الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

عدم الثقة ومراقبة الآخرين، أمور جعلتني أكره نفسي

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

أتمنى الرد على كل شيء في رسالتي.

أنا فتاة سمراء البشرة، وشاحبة الوجه، وأرى الكثير من الفتيات حولي في الجامعة والعمل لديهن بشرة بيضاء وجميلة، فأغار كثيرًا، وأكره نفسي، ويصيبني إحباط واكتئاب وقلة ثقة بالنفس، وأتمنى لو كانت لديَّ بشرة بيضاء.

وأنا أريد أن ألتزم بحجاب كامل يرضي الله، لكنني أحيانًا أفكر في أنني لو كنتُ بيضاء وجميلة لتبرجتُ، وأشعر أنني لهذا السبب لم يرزقني الله بشرة بيضاء، وأخجل من الله أحيانًا بسبب هذا الشعور، ولكنني لا أعرف كيف أجعل نفسي لا أشعر به.

كما أنني لا أريد الزواج بسبب لون بشرتي وشكلي، مع العلم أنني أحب شخصًا، وهو لا يرفض الزواج بي، لكنني أكره نفسي؛ ولذلك أرفض الزواج.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم.
الأخت الفاضلة/ سائلة حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

ابنتنا الكريمة، بدايةً نثمن طلبكِ الاستشارة من موقع إسلام ويب، ونشكركِ على صراحتكِ في عرض مشكلتكِ، وحرصكِ على أن تعرفي كيف تتعاملين مع مشاعركِ بطريقة ترضي الله تعالى.

ونود أن نوضح لكِ منذ البداية: لا تنظري إلى نفسكِ من خلال لون بشرتكِ أو شكل وجهكِ فقط، فأنتِ أكبر وأجمل قيمة من ذلك بكثير.

▪ أولًا: انظري إلى جوانب القوة والنجاح في حياتكِ:
إن أول ما ينبغي أن تلتفتي إليه أنكِ في العشرين من عمركِ، وتدرسين في كلية الصيدلة، وتعملين في متجر لتنفقِي على نفسكِ، والنجاح في دراسة الصيدلة ليس بالأمر السهل، والجمع بين الدراسة والعمل يحتاج إلى جهد وتحمل ومسؤولية، وهذه أمور عظيمة تميز شخصيتكِ، وتدل على قدرتكِ على تحمل المسؤولية والاجتهاد؛ فلا تسمحي لمقارنة عابرة في الشكل أن تجعلكِ تنسين كل ما حققتِه في حياتكِ.

▪ ثانيًا: لا تجعلي لون بشرتكِ معيارًا للحكم على جمالكِ وقيمتكِ:
أمَّا نظرتكِ إلى نفسكِ بأنكِ سمراء البشرة وشاحبة الوجه، وأن الفتيات من حولكِ أكثر بياضًا وجمالًا، فهذه رؤيتكِ أنتِ لنفسكِ، وليست بالضرورة هي الصورة التي يراكِ بها الآخرون، فالإنسان عندما يركز على عيب يراه في نفسه يبدأ في تضخيمه، ثم يتخيل أن الآخرين ينظرون إليه بالطريقة نفسها، مع أن الأمر قد يكون مختلفًا تمامًا.

والجمال ليس محصورًا في بياض البشرة أو ملامح الوجه؛ فهناك جمال الأخلاق، وحسن التعامل، والحياء، والروح الطيبة، والابتسامة، والتفاؤل، والقدرة على مساعدة الآخرين، والذكاء، والنضج، والاهتمام بالنفس، وحسن الحديث، وكلها صفات تجعل الإنسان محبوبًا ومقبولًا؛ ولذلك لا تجعلي لون بشرتكِ معيارًا وحيدًا للحكم على قيمتكِ.

وقد قال الله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ}، وقال النبي ﷺ: «إِنَّ اللَّهَ لَا يَنْظُرُ إِلَى صُوَرِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، وَلَكِنْ يَنْظُرُ إِلَى قُلُوبِكُمْ وَأَعْمَالِكُمْ» فالمعيار الأعظم عند الله ليس لون البشرة ولا هيئة الإنسان، وإنما قلبه وعمله وتقواه.

▪ ثالثًا: اجعلي حجابكِ عبادة لله، لا وسيلة لإخفاء نفسكِ:
من الجميل أنكِ تفكرين في الالتزام بالحجاب الكامل طلبًا لرضا الله تعالى، فهذه نية طيبة ينبغي أن تحافظي عليها، وأن يكون حجابكِ عبادة وقربة إلى الله، لا وسيلة لإخفاء نفسكِ أو معاقبتها، والحجاب لا ينتقص من جمال المرأة ولا من شخصيتها، بل هو امتثال لأمر الله تعالى، وفي الوقت نفسه قد يكون في نظر كثير من الناس صورة من صور الجمال والوقار والحياء.

▪ رابعًا: لا تربطي لون بشرتكِ بحكمة غيبية لا تعلمينها:
أمَّا عن قولكِ: إنكِ أحيانًا تفكرين بأنكِ لو كنتِ بيضاء وجميلة لتبرجتِ، وأن لون بشرتكِ ربما كان نعمة من الله حتى تلتزمي بالحجاب، فلا تجعلي هذه الفكرة تتحول إلى لوم لنفسكِ، أو إلى اعتقاد جازم بأن الله منع عنكِ الجمال لهذا السبب، فنحن لا نعلم الغيب، ولا نستطيع أن نجزم بحكمة معينة وراء لون بشرة الإنسان أو شكله؛ فقد خلق الله الناس مختلفين في ألوانهم وصورهم، وهذا من آيات قدرته سبحانه.

وإذا كان شعوركِ بالخجل من الله نابعًا من أنكِ لا تحبين أن تكون لديكِ هذه الأفكار، فاطمئني؛ فالإنسان لا يؤاخذ بمجرد الخواطر التي ترد على خاطره ولا يرضاها، وإنما العبرة بما يستقر في القلب، وما يختاره الإنسان ويعمل به.

فلا تجعلي مرور فكرة في ذهنكِ سببًا لكره نفسكِ أو الشعور بأنكِ سيئة عند الله، بل إذا جاءت فكرة المقارنة أو الاعتراض على خلقتكِ، فيمكنكِ أن تقولي لنفسكِ: إن هذه خاطرة لا أريدها، وأنا راضية بما خلق الله، وأسأل الله أن يرزقني حسن الخلق وحسن العمل، ثم انتقلي إلى شيء آخر دون الاسترسال معها.

▪ خامسًا: أوقفي دائرة المقارنة والغيرة:
من المهم أن تنتبهي إلى أن الغيرة من الفتيات الأخريات، وكراهية النفس، والشعور المستمر بالإحباط، قد تصبح دائرة نفسية متعبة، فكلما رأيتِ فتاة جميلة قارنتِ نفسكِ بها، وكلما قارنتِ نفسكِ بها ازداد شعوركِ بالألم، ثم ازداد تركيزكِ على مظهركِ، وهكذا، والحل ليس أن تقنعي نفسكِ بأنكِ أجمل من الجميع، وإنما أن تتوقفي عن جعل جمال الآخرين مقياسًا لقيمتكِ.

ابنتنا الكريمة، نقترح عليكِ أن تجربي لمدة شهر أن تقللي قدر الإمكان من المقارنة، وألَّا تقفي طويلًا أمام المرآة بحثًا عن العيوب، وألَّا تراقبي بشرة الفتيات أو ملامحهن، وألَّا تستخدمي الصور أو وسائل التواصل التي تجعلكِ أكثر انشغالًا بالمظهر، وفي المقابل، اكتبي كل يوم شيئًا واحدًا تحمدين الله عليه في نفسكِ؛ نجاحكِ الدراسي، وقدرتكِ على العمل، وأخلاقكِ، وعلاقتكِ بأهلكِ، وقدرتكِ على مساعدة الآخرين، أو أي صفة إيجابية لديكِ.

ومع الوقت ستتغير الصورة التي تحملينها عن نفسكِ، ومن المفيد كذلك أن تهتمي بمظهركِ في حدود المعقول؛ مثل النظافة، والعناية بالبشرة، والنوم الكافي، والغذاء الجيد، والملابس المناسبة، والاهتمام بصحتكِ، فهذا من الاعتناء بالنفس، لكن دون أن يتحول إلى البحث المستمر عن عيب جديد.

▪ سادسًا: لا تجعلي نظرتكِ إلى شكلكِ سببًا لرفض الزواج:
أمَّا قولكِ إنكِ لا تريدين الزواج بسبب لون بشرتكِ وشكلكِ، مع وجود شخص تحبينه ولا يرفض الزواج منكِ، فنقول لكِ: لا تتخذي قرارًا مصيريًا كهذا بناءً على حكمكِ القاسي على نفسكِ، فالرجل الذي يعرفكِ ويرغب في الزواج منكِ قد يكون رأى فيكِ من الصفات ما يجعلكِ مناسبة له، وقد رأى شخصيتكِ وأخلاقكِ وطريقة تعاملكِ، وليس من الضروري أن تكون نظرته إليكِ مطابقة لنظرتكِ أنتِ إلى نفسكِ.

ولا يعني ذلك أن تتعجلي الزواج، أو أن تتزوجي شخصًا لمجرد أنه يرغب فيكِ، وإنما المقصود ألَّا ترفضي الزواج لمجرد اعتقادكِ أنكِ غير جميلة، أو أن لون بشرتكِ يجعلكِ غير جديرة بأن تكوني زوجة.

وإذا كان هذا الشاب صاحب دين وخلق، وكانت هناك موافقة وتوافق حقيقي، فليكن الأمر من خلال الطريق الشرعي، وباستشارة أهلكِ وأهل الخبرة، والنظر في الدين والخلق والتوافق والمسؤولية، لا في لون البشرة وحده.

▪ سابعًا: وسعي دائرة علاقاتكِ الإيجابية:
من المفيد أيضًا زيادة دائرة علاقاتكِ الاجتماعية بصورة متوازنة، وأن تختاري صديقات صالحات وإيجابيات، لا يكثرن من الحديث عن الشكل والمقارنات، وأن تتحدثي مع قريبة أو صديقة ناضجة تثقين بها، ويمكنكِ الاستفادة من رأيها في الأمور التي تشعرين أنكِ غير قادرة على رؤيتها بصورة متوازنة، ومنها موضوع الزواج.

▪ ثامنًا: استعيني بمختصة نفسية:
وذلك إذا استمر كرهكِ لنفسكِ، أو أصبح الحزن والإحباط مسيطرين عليكِ، أو أثرا في دراستكِ وعملكِ وعلاقاتكِ، وهذا لا يعني أنكِ ضعيفة أو مريضة، وإنما هو من الأخذ بالأسباب؛ فالإنسان عندما يحتار في أمر يرجع إلى أهل الخبرة والاختصاص، وقد تساعدكِ المختصة في فهم جذور عدم تقبلكِ لذاتكِ، ومعرفة الأفكار التي تغذي المقارنة والغيرة، والتدرب على بناء صورة أكثر توازنًا عن نفسكِ.

▪ تاسعًا: اجعلي لكِ أهدافًا عملية تبنين بها نفسكِ:
يمكنكِ أن تجعلي لكِ هدفًا عمليًا في الفترة القادمة؛ مثل أن تنجحي في دراستكِ، وتستمري في عملكِ، وتطوري نفسكِ، وتحافظي على عبادتكِ وحجابكِ، وتبني علاقات صحية، وتهتمي بصحتكِ ومظهركِ دون مبالغة.

واحرصي على الدعاء والاستعانة بالله، ومن الدعاء النافع: «اللَّهُمَّ كَمَا حَسَّنْتَ خَلْقِي فَحَسِّنْ خُلُقِي»، واطلبي من الله الرضا والعافية، وحسن الخلق، والثبات على الطاعة، فالإنسان قد يملك جمال الصورة ولا يملك جمال الروح، وقد يملك جمال الروح فيكون محبوبًا عند الناس، وإن لم يرَ نفسه كذلك.

وأخيرًا، لا تكرهي نفسكِ بسبب أمر لم تختاريه، ولا تحولي لون بشرتكِ إلى قضية تحدد مستقبلكِ، أو زواجكِ، أو علاقتكِ بالله، فأنتِ فتاة في بداية حياتكِ، تدرسين تخصصًا صعبًا، وتعملين وتتحملين مسؤولية نفسكِ، ولديكِ رغبة في التقرب إلى الله، وهذه كلها جوانب مشرقة فيكِ، تستحق أن تلتفتي إليها وتبني عليها.

أسأل الله أن يرزقكِ الرضا، وحسن الظن به، والثقة فيه، وأن يثبتكِ على الحجاب والطاعة، ويصرف عنكِ الهم والحزن، ويرزقكِ زوجًا صالحًا يقدركِ ويحفظكِ، ويكتب لكِ الخير حيث كان.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً