الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

زوجي سريع الغضب وأتأذى منه، وأكظم غيظي فهل أأثم لكرهي له؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

متزوجة منذ 20 سنة، زوجي إنسان شديد الغضب، بمعنى أنه يتجرد من الإنسانية بالمعنى الحرفي؛ يضرب ويهين ويتلفظ بكلمات تتجاوز حدود الجرح، وتترك في القلب وجعًا وألمًا لا يُحتمل، وضربه كأنه يضرب في مصارع، ولأتفه الأسباب يغضب.

إذا سألني سؤالًا وأجبته، ولم يكن الجواب كما يريد، يغضب ويؤذيني، وفي آخر مرة قال لي: «بمجرد أن يرزقني الله سأستبدلك، لكن سأظل أستعملك الآن»، ثم حين يهدأ يخبرني كم أنني إنسانة راقية ومحترمة، علمًا بأنني طوال السنين معه لم أسبَّه، ولم أرفع صوتي، ولم أتخذ أي إجراء، حتى إنني لم أخبر أهلي بما يفعل، لكنني في الحقيقة تعبت، وأشعر أنني مرضت نفسيًا، لولا أنني أستعين بالله.

هو سيئ الأخلاق معي، وعندما يسألني أخبره أنه سيئ، فيغضب وينفعل ويقول إنني أكفر العشير، وأن أكثر أهل النار من النساء؛ لأنهن يكفرن بخير الرجل، وأُشهد الله أنني في كل مرة أسامحه، وأُشهد الله أنني أمدحه أمام أهلي وأهله، لكن بيني وبينه لا أستطيع تقبل أفعاله، وفي كل مرة يخبرني أنني أنا السبب.

هو يعترف بأنه يفقد عقله عند الغضب، ويتحجج بأن الرسول عليه الصلاة والسلام يقول: «لا تعينوا الشيطان على أخيكم»، كما يعترف بأنني إنسانة هادئة قليلة الكلام، ولدي من الحكمة ما أحافظ به على بيتي وأولادي.

لكنني لم أعد أحبه، وأصبحت أخاف على نفسي وأولادي منه ومن غضبه، فهل يقع عليَّ إثم في ذلك؟ لقد جربت معه كل الطرق، لكنني تعبت، وقلبي يؤلمني، كيف أستطيع أن أجيبه كل مرة يسألني فيها، أو حتى عندما نتحدث، بالإجابات التي ترضيه؟

لا أستطيع وصف الألم الذي أشعر به، ولن يشعر بشعوري أحد إلا رب العالمين، لكنه دائمًا يخبرني بأحاديث الرسول عليه الصلاة والسلام وآيات من القرآن الكريم، تجعل له الفضل والمنزلة من الله، فهل تنطبق هذه الأحاديث على جميع النساء، الصالحات وغيرهن؟

أريد فقط أن أطمئن: هل سأُجزى على صبري وكظم غيظي وألم قلبي وجسدي، أم أندرج ضمن الملعونين، والعياذ بالله؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ حنان حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة- في استشاراتِ إسلامِ ويب، ونشكرُ لكِ تواصلكِ بالموقعِ، ونشكرُ لكِ حسنَ خلقكِ، وعلوَّ همتكِ؛ فإنَّ هذا الصبرَ الطويلَ على الزوجِ -بما فيهِ من الإساءةِ- إنما يدلُّ على تمتعكِ بقدرٍ كبيرٍ من الأخلاقِ العاليةِ، فنسألُ اللهَ تعالى أن يزيدكِ من فضلهِ.

وقد رزقكِ اللهُ تعالى صبرًا كثيرًا، وهذا -في حدِّ ذاتهِ- دليلٌ على إرادةِ اللهِ تعالى بكِ الخيرَ؛ فإنَّ النبيَّ ﷺ يقولُ: «مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرْهُ اللَّهُ، وَمَا أُعْطِيَ أَحَدٌ عَطَاءً خَيْرًا وَأَوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ» فهذا الصبرُ الجميلُ الطويلُ لن يضيعَ ثوابهُ وأجرهُ، كوني واثقةً من ذلكَ؛ فإنَّ اللهَ تعالى أخبرَ في كتابهِ، فقالَ: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا}.

وكلُّ هذهِ الإساءاتِ التي تصدرُ من زوجكِ في حقكِ هي -في الحقيقةِ- أشياءُ مؤلمةٌ، وهذا الألمُ أجرهُ مكتوبٌ عندَ اللهِ تعالى؛ فقد قالَ الرسولُ ﷺ: «مَا يُصِيبُ الْمُسْلِمَ مِنْ نَصَبٍ، وَلَا وَصَبٍ، وَلَا هَمٍّ، وَلَا حُزَنٍ، وَلَا أَذًى، وَلَا غَمٍّ، حَتَّى الشَّوْكَةِ يُشَاكُهَا، إِلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ».

والإنسانُ المؤمنُ يتقلبُ بينَ نعمةٍ تفرحهُ وتسرهُ فيشكرها فيكونُ ذلكَ خيرًا، أو ضراءَ تصيبهُ فيصبرُ فيكونُ ذلكَ خيرًا؛ فقد قالَ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: «عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ».

فهذهِ الأحاديثُ -وغيرُها كثيرٌ من الأحاديثِ- تُبيِّنُ لكِ عظمَ أجركِ عندَ اللهِ تعالى بصبركِ على زوجكِ وإساءاتهِ.

وإذا كانتِ المرأةُ قد وعدتْ بالجنةِ إذا هي أدتِ الفرائضَ التي كلَّفها اللهُ تعالى بها؛ فكيفَ إذا ضمتْ إلى ذلكَ الصبرَ على إيذاءِ الزوجِ، واحتسابَ الأجرِ؛ بقصدِ الحفاظِ على الأولادِ والأسرةِ؟! فإنَّ ذلكَ عملٌ عظيمٌ، قالَ -عليهِ الصلاةُ والسلامُ-: «إِذَا صَلَّتِ الْمَرْأَةُ خَمْسَهَا، وَصَامَتْ شَهْرَهَا، وَحَفِظَتْ فَرْجَهَا، وَأَطَاعَتْ زَوْجَهَا؛ قِيلَ لَهَا: ادْخُلِي الْجَنَّةَ مِنْ أَيِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ شِئْتِ».

وإذا ضاقَ صدُركِ بما تجدينهُ من زوجكِ؛ فينبغي أن تستعيني بالأسبابِ المشروعةِ التي يمكن أن تُصلحي بها هذا الحالَ، بأن تستعيني بالثِّقاتٍ من أقاربهِ الذينَ تتفرسينَ فيهم، وتظنينَ أنهم حريصونَ على بقاءِ أسرتكم وصلاحِ أحوالكم، تحاولي الاستعانةَ بهم في نُصحِ هذا الزوجِ، وتذكيرهِ باللهِ تعالى، وتذكيرهِ بحقوقِ الزوجةِ؛ فلعلَّ هذا يكونُ سببًا في مراجعتهِ لنفسه، وتخيري من الناسِ من تكونُ لهُ كلمةٌ مقبولةٌ عندَ الزوجِ، ويأنسُ الزوجُ بكلامهِ معهُ، واحذري من أن تختاري من يزيدُ الزوجَ نفورًا بسببِ كلامهِ.

فقد أرشدَ اللهُ تعالى إلى الاستعانةِ بالمصلحينَ عندما يحصلُ الشقاقُ والنزاعُ بينَ الزوجينِ.

أما سؤالكِ: "هل تأثمينَ بمجردِ كراهتكِ لهذا الزوجِ بسببِ أفعالهِ؟"، فالجوابُ: أنهُ لا يلزمكِ إثمٌ، ولم تقعي في ذنبٍ؛ فإنَّ الحبَّ والبُغضَ من أعمالِ القلوبِ، ومن الطبيعيِّ أن يَألمَ الإنسانُ وينفرَ ممن يؤذيهِ.

ولكن النصيحةُ لكِ حتى تستمرَّ حياتكِ الزوجية، وحتى تحافظي على أولادكِ، وتحفظي بيتكِ: أن تأخذي بالأسبابِ التي تُقلِّلُ هذا الكرهَ في قلبكِ لزوجكِ -إن لم نقلِ الأسبابَ التي تدعو إلى محبتهِ-، وهي في الحقيقةِ كثيرةٌ؛ فهو رغمَ إساءاتهِ البالغةِ، إلَّا أنكِ إذا تأملتِ جيدًا ستجدينَ فيهِ بعضَ الجوانبِ الإيجابيةِ التي تدعوكِ إلى محبتهِ من هذا الجانبِ؛ فكونهُ في غيرِ وقتِ الغضبِ يُحسنُ خُلُقهُ معكِ، ويُثني عليكِ بالكلامِ الجيدِ، ونحوِ ذلكَ؛ فهذا جانبٌ إيجابيٌّ فيهِ، وكونهُ زوجكِ، وكونهُ يحافظُ على الأسرةِ، إلى غيرِ ذلكَ من الجوانبِ الإيجابيةِ؛ هذا النظرُ من شأنهِ أن يُخفِّفَ ما في قلبكِ من الغمِّ والنفورِ من هذا الزوجِ.

أمَّا الأحاديثُ التي يحتجُّ بها؛ فإنَّهُ لا يصحُّ الاحتجاجُ بها لعدوانهِ، واعتدائهِ، وتفريطهِ في حقكِ؛ فالحياةِ الزوجيةِ مبنيةٌ على الحقوقِ والواجباتِ من كلا الطرفينِ؛ فهو بحاجةٍ إلى نُصحٍ وتذكيرٍ، كما أنكِ بحاجةٍ أيضًا إلى تذكيرٍ بحقوقِ الزوجِ، وهذا أمرٌ يطولُ الكلامُ فيهِ، لكن هذهِ إشاراتٌ تنفعكِ بإذنِ اللهِ تعالى.

نسألُ اللهَ تعالى لكِ التوفيقَ والسدادَ.



مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً