الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

كلما ألتقي خاطبي أو أراه ينتابني شعور بالخوف والتوتر والارتباك!

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أنا فتاة، تمت خطبتي منذ شهر تقريباً، وخاطبي إنسان خلوق، وتعامله معي راقٍ، وطيب جداً، كما أنه يملك عملاً مستقراً، ووضعه المادي جيد -والحمد لله-، ورغم كل هذه المواصفات الإيجابية، إلا أنني أعيش حالة شديدة ودائمة من القلق والتوتر، وأشعر بعدم الارتياح المطلق في حياتي الحالية، وما يتعبني كثيراً هو أنني أصبحت أعاني من قلق مستمر لا يفارقني، والأصعب من ذلك أنني عندما ألتقي بخاطبي، أو أراه؛ ينتابني شعور شديد بالخوف، والتوتر، والارتباك، بدلاً من أن أشعر بالأمان والراحة معه!

وعندما أبحث في داخلي عن الأسباب، أجد أن هناك أمرين أساسيّين يؤثران عليّ:

الأول: أنني كنت مرتبطة سابقاً بعلاقة حب قديمة، ولم يكتب الله لنا نصيباً بالارتباط، وأشعر أن أثر تلك العلاقة، والمقارنة الخفيّة ما زالا يلقيان بظلالهما على مشاعري، ويمنعاني من تقبل واقعي الجديد.

الثاني: أنني أشعر بعدم الانجذاب لشكل خاطبي الحالي؛ فهو نحيف البنية، وأجد في نفسي عدم اقتناع بمظهره الخارجي.

أنا الآن في حيرة كبيرة من أمري، وخائفة جداً من المستقبل، وأخشى أن أظلم هذا الشاب معي، وهو لم يقصر في حقّي، وفي نفس الوقت يتملكني رعب من فكرة الاستمرار، وأنا أفتقد القبول والراحة النفسية، بل وأشعر بالخوف عند رؤيته، وعند اقتراب موعد الزواج أشعر برغبة في التهرب وتأجيله.

أتمنى أن تساعدوني وترشدوني؛ فقد أصبحت أشعر بأن الحياة أصبحت لا معنى لها لدي.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحباً بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لك الاهتمام وحسن العرض للسؤال، ونسأل الله أن يُقدر لك الخير، وأن يصلح الأحوال، ونوصيك بالمحافظة على أذكار الصباح والمساء، والإكثار من ذكر الله تبارك وتعالى، والإقبال على هذا الخاطب الذي فيه ميزات عالية، وصفات ترغب فيها كل فتاة.

كما نرجو طي صفحات الماضي، وعدم التوقف عندها، وأن تتعوذي بالله من شيطان همه أن يحزن أهل الإيمان، وأشغلي نفسك بالذكر والطاعة، والتقرب إلى الله تبارك وتعالى.

واعلمي أن بعض هذا القلق الذي يحدث ويزداد كلما اقتربت المناسبة هو أمر طبيعي؛ لأن الشاب والفتاة في أيام الخطبة الأولى تكون هناك جرعات عاطفية، أو انجذاب عاطفي، ولكن عندما يقترب الزواج تحضر المسؤولية، ويحضر قلق الفتاة من دخولها على رجل لم تألفه ولا تعرفه مسبقًا.

وأيضًا: من أسباب هذا القلق الصعوبة التي يجدها الطرفان في التفكير في الحياة الجديدة: هل سينجحان؟ وكيف ستكون مناسبة العرس؟ ويحملان همَّ مواقف الناس تحديدًا، وهل سيكون العرس ناجحًا؟ وهل ستستطيع الفتاة أن تخرج من بيتها وتتحمل مسؤولية هذا الرجل؟ وهو أيضًا تراوده مثل هذه الأفكار.

وهذا كله -هذا الجزء- طبيعي؛ لأنه الآن تأخرت العواطف ويتقدم العقل، وتتقدم المسؤولية، ويتقدم التفكير في المستقبل، وبعض الفتيات قد تبكي كلما اقترب زواجها؛ لأنها لا تتخيل أنها عاشت مع والديها هذه السنوات الطويلة، والآن ستفارق عشها وبيتها، وتدخل إلى مكان جديد، ومكان بالنسبة لها مجهول.

لكن نبشركِ بأن هذه الأشياء تتلاشى تمامًا عندما يجمع الله الزوجة مع زوجها في تلك اللحظات الغالية المهمة، وتلك المحطة التي يكون لها ما بعدها في حياة الفتيات وفي حياة أبنائنا الشباب.

وعليه، أرجو ألَّا يأخذ هذا القلق أكبر من حجمه، وتذكري أن مطالب الإنسان الغالية دائمًا تحتاج منه إلى تضحية، فالذي يريد المعالي ويتمناها لا ينالها بسهولة، وكما قال المتنبي:
ذَرِينِي أَنَلْ مَا لَا يُنَالُ مِنَ الْعُلَا *** فَصَعْبُ الْعُلَا فِي الصَّعْبِ، وَالسَّهْلُ فِي السَّهْلِ
تُرِيدِينَ لُقْيَانَ الْمَعَالِي رَخِيصَةً *** وَلَا بُدَّ دُونَ الشَّهْدِ مِنْ إِبَرِ النَّحْلِ

فالذي يريد عسلًا صافيًا لا بد أن يدفع ثمنًا غاليًا، أو يذوق لسعة النحل؛ لأنه سيقتحم الخلية ليأخذ من ذلك الشراب الصافي، وذلك العسل الذي فيه شفاء للناس، والزواج هو ذلك العسل الصافي، وهو سنة الحياة، يتمناه كثير من الشباب، ولأجله يبذل الإنسان الغالي والنفيس، وكما قال أبو فراس الحمداني:

تَهُونُ عَلَيْنَا فِي الْمَعَالِي نُفُوسُنَا *** وَمَنْ يَخْطُبِ الْحَسْنَاءَ لَمْ يَغْلُهُ الْمَهْرُ

فالمشاريع الكبرى دائمًا تحتاج إلى تضحيات وصبر؛ وعليه، أرجو أن تدركي هذه المعاني.

وأيضًا، بالنسبة إلى صفحات الماضي، أرجو أن تُطوى؛ لأن الأمور التي انتهت ومضت، ولم يعد هناك سبيل إلى تغييرها، قد أصبحت صفحات مطوية، وينبغي أن تكون منسية، فلا ينبغي للإنسان أن يشغل نفسه بها، ولأن الشيطان دائمًا يجرنا إلى الماضي؛ فإنه يحرص بذلك على أن يحزننا، أو يدعونا إلى التفكير في أمور لم تحدث؛ حتى نحزن؛ فإن غاية مراده هي: {لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا} [المجادلة:10]، لكن إذا قوبل كيده بالتوكل على الله تعالى؛ فإنه لا يضر، كما قال تعالى: {وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} [المجادلة:10].

ونحن نريد أن نقول: البكاء على اللبن المسكوب لا يرده ولا يفيد، كما أن محاولة عبور الجسر قبل الوصول إليه أيضًا لا يمكن، ولذلك لا بد للإنسان أن يعيش وضعه وحياته.

أمَّا كون هذا الشاب فيه نحافة أو كذا، فإننا نبشركِ بأن الزواج دائمًا تزيد فيه أوزان الزوج والزوجة؛ لأن الراحة النفسية، ولأن الاستجابة لهذا الدافع الفطري كل هذا ممَّا يسعد الإنسان، والإنسان يزيد حجمه، ويزداد جسمه لمَّا يرتاح نفسيًّا، ولمَّا يسعد، والزواج يعتبر من أعظم أبواب السعادة للطرفين، بل لا تسعد الفتاة إلَّا مع رجل يكرمها، ولا يسعد الشاب إلَّا مع فتاة تكرمه.

فلذلك أرجو أن تأخذي الأمور بحجمها كما أشرنا، وتستمري في إكمال مراسم الزواج، وأشغلي نفسكِ دائمًا بالخير، وطوري مهاراتكِ، وقبل ذلك أقبلي على ربكِ، وأشغلي نفسكِ بالطاعة والدعاء والتوجه إلى الله تبارك وتعالى.

وشجعي زوجكِ على مزيد من الطاعة واللجوء إلى الله تبارك وتعالى، وحافظي على أذكار الصباح والمساء؛ فإن في المحافظة على الأذكار إزالةً لما عند الإنسان من إشكال، وأيضًا مانعًا لِمَا لم ينزل، فالأذكار نافعة في كل الأحوال.

نسأل الله أن يجمع بينكم في الخير وعلى الخير، ونتمنى أن تشغلي نفسكِ ببرامج عملية تتعلمين فيها مهارات، وما هو نافع ومفيد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً