الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

نفسيتي محطمة بسبب إدمان القمار ونبذ أصدقائي لي!

السؤال

السلام عليكم.

أنا شاب، عمري 34 سنة، تعرضت مؤخرًا لانتكاسة كانت بمثابة الصدمة؛ حيث بليت بالقمار، وأصبحت مدمنًا بسبب الديون، وكنت أقول في نفسي: فقط ألعب من أجل استرجاع الديون، لكن الوضع تفاقم، والناس عرفوا، وهناك من نبذني من أصدقائي الذين أدانوني، وأريد أن أقول لكم حقيقة: إن هذا بدأ فقط كلعبة؛ لأنني في حياتي لم أكن أتوقع هذا؛ فأنا لست مدمنًا لأي شيء، وقد كنت شابًا بعيدًا كل البعد عن هذه الذنوب، ومحبوبًا عند الناس.

لقد قررت الابتعاد عن هذا بشكل نهائي، وصارحت عائلتي بهذا، وفي الحقيقة وقفوا معي من أجل تسديد الديون، ورغم ذلك نفسيتي محطمة، ولم أتقبل هذا الأمر، وأريد أن أسأل: هل يمكن أن يكون هذا ابتلاءً؛ لأنني في حياتي لم أفكر أبدًا بتعاطي هذه الذنوب من: تدخين، ومخدرات، وكحول؟

وإلى حدود كتابة هذه السطور لم أفعل شيئًا، ولكني الآن أمر بفترة صعبة، وكنت أعاني من مشاكل سابقًا؛ حيث ذهبت لعدة رقاة، وعدة أطباء نفسيين، وكنت أعاني من ضيق، ووساوس، واكتئاب.

فهل سأعود أفضل مما كنت؟ أنا حائر!

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمد حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

نرحب بك -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لك تواصلك معنا بهذا السؤال.

بالرغم -أخي الفاضل- من أنك تقول إنك غير مدمن، ولكن دعني أواجهك بالحقيقة،: إن القِمار عبارة عن اضطراب إدماني سلوكي، يُؤثِّر في الدماغ كما تُؤثِّر المواد الممنوعة المخدرة، والتوقف عن القِمار يحتاج إلى فهم هذا، أنه سلوك إدماني؛ حيث يخلق دورة من الإثارة والأمل بالفوز، ثم حصول الخسارة، وهكذا يدخل مدمن القِمار في حلقة معيبة.

القِمار في الطب النفسي يسمى (Gambling Disorder)، أي (اضطراب السلوك الإدماني: القمار)، حيث إن من صفاته أنه يفقد المصاب السيطرة على الرغبة في اللعب، والاستمرار بالرغم من الخسائر، ومحاولة تعويض الخسارة، أو هكذا يُوحي له عقله بأنه يحاول تعويض الخسارة، فيدخل في المزيد من اللعب، وغالبًا ما يلجأ إلى الكذب، أو إخفاء حجم القمار؛ لأنه يشعر بالخجل والعار.

فالخطوة الأولى -أخي الفاضل- هي: أن تعترف بأن القمار أصبح مشكلة حقيقية، وأنا لي كتابٌ في هذا مفيد لك، عنوانه هو: (من مرح القمار إلى جحيم الإدمان).

أخي الفاضل: هناك خطوات عملية يمكن أن تساعدك، وسأذكر منها الخطوات التالية:
أولًا: اتخاذ قرار واضح؛ فلا بد أن تُفكِّر لماذا تريد أن تتوقف عن القمار؟ وما هي الخسارة الناتجة عن هذا السلوك الإدماني؟ حاول أن تكتب هذا بشكل واضح.

ثانيًا: لا بد من الابتعاد عن المحفزات: كأصدقاء القِمار، ومواقع المراهنات، وتطبيقات الهواتف التي تسهل القِمار وأماكن اللعب، اتخذ خطوات عملية في حذف التطبيقات، وتجنب الأماكن المرتبطة بالقِمار.

ثالثًا: عليك التحكُّم في المال، إمَّا عن طريق تقليل حمل النقود، أو تُعطي شخصًا موثوقًا به مسؤولية إدارة المال مؤقتًا، وضع حدودًا صارمة للإنفاق.

رابعًا: لا بد أن تملأ الوقت الذي كنت تقضيه بالقمار بالأمور المفيدة: كالعمل التطوعي، والرياضة، والقراءة، وتعلُّم مهارات جديدة.

خامسًا: إدارة الرغبة المفاجئة؛ وهي أنه عندما تأتيك فكرة المقامرة انتظر عشرين دقيقة قبل أن تتخذ القرار، قم بالمشي، أو بنشاط بدني، أو اتصل بشخص داعم لك؛ فهذا يضعف الرغبة لديك في العودة إلى القِمار.

سادسًا: معالجة التفكير الخاطئ، فكما ذكرت أن ما يدعوك أحيانًا للقمار تفكيرك بأنك تريد أن تعوض خسارتك، أو تُوحي لنفسك بأنك هذه المرة سوف تربح، القمار -أخي الفاضل- يعتمد على الاحتمال، وليس المهارة.

سابعًا: اطلب الدعم من أسرتك، من أصدقائك، ممَّن يقفون معك لتتخلص من هذا.

أخيرًا: بعد أن يمر بعض الوقت، عدة أسابيع دون اللعب، تتحسَّن السيطرة على المال، وينخفض الوقت الذي تقضيه بالتفكير بالقِمار، كل هذا -بالإضافة إلى تحسن العلاقات الأسرية- دليل على علامات التحسُّن، ولكن أنبهك هنا أنك إن انتكست -لا قدَّر الله-، وعدت للقمار مجددًا؛ فلا تعتبر هذا فشلاً كاملًا، وإنما كبوة حصان تتعلَّم منها الدروس لتبتعد مجددًا عن القِمار.

أيضًا من المفيد -أخي الفاضل- أن تستبدل إثارة القِمار بإثارة صحيَّة تُشعرك بالشغف، كالرياضة، أو المشاريع الجديدة، أو غيرها.

أدعو الله تعالى أن يُيَسِّر لك الخروج مما وقعت فيه، وإن صعب عليك فقد تكون هناك في بلدك مراكز مُتخصِّصة لعلاج إدمان القِمار.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً