الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أعيش في حزن واكتئاب وصدمة بعد وفاة والدتي.. ما نصيحتكم؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

منذ أكثر من خمس سنوات وأنا أعيش في صدماتٍ وخذلانٍ مستمرٍّ من والدي وإخوتي، حتى أصدقائي تخلّوا عني عند وفاة والدتي، لقد تابعتُ بالفعل مع طبيبةٍ نفسيةٍ، ولكن من دون أدويةٍ.

ومنذ نحو أربع سنواتٍ، وبشكلٍ متكررٍ، تأتيني انقباضةٌ في القلبِ، وأشعر كأن قلبي قد انقسم نصفين، مع تسارعٍ في ضرباتِ القلبِ، وشعورٍ بالاختناقِ، والضيقِ، والمللِ الشديدِ من كل شيءٍ؛ ومع ذلك لم ترشدني الطبيبةُ لعلاجي، وتكتفي بالنصحِ والإرشادِ فقط.

لا أستطيعُ اعتزالَ ما يؤذيني؛ لأنهم أهلي، ولا أستطيعُ الاستمرارَ كذلك، ووجعُ قلبي يزدادُ يوماً بعد يومٍ.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ عبد الرحمن حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

أرحب بكَ -أخي الفاضل- عبر استشارات إسلام ويب، ونشكر لكَ تواصلكَ معنا بهذا السؤال.

نعم، واضح من سؤالك أن هناك حزنًا وفقدًا متداخلين، مع جروح قديمة في العلاقة مع الأب والإخوة، وبالإضافة إلى هذا، يبدو مما ورد في سؤالك أنك تعاني من نوبات الهلع، ولعل وفاة الأم قد تكون قد فتحت جروحًا قديمة؛ لأنها ربما كانت -رحمها الله- تمثل لك الأمان، أو الشخص الذي تشعر معه بأنك مقبول.

ما تمر به أمر مفهوم؛ فأنت لا تحزن على وفاة أمك فقط، بل ربما تحزن أيضًا على أشياء كثيرة لم تحصل عليها في حياتك، وعلى أذى قديم لم يأخذ حقه من الفهم والتعبير؛ لذلك قد يكون الألم اليوم أكبر من مجرد ألم الفقد، ومن هنا، لا تحاول إلغاء هذا الشعور بالحزن، وإنما اسأل نفسك عن حزنك على أمك، وقل:
• ماذا كانت أمي تمثل لي؟
• ما أكثر شيء أفتقده فيها؟
• ماذا كنت أتمنى أن أقول لها ولم أقله؟
• وما الأشياء الجميلة التي أريد أن أحملها منها معي طوال حياتي؟

وفي هذا السياق، هناك تدريب بسيط أنصح به عادة، وهو أن تكتب رسالة إلى أمك تقول فيها ما لم تستطع قله، دون أن تضطر -طبعًا- إلى إظهارها لأحد، ويمكنك إتلافها بعد ذلك.

أمَّا بالنسبة إلى الأذى الذي تلقيته من أبيك وإخوتك؛ فحاول أن تفصل بين الماضي والحاضر، فقد يكون تفكيرك من نمط: لماذا فعلوا بي هذا؟ لماذا لم يحبوني كما كنت أحتاج؟

أخي الفاضل، هذا سؤال إنساني مفهوم، لكننا أحيانًا لا نجد له إجابة ترضي قلوبنا، فحاول أن تنتقل تدريجيًا من التفكير: كيف أجعلهم يعوضونني عما فعلوا؟ إلى التفكير بهذه العبارة: كيف أبني اليوم حياة لا يتحكم فيها ما فعلوه بي؟ هذا لا يعني -طبعًا- تبرير أفعالهم، أو إجبار نفسك على المسامحة؛ فالمسامحة ليست شرطًا للتعافي، ووضع الحدود ليس عقوقًا، فإذا وضعتَ حدودًا بينك وبين والدك وإخوتك؛ فهذا ليس من العقوق.

وعندما تشعر بانقباض القلب الذي شرحته، قل في نفسك: "قلبي يتسارع، وأشعر بضيق، وجسمي في حالة إنذار، لكن هذا لا يعني أنني في خطر، فهذه مجرد نوبة هلع"، عندها ثبّت قدميك على الأرض، وانظر من حولك، وسمّ خمسة أشياء تراها، ثم تنفس ببطء؛ زفير طويل، ثم شهيق.

وفيما يتعلق بالعلاج، لا أعتقد أنك في حاجة -في هذه المرحلة- إلى العلاج الدوائي، ولكن يمكنك متابعة الجلسات مع الطبيبة التي تتابع معها.

وأخيرًا، ربما لم تستطع أن تختار الأسرة التي نشأت فيها، ولم تستطع أن تمنع ما حدث لك، ولم تستطع أن تمنع فقد أمك -رحمها الله-، لكنك تستطيع الآن أن تبدأ في اختيار الطريقة التي ستعيش بها بقية حياتك؛ فالماضي يفسر بعض آلامك، لكنه لا ينبغي أن يقرر مستقبلك.

أدعو الله تعالى أن يشرح صدرك، ويخفف عنك، ويرحم والدتك رحمة واسعة، ويعينك على تجاوز آلامك، وأن يرزقك السكينة والطمأنينة، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً