الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدي يرى أن مستقبلي في الدراسة وليس الزواج، فماذا أفعل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

أريد أن أحكي حكايتي وأستشيركم، أنا -والحمد لله- إنسانة طيبة ومحترمة، أحب الله منذ طفولتي بقلبي، وعندما أتعلم أي شيء عن الدين أحب تطبيقه، وأحب المسجد كثيراً.

نشأتُ في أسرة تعرف 'العيب' أكثر من 'الحرام'؛ أسرة محترمة لكن والدي ليس متديناً كثيراً؛ يصلي في البيت، ويقرأ القرآن في رمضان فقط، ولكنه عاقل، ولا يحب الظلم، ويشغل منصباً بارزاً يحتاج لانتخاب الناس والشهرة، لذا يهتم جداً برأيهم وإرضائهم.

نحن متوسطو الحال لكن الناس يظنوننا أغنياء، والدي يقلل منا أمام الناس؛ ولأن ملامحي ليست بالجمال المتعارف عليه في نظرهم، لم يهتم والداي بتميز عقلي، بل كان حرصهما على الدراسة فقط، والدي لا يحب ذكر الزواج في البيت، وبما أنني في نظرهم غير جميلة، فيجب عليّ الدراسة؛ لأنها هي من ستحدد قيمتي وتوفر لي الوظيفة التي تجعلني غنية.

لم تمر سنة دراسية إلا وقد وقع في قلبي حب رجل؛ لأن الدراسة عندنا مختلطة، والدي يمنعني من الكلام مع الرجال وأنا أطيعه، لكنني أعاني من 'سهام الحب' التي تخترق قلبي، ولا أستطيع التخلص من التفكير في من أحب، مما يؤثر على مستواي الدراسي، أحاول التعامل مع الرجال بطريقة سيئة لأتجنبهم، لكنني أتعذب بداخلي.

أريد رضا الله، لكن والديّ يريان أن الرزق في الدراسة فقط، كرهتُ نفسي وحياتي؛ كيف أكون عفيفة وأنا لا أستطيع الزواج، ولا الابتعاد عن بيئة الاختلاط، ولا لبس الجلباب والنقاب لأن مجتمعي يرى الدين في الصلاة والصيام فقط؟

تعبتُ والله؛ لا أريد الحرام وأريد الجنة، هل كوني لستُ جميلة يمنعني من الحياة؟ وكيف أواجه خوف المجهول وخوف كلام المجتمع؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ إيناس حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، وأرجو أن نشكر نِعَم الله علينا؛ لننال بشكرنا لربنا المزيد.

وتذكري أن نِعَم الله مقسمة، وأن المسلم (والمسلمة) مطالب أن ينظر إلى من هم أقل منه في العافية والمال والولد، وفي كل شؤون الدنيا، ولا ننظر في أمور الدنيا إلى من هم فوقنا كي لا نزدري نعمة الله علينا، أمَّا في الدين فالإنسان ينظر إلى من هم أعلى منه؛ ليتأسى بهم ويتشبه بهم ويسير على دربهم.

ولذلك نتمنى أن تستمري في الدراسة، وقبل ذلك تستمري في التديُّن وحسن الارتباط بالله تبارك وتعالى، وكون الأسرة والأهل والمكان يرون الدِّين مظاهر في الصلاة والصيام، فأنتِ ينبغي أن تدركي أن الدِّين أكبر من ذلك؛ الدِّين يكون بتنفيذ كل ما شرعه الله تبارك وتعالى، كما أرجو أن تبتعدي عن مواطن الرجال، وتبتعدي عن الأمور التي يمكن أن تجعلكِ تتعلقين بهم.

نحن ندرك أن الأمة بليت بهذا الاختلاط، لكن في داخل هذا الاختلاط تستطيع العفيفة أن تنحاز إلى النساء؛ مَن هنَّ صديقات، تسأل عن الواجبات، تكون دائمًا مع مجموعات النساء، ولا تحاول أن تقترب من الرجال؛ لأن الشريعة تباعد بين أنفاس النساء والرجال حتى في صفوف الصلاة، فتجعل خير صفوف النساء آخرها؛ لبُعدها عن الرجال، وخير صفوف الرجال أولها؛ لبُعدها عن النساء، فمهما وُجد هذا الاختلاط في المجتمعات، هناك من تستطيع أن تحمي نفسها وتبتعد عن الرجال.

ولا تفكري بهذه الطريقة السلبية؛ فإن الزواج رزق، كل ذلك يقدره الله تبارك وتعالى، فكم من فتاة جميلة لم تتزوج، وكم من فتاة متوسطة الجمال تزوجت وأنجبت، والأمر في كل ذلك بيد الله -تبارك وتعالى- وليس بيد البشر، مهما فكروا ومهما تكلموا.

الأمر لله من قبل ومن بعد، والوصول إلى ما عند الله -تبارك وتعالى- من التوفيق والخير إنما يكون بطاعته، فأشغلي نفسكِ بما خُلقتِ لأجله، واعلمي أن الله ييسر أمر من تلجأ إليه وتُقبل عليه، فإذا أقبلت الفتاة بقلبها على الله -تبارك وتعالى- صادقةً، أقبل الله بقلوب من حولها إليها.

نسأل الله -تبارك وتعالى- أن يعينكِ على الطاعة، وأن يهدي الأهل وكل من يُفكِّر بهذه الطريقة السلبية إلى الحق والخير، ونكرر دعوتنا لكِ إلى أن تكوني على يقين أن الأمر لله من قبل ومن بعد، وأن فلاح المؤمن (والمؤمنة) أن يكون في طاعة الله، عاملاً بالمهمة التي خلقه الله لأجلها: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ}، ثم قال بعدها: {مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَن يُطْعِمُونِ}، ثم طمأننا فقال: {إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ}.

فنسأل الرزاق أن يرزقكِ دينًا وخلقًا، وزوجًا صالحًا يُسعدكِ وتسعديه، وتُعينيه على الطاعة ويُعينكِ على رضا الله تبارك وتعالى.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً