الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

ابنتي تتخوف من الزواج والإنجاب وأريد إقناعها

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ابنتي عمرها ٣٠ عامًا، وتحاول أن تبحث في الدين بهدف أن تكون أكثر التزامًا، إلا أنه بدأ يساورها الكثير من الشكوك حول بعض المسائل الدينية مثل:

- كيفية تحديد الرأي في حالة اختلاف الآراء الفقهية: الأخذ بالأحوط، أم الأيسر، أم رأي الجمهور، أم دار الإفتاء المصرية، وغيرها؟ وكيف تتأكد أنها لا تتبع هواها؟

- منظومة الزواج في الإسلام، وواجبات وحقوق كل من الزوج والزوجة، والتي تشعرها بأن الزوج له اليد العليا دائمًا، وقد يستخدمها بطريقة تقيد حريتها؛ وذلك ينتج عنه رفضها لأي عرض للزواج، بسبب شعورها بأنها لن تتحمل هذا النوع من التحكمات.

- شعورها بأن الحياة الدنيا اختبار صعب، ومن ثم تخوفها الشديد حال تزوجت وأنجبت من أنها تعرض أولادها لهذا الاختبار، وعلى الرغم من علمها بأن هذا يتعارض مع العقيدة السليمة، إلا أنها لا تستطيع التغلب على هذا الشعور.

أرجو أن يكون الرد على هذا السؤال ردًا شافيًا -بإذن الله-، وجزاكم الله خيرًا.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ هناء حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشارات إسلام ويب، نشكر لكِ تواصلكِ بالموقع، كما نشكر لكِ حرصكِ على مصلحة ابنتكِ، ونسأل الله تعالى أن يُقدِّر لها الخير حيث كان، ويرضِّيها به، وأن يرزقها الزوج الصالح، وأن يجعلها مفتاحًا للخير مغلاقًا للشر.

لا شك أن هذه القضايا التي تبحثها ابنتكِ قضايا جديرة بالبحث والنظر فيها، ولكن ينبغي تناولها باعتدال وإنصاف، مع فَهمٍ صحيح يجمع بين مصالح الدنيا ومصالح الآخرة، وبين حقوق النفس وحقوق الله تعالى، وهذا هو الدين الوسط الذي شرعه الله تعالى لعباده.

ففي القضية الأولى في كيفية تحديد الرأي عند اختلاف آراء الفقهاء: الأمر سهل يسير، قد وسَّع الله تعالى علينا فيه، وشرع لنا ما يرفع عنا الحرج والضيق، فأمرنا بالرجوع إلى أهل العلم إذا كنا لسنا ممَّن يعلم، قال سبحانه وتعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} فإذا عاد الإنسان ورجع إلى أحد من أهل العلم الذين يثق برأيهم وبعلمهم، وممَّن يعرف بين الناس وبين العلماء بأنه من أهل العلم، فاستفتاه في أمر، فأفتى فاتبعه، فقد أدّى ما فرض الله تعالى عليه، وبرئت ذمته بذلك، ولا يضره إذا كان هذا المفتي الذي أفتاه قد أفتاه بالقول الأسهل أو الأيسر.

وأمَّا اتباع الهوى المذموم: فهو تتبع الرخص؛ بأن يصبح طبع الإنسان وعادته المستمرة هي البحث عن القول الأسهل والأيسر، فكلما احتاج إلى استفتاء يذهب ويبحث عمَّن يفتيه بالأسهل والأيسر، فإذا كان هذا خُلُقًا مستمرًا؛ فهذا هو الممنوع المذموم، ويسميه الفقهاء (تتبع الرخص)، وهو حرام، وقد حكى الإمام النووي وغيره من العلماء إجماع العلماء على تحريمه وأنه فسق؛ لأنه يُصيّر الإنسان عبدًا لهواه، بينما جاءت الشريعة لإخراج هذا الإنسان من طاعة هواه إلى طاعة ربه ومولاه.

وبهذا تتضح الأمور، وتعرف هذه البنت ما هو الممنوع وما هو المسموح في هذه المسألة.

أمَّا منظومة الزواج والحقوق المتبادلة بين الزوجين؛ فإن فهم البنت لحقيقة هذه الحقوق المتبادلة سيزيل عنها هذا الشعور الذي تشعر به، وأنه تحكُّم محض، فليس الأمر كذلك، إنما هناك صلاحيات أعطاها الله تعالى لكل واحد من الزوجين، بمقتضى الفطرة التي فطره الله تعالى عليها، والقدرات التي منحه إيَّاها.

والأسرة مؤسسة صغيرة، وهذه المؤسسة لا بد فيها من إدارةٍ وقيادة وشخص مسؤول عنها، فكان بمقتضى المصلحة أن يكون هناك قائد لهذه الأسرة، وهو رب هذه الأسرة، ولا يمكن أن تمضي هذه المؤسسة بلا إدارة، فأعطى الله تعالى القوامة للرجل؛ لأنه أليق بهذه الوظيفة، وأقدر على أداء الأمانة والمسؤولية، فهي مسؤولية وأمانة، وليست تسلطًا واستبدادًا.

وهذه الحقوق متبادلة؛ ففي مقابل هذا الحق الذي يناله الزوج بمقتضى القوامة، عليه واجبات كثيرة، يجب عليه أن يقوم بها للزوجة، وكذلك الزوجة حين نقول يجب عليها طاعة الزوج بمقتضى القِوامة؛ فإن لها حقوقًا عليه يجب عليه أن يؤدي هذه الحقوق، وهكذا قامت الشريعة الإسلامية على مبدأ الحقوق والواجبات.

فإذا فهمت ابنتكِ هذه الأمور بهذا الفهم، فإنه سيزول عنها هذا الإشكال بكليته.

وأمَّا شعورها بالخوف من الإنجاب بسبب أنها ستُعرِّض أبناءها لاختبار؛ فهذا تخوّف في غير محله؛ فهذا اختبار بسيط يترتب عليه الفوز والنجاح لمن أفلح فيه، بحيث يسعد كل السعادة في دنياه وفي آخرته، فلا يصح أبدًا أن يُعرض الإنسان عن الإنجاب حتى لا يعرض أبناءه للاختبار، بل هو في الحقيقة يمنعهم من هذا الوجود، وهو أعظم نعمة، والذي تترتب عليه كل السعادات في الدنيا والآخرة.

فينبغي للبنت أن تفهم بأنها حين تنجب فإنها تتسبب في وجود هذا الإنسان، وهذا الإنسان إذا أفلح في هذا الاختبار -وهذا الاختبار ينبغي أن يُعدّ له هذا الولد بأن يربى تربية صحيحة، وينشأ تنشئة إسلامية، ويعوَّد على فعل الخيرات، واجتناب المنهيات- فإذا قمنا بواجبنا في تربيته وتنشئته؛ فإنه سيسعد سعادة دنيوية وأخروية.

فليس المطلوب أن نمتنع عن الإنجاب، وإنما المطلوب مِنَّا أن ننجب، ثم نربي هذا النشء ونعده، فنفوز نحن وهم بثواب هذه الأعمال، ويكونون رصيدًا في سجلات أعمالنا، وزيادة في حسناتنا، ونكون في الوقت نفسه قد أسعدناهم وهيأناهم للسعادة الدائمة الأبدية في جنات الخلد.

نسأل الله تعالى أن يجعلنا جميعًا مفاتيح للخير مغاليق للشر.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً