الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي يتجاهلني ولا أشعر بالأمان معه، فهل الطلاق هو الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أكتب إليكم طالبًة النصيحة الشرعية فيما يخص وضعي الزوجي، راجية التوجيه بما يرضي الله -عز وجل-.

منذ بداية الزواج كنت مسؤولة عن جميع الأمور المالية، والإدارية، والمنزلية، بالإضافة إلى المسؤوليات العاطفية، والإشراف على كل تفاصيل حياتنا اليومية.

زوجي مقصر في واجباته الشرعية من نفقة، أو تنظيم، أو حماية، وغالبًا ما يستخدم مفاهيم دينية، مثل: الصبر، والشكر، لتبرير تجاهله، أو إخفاقاته، وتحويل أي شكوى مني إلى لوم لي على قلّة صبري، أو تقصيري في الدين، دون أن يعترف بإهماله أو تقصيره.

خلال حملي واجهت مشكلات صحية معقدة، واضطرابات حالت بيني وبين العمل، ومسؤولياتي اليومية، رغم ذلك استمررت في العمل، وكنت مسؤولة عن كل شيء، من تحضير المستلزمات الطبية، ومستلزمات الطفل، إلى إدارة جميع الأوراق، والتخطيط لكل شيء.

لم أجد دعمًا حقيقيًا من زوجي، بل غالبًا ما قلل من ألمي أو احتياجاتي، حتى اضطررت للخضوع لعملية قيصرية طارئة بسبب مضاعفات الولادة.

بعد الولادة، في فترة النفاس، استمر الوضع الصعب: لم أشعر بالأمان، أو الاحتواء، بل تعرضت للبرود العاطفي، والصمت الذي آذى جسدي، وتحميلي المسؤولية لأي رد فعل يصدر مني، مع تجاهل كامل لما حدث معي خلال الحمل والولادة، محاولاتي لوضع الحدود، أو طلب الاحترام، واجهت تهديدات بالطلاق، وتحذيرات دينية بأن طلب الانفصال معصية، دون أي تغيّر حقيقي في سلوك الزوج، أو تحمّله لمسؤولياته.

أنا الآن في فترة ما بعد الولادة، بعيدة عن أهلي، وحيدة مع طفل حديث الولادة، وأشعر بانعدام الأمان النفسي والجسدي والعاطفي، أسأل الله أن يهديني لما فيه رضاه، وأسألكم نصيحة شرعية واضحة:
هل يجب عليّ شرعًا الاستمرار في الزواج الذي يتسبب بأذى مستمر لي ولطفلي، أم يجوز طلب الانفصال لحماية نفسي وطفلي من هذا الضرر؟ وما هو التصرف الذي يُعد أقرب للتقوى والعدل في هذه الحالة؟

جزاكم الله خيرًا، وبارك في علمكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حفصة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في شبكة إسلام ويب، وردًّا على استشارتك أقول، مستعينًا بالله تعالى:

أسأل الله تعالى أن يجبر خاطركِ، ويخفف عنكِ، ويجزيكِ على ما تحملتِه أجر الصابرين، وما كتبته يدل على ألمٍ حقيقي ومعاناة عميقة، وليس مجرد ضيقٍ عابر، أو خلافٍ زوجيٍّ عادي، وما تشعرين به مفهوم من الناحية الشرعية والنفسية، ولا حرج عليكِ في طلب البيان والعدل.

وسوف أجيبكِ جوابًا شاملًا من الناحية الشرعية، والنفسية، والأسرية بوضوحٍ تام -بإذن الله تعالى-.

أولًا: توصيف مشكلتكِ من الناحية الشرعية:

ما تصفينه ليس مجرد تقصيرٍ بسيط، بل هو إخلالٌ صريح بالواجبات الشرعية للزوج؛ فكونه مقصِّرًا في النفقة، وهي واجبة عليه بإجماع العلماء، وانعدام السكينة، والأمن النفسي، والحماية، والرعاية، وهذه القضايا تُعدّ من صميم قِوامة الزوج؛ يقول نبينا -عليه الصلاة والسلام-: «كلكم راعٍ، وكلكم مسؤول عن رعيته… والرجل راعٍ في أهل بيته، ومسؤول عن رعيته».

كونه حمّلكِ جميع الأعباء المالية، والإدارية، والمنزلية، والعاطفية، مع تقاعسه، يُعدّ قلبًا للأدوار الشرعية، لا فضيلة فيه، وكذلك استعماله الدين كسلاحٍ نفسي، وتحويله الصبر إلى أداة لإسكاتك، واتهامكِ بقلة الإيمان عند الشكوى، وتهديدكِ بالطلاق، وتخويفكِ بأن طلب الطلاق معصية؛ كل هذا تحريفٌ لمقاصد الشرع، وليس من الدين في شيء، بل هو لونٌ من الظلم والتلاعب النفسي.

بسبب ما حصل لكِ شعرتِ بانعدام الأمان النفسي، والجسدي، والعاطفي، وأنتِ في أضعف حالاتكِ أثناء الحمل والنفاس، كما شعرتِ بتقليل زوجكِ للألم الذي عانيتِ منه، إضافةً إلى البرود، والصمت العقابي، وهذا ينبئ عن فظاظةٍ في التعامل وقسوةٍ في القلب -والعياذ بالله-، وشرعنا الحنيف لا يبيح الأذى مطلقًا، لا للزوجة ولا لغيرها.

ثانيًا: الصبر في الشرع، وحدوده:

من أخطر ما وقعتِ فيه –دون ذنبٍ منكِ– هو الخلط بين الصبر المشروع والاستسلام للظلم؛ فالصبر في الشرع يكون على البلاء الذي لا يُرفع إلا به، أو على أذى عابر مع وجود نية إصلاح حقيقية، أما ما تعيشينه فهو أذى متكرر ودائم، وتقصير ثابت، دون اعترافٍ بما تقومين به من فضل، ولا بمسؤوليته عن تصرفاته، ومن خلال استشارتكِ لم يحدث منه أي تغيير، بل هو تارك لتحمّل المسؤولية، ومستمر في التهديد بدلًا من أن ينشغل بإصلاح نفسه وتنقية الأجواء فيما بينه وبينكِ، وهذا هو عين المضرّة المنهي عنها، والمذكورة في الحديث، والتي تُعد قاعدة شرعية: «لا ضرر ولا ضرار».

ثالثًا: حكم طلب الانفصال شرعًا في حالتكِ:

أنصحكِ بالتأني في ذلك، مع طلب جلسة للحوار معه، فتبيّنين له ما أصابكِ من الضرر بسبب سلوكياته، ولكن اجتنبي قول: (أنت)، وإنما قولي: (أنا)، لا أود أن تفسد حياتنا، ولا أن ينهدم بيتنا، ويصيب ولدنا الضرر والتشرد، وأتمنى لو أننا نضع خارطة طريق للخروج من هذه الأجواء التي أفسدت حياتنا، فحبذا لو نتعرف على حقوق وواجبات كل فردٍ منا، فيقوم بها على الوجه المطلوب، ونتناقش بهدوء فيما لا نتفق عليه.

في حال رفضه الجلوس، أو إن لم تصلوا إلى نقاط اتفاق، فأنصح بأن تبحثوا عن شخص يكون مقبولًا لديكما، ويكون ممن يحب الإصلاح بين الناس، فتطرحون عليه مشكلتكما لينظر فيها، ويوجه كل شخص بما يراه، وعليكما أن تتقبلا حكمه.

في حال رفض زوجكِ، أو تعنت، فاختارا حكمًا من أهلكِ وحكمًا من أهله، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا ۚ إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا﴾، وأن تضعا مشكلتكما أمامهما، وعليكما قبول ما سيحكمان به.

في حال الاتفاق، يجب وضع شروط واضحة في ما يخص النفقة، وإشعاركِ بالأمان، وإظهار الاحترام لكِ، وتحمله ما أوجب الله عليه من مسؤولية.

إن لم يتم ذلك لأي سبب، وصرتِ غير قادرة على تحمّل استمرار الحياة معه، فارفعي أمركِ لوليكِ، وتقدما إلى المحكمة الشرعية لطلب الخلع، وستقوم المحكمة بجميع الإجراءات اللازمة، ولن يضيعكِ الله وولدكِ إن سلكتِ كل سبل الإصلاح دون جدوى.

في نهاية المطاف، لديكِ المبررات لطلب الطلاق أو الخلع، وهي:عدم الشعور بالأمان النفسي والجسدي، والتقصير في النفقة، والخوف على نفسكِ وطفلكِ، وقد نص الفقهاء على أن: «للمرأة حق طلب الفسخ أو الطلاق للضرر، ولو لم يكن زوجها فاسقًا أو فاجرًا».

وبعد بذل الوسع، فطلبكِ للانفصال سيكون مبررًا كما سبق، ولن يكون معصية، بل سيكون كلامًا باطلًا؛ لأن طلب الطلاق المحرَّم هو طلبه من غير سبب، أما مع الضرر فهو حق شرعي.

رابعًا: من زاوية نفسية وتربوية (وهي شديدة الأهمية):

أنتِ الآن في فترة ما بعد الولادة، وتعانين عزلة، ولا تجدين دعمًا نفسيًا ومعنويًا، خاصة مع وجود طفلٍ في حضنكِ حديث الولادة، ويحتاج إلى رعاية تامة، ومن الخطورة بمكان أن ينشأ الطفل في بيئة توتر، وخوف، وإهمال وأذى، ولا يصلح أن ينشأ الطفل وهو يرى أمًّا منهكة، وأبًا يتعامل مع الأم بهذه الطريقة؛ فالتربية السليمة تحتاج أمانًا، لا مجرد وجود أبٍ بالاسم.

خامسًا: ما يجب في حق الطفل:

يتوجب حفظ الطفل وبقاؤه في بيئة ملائمة، ويجب ألّا يتحمّل ثمن إهمال الأب، وصبر الأم.

سادسًا: هذه بعض الخطوات العملية التي أنصحكِ بها:

1- اطلبي الدعم من أهلكِ، أو من جهة شرعية، أو قانونية تحميكِ، ولا تبقي وحدكِ.
2- عليكِ بالتضرع بالدعاء بين يدي الله تعالى، مع تحرّي أوقات الإجابة، وخاصةً الثلث الآخر من الليل، وسلي ربكِ أن يصلح زوجكِ، وأن يبصّره بعيوبه، وأن يقذف الرحمة في قلبه، ويقرّ عينيكِ بصلاحه.
3- الزمي الاستغفار، وأكثري من الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فذلك من أسباب تفريج الهموم وتنفيس الكروب، ففي الحديث: «مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا، وَمِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا، وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ»، وقال لمن قال له: أجعل لك صلاتي كلها؟ قال: «إذًا تُكْفَى هَمَّكَ، وَيُغْفَرُ لَكَ ذَنْبُكَ».
4- أكثري من دعاء الكرب:«لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض ورب العرش الكريم».
5- وأكثري من دعوة ذي النون، ففي الحديث:«دعوةُ ذي النُّونِ، إذ دعا بها في بطن الحوت: لا إلهَ إلا أنتَ، سبحانك، إني كنتُ من الظالمين؛ فإنه لم يدعُ بها مسلمٌ في شيءٍ إلا استجابَ الله له».
6- أكثري من الأعمال الصالحة، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.

أسأل الله أن يحيطكِ بعنايته، ويهيئ لكِ من أمركِ رشدًا، ويجعل لكِ من كل ضيقٍ مخرجًا، ومن كل همٍّ فرجًا، وأن يحفظكِ وطفلكِ بحفظه، إنه ولي ذلك والقادر عليه.

والله الموفق.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً