الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدي يتعامل معي بقسوة ولديه تصرفات خاطئة، فهل يصح هجره؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا شاب أبلغ من العمر ثلاثًا وعشرين سنة، ولي أبٌ قاسٍ لم يعلّمني حتى الصلاة، ويفعل أمورًا لا أقدر على ذكرها، لكنّي تعلّمت ديني وتديّنت بقدر المستطاع، غير أنّي لا أعرف ماذا أفعل مع والدي: هل أهجره أم لا، مع أنّ هناك من يريد الانتقام منه على أفعاله، لكنه لا يكن احترامًا وتقديرًا لي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمود حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الفاضل- في استشارات إسلام ويب، ونسأل الله أن يوفقنا وإياك لصالح القول والعمل.

بدايةً، نسأل الله أن يثبتك على طريق الاستقامة، وأن يزيدك بصيرةً في الدين، وصِدقًا في العمل، واعلم (أخي) أن ما تمر به من حالٍ هو اختبارٌ لصبرك، ومجاهدةٌ لنفسك؛ كي تُقدِّم مراد الله تعالى على غضبك أو رغبات النفس.

أخي الكريم: مهما بلغت قسوة الوالدين، واشتد بُعدهما عن الله، أو زادت أخطاؤهما، فلا يجوز هجرهما أو الإضرار بهما، فقد قال تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ * وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَى أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا وَاتَّبِعْ سَبِيلَ مَنْ أَنَابَ إِلَيَّ ۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}.

تأمل (أخي) كيف أمر الله تعالى بمصاحبة الوالدين بالمعروف، رغم أنهما قد يدعوان للشرك والكفر؛ فالقاعدة الشرعية هنا واضحة: «لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ»، وجاء في الحديث عند أسماء بنت أبي بكر -رضي الله عنها- قالت: «قَدِمَتْ عَلَيَّ أُمِّي رَاغِبَةً فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ: إِنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ وَهِيَ رَاغِمَةٌ مُشْرِكَةٌ، أَفَأَصِلُهَا؟ قَالَ: نَعَمْ؛ صِلِي أُمَّكِ»، فرغم إشراكها أمرها رسول الله ﷺ بحسن الصلة بها.

عليك أن ترفض المعصية بقلبك ولسانك إن استطعت، وتبذل النصيحة والدعوة حتى تلين القلوب ليكتب الله أجر دعوتك لأقرب الناس إليك، ولا يكون ذلك إلا بلسانٍ طيبٍ، ومعروفٍ، وإحسانٍ.

أمَّا بخصوص التعامل مع قسوة والدك وأفعاله، فننصحك بما يلي:

أولًا: تجنب الصدام المباشر، وابتعد عن إثارة الأمور التي تعلم أنها تُشعل غضبه، فليس من الحكمة الرد عليه حتى لا تزيد الفجوة بينكما.

ثانيًا: اختيار التوقيت والأسلوب؛ إذا أردت النصح، فانتقِ أهدأ الأوقات، وقدم كلمتك كابنٍ مشفقٍ محب، لا كقاضٍ يحاكم، فالقلوب لا تفتح أبوابها إلا بمفاتيح الرفق واللين، بعيدًا عن الغضب أو نظرات الاحتقار.

ثالثًا: استعن بمن يثق بهم والدك من أخواتك أو أقاربك الصالحين، وتعاونوا معًا على إصلاح والدك بدلاً من المواجهة؛ فكثيرًا ما يقبل الأب من غير ابنه ما لا يقبله منه.

رابعًا: بالغ في الرفق والإحسان إليه، والسعي لرضاه فيما لا يغضب الله؛ فالإحسان يكسر حدة الجفاء، ويُذيب قسوة القلب، قال رسول الله ﷺ: «إِنَّ الرِّفْقَ لَا يَكُونُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَلَا يُنْزَعُ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ».

خامسًا: اجتهد في مفاتيح القلوب: قدم له الهدايا، واحرص على مدح دوره في حياتك، وإظهار تقديرك له -مهما كان بسيطًا-؛ فهذا غالبًا ما يثير في نفس الوالد شيئًا من الخجل الإيجابي، ويدفعه لمراجعة تصرفاته.

يا أخي العزيز، إن إصلاح والدك غايةٌ نبيلة تستحق منك الصبر والمجاهدة، والابتعاد عنه لن يزيد الأمر إلا سوءًا، مما يجعله يغرق في الفساد أكثرًا.

أكثر من الدعاء والتضرع لله تعالى، واجعل استقامتك وحسن خلقك معه هي الرسالة الصامتة التي تدعو بها والدك، ليشعر بأن التزامك بالدين والأخلاق هو الطريق الذي غيّر ابنه وسيغيره كذلك.

تذكر دائمًا أنك مأجور على صبرك، وعلى سعيك في إصلاح أقرب الناس إليك، ولا تستعجل النتائج؛ فالأمر يحتاج إلى صبرٍ ومجاهدةٍ والله يقول: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.

وفقك الله، ويسّر أمرك.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأكثر مشاهدة

الأعلى تقيماً