ قرارات الشراء بنفسك، فأهلك كانوا يختارون لك طوال حياتك، فلما صرت مستقلة في القرار لم تكوني قد بنيت الثقة الكافية في حكمك على الأشياء، فصارت كل عملية شراء معركة نفسية تنتهي بالتراجع والندم، هذا أمر طبيعي يحتاج إلى تدريب تدريجي على اتخاذ القرارات والثقة بها.

السبب الثاني: هو الخوف المبالغ فيه من الندم أو الخسارة، فأنت تفكرين دائمًا بالبديل الأفضل، ولو اشتريت الذهب لفكرت بشيء آخر أفضل منه، وهكذا في دائرة لا تنتهي، هذا النوع من التفكير يسمى في علم النفس بالكمالية المرضية، حيث يظن الإنسان أنه يجب أن يتخذ القرار المثالي دائما، بينما الحقيقة أن معظم القرارات في الحياة ليست مصيرية وليس فيها خيار مثالي واحد، بل خيارات متعددة كلها مقبول.

السبب الثالث: وهو الأهم وهو أنك لم تتعلمي أن تكافئي نفسك وتقدريها، فأنت تنظرين إلى كل إنفاق على نفسك على أنه ترف غير ضروري، بينما الحقيقة أن الإنسان يحتاج إلى المكافآت والترفيه ليحافظ على صحته النفسية وتوازنه العاطفي، أنت لست آلة تعمل فقط وتنجز المهام، بل إنسانة لها مشاعر واحتياجات نفسية.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- على تجاوز هذه المشكلة:
أولا: أعيدي تعريف مفهوم الإسراف في ذهنك، الإسراف ليس هو شراء ما تحتاجينه أو الترفيه المعتدل عن نفسك، الإسراف هو التبذير فيما لا ينفع أو الإنفاق بما يفوق القدرة المالية، فضعي لنفسك ميزانية شهرية للاحتياجات الشخصية والترفيه، وما دمت في حدود هذه الميزانية فلا داعي للشعور بالذنب أو القلق.

ثانيا: تدربي على اتخاذ القرارات الصغيرة والثقة بها، ابدئي بقرارات بسيطة مثل شراء قطعة ملابس، أو كتاب تحبينه، وعندما تشترينه التزمي بقرارك، ولا تراجعيه، قولي لنفسك: لقد اتخذت هذا القرار وهو قرار جيد، وحتى لو كان هناك خيارات أخرى فهذا الخيار مقبول ومناسب، بهذا التدريب المتكرر ستبنين ثقتك في قراراتك تدريجيًا.

ثالثا: خصصي وقتًا أسبوعيًا للترفيه عن نفسك، سواء بالخروج مع الصديقات، أو بممارسة هواية تحبينها، أو بمشاهدة برنامج تستمتعين به، واعتبري هذا الوقت استثمارًا في صحتك النفسية وليس إسرافًا في الوقت، الراحة والترفيه يجددان طاقتك ويجعلانك أكثر قدرة على الإنجاز، فليس صحيحًا أن كل دقيقة يجب أن تكون في العمل والإنجاز.

رابعًا: تعلمي أن تكافئي نفسك على الإنجازات، عندما تنجزين مهمة صعبة، أو تحققين هدفًا كافئي نفسك بشيء تحبينه، سواء كان طعامًا تحبينه، أو نزهة، أو شراء شيء ترغبين فيه، هذه المكافآت ليست ترفًا بل ضرورة نفسية تعزز الدافعية وتحسن المزاج.

خامسًا: توقفي عن مقارنة نفسك بالآخرين، كل إنسان له ظروفه وإمكانياته وأولوياته، فلا تقيسي نفسك بمن ينفقون بسخاء، ولا تشعري بالذنب؛ لأنك لست مثلهم، المهم أن تجدي التوازن الذي يناسبك أنت، بين الادخار والإنفاق، بين العمل والراحة، بين الجد والمرح.

ثانيا: المشكلة الثانية التي تعانين منها وهي: ظهور الانزعاج والحساسية على ملامحك أمام الناس بطريقة طفولية، لا تستطيعين التحكم فيها، هذه مشكلة تحتاج إلى فهم وتدريب على تنظيم العواطف.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب"، فالقوة الحقيقية ليست في القدرة الجسدية، بل في القدرة على ضبط النفس والتحكم في الانفعالات، وهذا التحكم مهارة يمكن تعلمها وتطويرها بالتدريب والممارسة.

أنت ذكرت أن هذه الحالة موروثة من والدك، وهذا صحيح جزئيًا، فهناك جانب وراثي في درجة الحساسية العاطفية وسرعة الانفعال، لكن الجانب الأكبر مكتسب بالمحاكاة والتقليد، فأنت رأيت والدك يتصرف بهذه الطريقة، فتعلمت منه هذا النمط من الاستجابة، حتى لو كنت تكرهينه، لكن الخبر السار هو أن ما تم تعلمه يمكن تغييره بتعلم أنماط جديدة أكثر نضجًا.

المشكلة في هذا النمط من الاستجابة هو أنه يضعك في موقف ضعف أمام الآخرين، ويجعلك تبدين طفولية وغير ناضجة، كما أنه يمنعك من التواصل الفعال مع من حولك، فعندما يحاولون مراضاتك لا تستطيعين الاستجابة لهم؛ لأنك مغلقة على نفسك في حالتك العاطفية، هذا يضر بعلاقاتك ويجعل الناس يتجنبون التعامل معك في بعض الأحيان.

من الأمور التي سوف تعينك -بإذن الله- على التحكم في هذه الحالة:

أولا: الوعي بالمشاعر قبل أن تتفاقم، حاولي أن تنتبهي للعلامات المبكرة للانزعاج أو الحساسية، قبل أن تصل إلى مرحلة لا تستطيعين التحكم فيها، عندما تبدأ المشاعر السلبية حاولي أن تسمي ما تشعرين به في نفسك، قولي لنفسك: أنا الآن أشعر بالضيق، أو الإحراج، أو الانزعاج، هذه التسمية وحدها تخفف من حدة المشاعر وتعطيك بعض السيطرة عليها.

ثانيًا: تقنية التوقف المؤقت، عندما تشعرين بأن مشاعرك بدأت تظهر على ملامحك، توقفي لحظة وخذي نفسًا عميقًا، ثم اعذري نفسك بلطف واذهبي إلى مكان خاص لبضع دقائق حتى تهدئي، هذا أفضل من البقاء في الموقف، وأنت في حالة انفعال لا تستطيعين التحكم فيها، يمكنك أن تقولي ببساطة: اعذروني لحظة، ثم تذهبين لتهدئي نفسك، وتعودين بحالة أفضل.

ثالثا: تدربي على التعبير اللفظي عن مشاعرك بدلاً من التعبير غير اللفظي، بدلاً من أن تظهر مشاعرك على ملامحك بطريقة لاإرادية، حاولي أن تعبري عنها بالكلام بشكل هادئ وواضح.

مثلاً بدلاً من أن تتجهمي وتنزعجي قولي بهدوء: أنا أشعر بالضيق من هذا الأمر، أو أحتاج إلى بعض الوقت لوحدي، هذا التعبير اللفظي يعطيك إحساسًا بالسيطرة على مشاعرك، ويجعل الآخرين يفهمونك بشكل أفضل.

رابعًا: مارسي تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق بانتظام، فهذه التقنيات تساعدك على تهدئة الجهاز العصبي، وتجعلك أقل عرضة للانفعال السريع، يمكنك ممارسة التنفس العميق عدة مرات في اليوم، خاصة بعد الصلوات، فهذا يساعدك على بناء قدرة أكبر على الهدوء والتحكم في المشاعر.

خامسًا: اطلبي من الله العون والتوفيق في التحكم في نفسك، فالله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي القلوب ويصلح النفوس. ادعي بعد كل صلاة: "اللهم اهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها لا يصرف عني سيئها إلا أنت"، واجعلي من ذكر الله عونًا لك على تهدئة نفسك، فذكر الله فيه سكينة وطمأنينة، يقول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

سادسًا: لا تيأسي من التغيير، فالتغيير يحتاج إلى وقت وصبر وتدريب مستمر، في كل مرة تستطيعين فيها التحكم في انفعالك ولو قليلاً احتسبي ذلك إنجازًا، وكافئي نفسك عليه، وفي كل مرة تفشلين لا تقسي على نفسك، بل قولي: هذه محاولة تعلمت منها، وسأحاول مرة أخرى، التغيير السلوكي عملية تدريجية فيها تقدم وتراجع، والمهم هو الاستمرار في المحاولة.

أختي الكريمة: ما تعانين منه في المشكلتين قد يكون له جوانب تحتاج إلى تدخل متخصص، خاصة إذا كانت هذه المشاكل تؤثر بشكل كبير على حياتك اليومية وعلاقاتك وعملك، فإذا استمرت هذه الأعراض رغم محاولاتك للتحسن، فلا حرج في استشارة أخصائي نفسي مؤهل يمكنه مساعدتك بشكل أعمق، طلب المساعدة المتخصصة ليس ضعفًا بل حكمة وأخذًا بالأسباب، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء".

يقول الشاعر:
وَلَيسَ يَصِحُّ في الأَذهانِ شَيءٌ *** إِذا اِحتاجَ النَهارُ إِلى دَليلِ
فالوسطية والاعتدال في كل شيء هي المنهج الصحيح، لا إفراط ولا تفريط، لا تشدد ولا تساهل، لا كبت للمشاعر ولا انفلات لها.

وهذا التوازن يحتاج إلى جهد وتدريب ومجاهدة للنفس، لكنه ممكن، وفي متناول يدك -بإذن الله-.

نسأل الله أن ييسر أمرك، وأن يشرح صدرك، وأن يهديك سواء السبيل، وأن يرزقك الحكمة في التعامل مع نفسك ومع الآخرين، وأن يجعلك من المتوازنين المعتدلين في كل شأن من شؤون حياتك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً