الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

متزوجة وأعيش حياة لا تطاق بعيدة عن زوجي!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا متزوجة منذ حوالي 8 أشهر، كنت سعيدة جدًا أثناء الخطبة، لكن بمجرد الزواج أصبت بخيبة أمل شديدة، إلى الآن تؤثر علي، زوجي أثناء الخطبة لم يكن صريحًا معي بشأن وضعه المالي، وكنت أعرف فقط ماذا يعمل، وقد أخطأت جدًا بأنني لم أسأل عن التفاصيل، لكن هذا بسبب جهلي ليس أكثر، ووضعنا منذ تزوجنا سيئ جدًا، والراتب ينتهي بسرعة، ومع كل هذا أنا صابرة، وأتأمل بتحسن الأحوال، لكن مشكلتي الكبرى بأننا نعيش فوق بيت أهله، والده متوفى، ووالدته وأخوه الأعزب يعيشان في الطابق الأرضي.

بداية الأسبوع يذهب هو وأخوه للعمل، ويعودان بعد خمسة أيام، ووقتها أجد نفسي وحدي مع والدته، لا نخرج، ولا نفعل أي نشاط، ولا حتى نرى أي إنسان، حتى إنني أظل معظم الوقت جالسة عندها حتى لا تبقى وحدها، ولا أستطيع أن أصعد لبيتي، وأنام أيضًا عندها.

في البداية كنت أقول لنفسي هذا واجبي، وسأصبر، ولكن الآن لم أعد أستطيع؛ فالأمر يفوق طاقتي وتحملي.

عندما تزوجنا لم نسكن عندهم، كنا في منطقة بعيدة؛ لذلك لم أفترض أننا سننتقل، وسيصبح الوضع هكذا، وحاولت إيجاد حلول كثيرة، لكن لم ينفع شيء، والدته امرأة كبيرة بالسن، ولا تستطيع الخروج للسوق أو للمشي حتى نروح عن أنفسنا، بل تبقى بالبيت طوال الخمسة الأيام، ولا تخرج، وأنا أبقى معها مجبرة.

وكلما أخبرت زوجي عن الأمر يحبطني أكثر، ويخبرني بأنه ليس لديه حل، ولا يستطيع أن يتركني أذهب لأهلي وتبقى والدته وحدها في البيت، وأنا أيضًا لا أتقبل هذا، مع العلم أن لديها ابنةً متزوجةً تستطيع الذهاب لديها، حتى ولو مرة كل شهر، لكن لا هي تطلب، ولا ابنتها تأخذها معها، أشعر بأن الجميع مرتاح هكذا، وأنا الوحيدة التي تتنازل وتضحي.

أنا لست لئيمة، ولا شريرة، أنا فقط أريد أن أغير هذا الروتين والملل كل أسبوع، كلما اقترب ذهاب زوجي للعمل أشعر باليأس والإحباط، وكأنه كابوس، أريد أن تساعدوني بحل يرضي جميع الأطراف؛ فمعظم الوقت لست مرتاحة، وهذا الوضع أصبح يثقل علي جدًا جدًا.

ساعدوني بالله عليكم.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هبة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام، وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يُسهِّل أمر زوجك، وأن يُعينه على الخير، وأن يملأ يديه بالمال، وأن يُسعدكم بالصالحين من العيال، وأن يُعينك على الوفاء لوالدته، وهذا مما تُشكرين عليه.

ونشكر لكِ المشاعر الإيجابية الظاهرة، وحرصك على أن تكوني معه، ونؤكد لكِ أن هذا سيجلب لكِ الخير، وأن الحياة تحتاج إلى صبر، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُعينك على ذلك، وأرجو أن يتواصل معنا الزوج حتى نضع له خطة، يضمن لكِ فيها الدعم المعنوي والتشجيع.

وعمومًا هذا الذي تقومين به مما تُشكرين عليه، والمرأة الصالحة مثلكِ تُقدر ظرف زوجها، رغم قناعتنا أن الأمور ليست سهلة، ولكن المشاعر النبيلة التي شعرنا معها أنكِ تعتبرين هذه الأم كأنها والدة لكِ؛ ممَّا يدل على أن قيمكِ عالية، ونتمنى أن يُقدِّر الزوج وأهله هذه المشاعر النبيلة تجاهكِ.

ولست أدري هل هناك إمكانية في المستقبل لتغيير هذا الوضع؟ وإذا كان الرجل صالحًا، وفي وجوده يتجاوب معكِ، وفيه صفات جميلة، فلا ننصحكِ بإشعال المشاكل، ولكن ندعوكِ إلى مزيد من الصبر؛ لعل الله -تبارك وتعالى- ييسر أمرك وأمره، ونقترح عليك بعض الخطوات العملية لعلها تنفعك للخروج مما أنت فيه:

أولاً: الجئي إلى الله بالدعاء، وأن يلهمك الصبر، ويجزيك خيرًا، ويجعل قادم الأيام خيرًا مما مضت، ويعوضك فيها بالسعادة والرضا، والتوفيق، والذرية الصالحة.

ثانيًا: ضعي جدولاً لحياتك املئيه بالعمل والنشاط، اجمعي بين التخطيط والتدريب والتنفيذ.

ثالثًا: استغلي وقت وجودك مع والدة زوجك ووقت فراغك في إنجاز مشروع منزلي تستهوينه، ويدر عليك مدخولاً خاصًا، كعمل أغذية منزلية أو حياكة أو أي شيء من المهارات التي قد تجيدينها، ويمكنك تطويرها من خلال مشاهدتها ومتابعتها على اليوتيوب.

رابعًا: أشركي والدة زوجك في ما تختارينه من مشروع، وشجعيها على مساعدتك، وبيني لها فوائد استغلال الوقت فيما ينفع وينمي المهارات والقدرات، واستفيدي من خبراتها فيما تجيده.

خامسًا: ابني ذاتك وشخصيتك، من خلال تثقيف الذات والقراءة والاطلاع على أمور الحياة، غداً قد تجدين نفسك محتاجة لمثل هذه التنمية الذاتية سواء لنفسك أو لخدمة غيرك ومجتمعك، ونبينا عليه الصلاة والسلام يقول: (احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز).

سادسًا: هيئي لجلسة مناقشة بينك وبين زوجك ووالدته وأخته، أخبريهم بخططك وما يجب عليهم من تنظيم الوقت حتى يأخذ كل ذي حق حقه، ويكون هناك تناوب بينك وبين أخت زوجك في مرافقة والدتهم، ومن المهم جدًّا أن يكون التعبير عن عدم الرضا بينك وبين زوجك فقط؛ حتى لا تُنقل هذه المشاعر إلى والدته فتتأثر إذا علمت أنكِ متضايقة من هذا الوضع، وإذا كان هناك مجال للحديث مع أخته، أو مَن يمكن أن يعينك على أمر هذه المرأة الكبيرة، التي هي كما قلنا في مقام الأم، فذلك حسن.

سابعًا: لا تيأسي ولا تستسلمي، فأنت في بداية حياتك الزوجية، والمشوار طويل ويحتاج منك إلى قوة وإرادة لبناء أسرة متماسكة وسليمة وصحية، خاصة بعد مجيء الأطفال.

ثامناً: كلما شعرت بالضيق، تذكري أنك تقومين بعمل عظيم وجليل، وهو خدمة هذه المرأة الكبيرة، ونبينا عليه الصلاة والسلام قال: (إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم)، ونحن اليوم شباب وغداً شيوخ، فهنيئاً لك القيام على شؤون هذه المرأة، فإنك تجمعين بين إكرام كبير السن، وبين حسن العشرة لزوجك. فبارك الله فيك أختنا المباركة.

وأيضًا نتمنى أن تستثمري الأوقات التي يكون فيها زوجك موجودًا، لأننا لا نريد أن تضيعي في غيابه، وتعكري على نفسك وعليه عندما يحضر، ويكون معكِ في الأيام المحددة التي يكون معكِ في البيت، وعليكِ أن تدركي أن الإنسان لا يمكن أن يجد في هذه الدنيا كل ما يتمنى، "ما كل ما يتمنَّاه المرء يدركه"، والمرأة لا بد أن تدرك أن هذه الدنيا طبيعتها هذا النقص والخلل.

فالرجل لن يجد امرأة بلا نقائص، والمرأة لن تفوز برجل بلا عيوب، والحياة لا تمضي كما نريد، كما قال الشاعر الحكيم:
جُبِلَتْ عَلَى كَدَرٍ وَأَنْتَ تُرِيدُهَا ... صَفْوًا مِنَ الْأَكْدَارِ وَالْأَقذاء
وَمُكَلِّفُ الْأَيَّامِ ضِدَّ طِبَاعِهَا ... مُتَطَلِّبٌ فِي الْمَاءِ جَذْوَةَ نَارِ

ونبشركِ بأن مَن صبرن في البدايات جاءهنَّ التعويض من رب الأرض والسماوات، فنسأل الله أن يعينك على إكمال المشوار، وأن يُسهِّل أمر زوجك، وأن يُعينه على القيام بواجبه تجاهكِ وتجاه والدته.

ونتمنى أيضًا من إخوانه وأخواته أن يكون لهم إسهام في تخفيف هذا الضغط عليكِ وعليه، ونسأل الله لنا ولكم التوفيق والسداد، وأنتِ في مقام بناتنا وأخواتنا، ونحن نفاخر بالحريصات على الخير، بمَن تُقدِّر ظرف زوجها وأحواله، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعوضك خيرًا، وأن يُسهِّل علينا وعليكم الأمور.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً