الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أفكر في الطلاق لعدم تقبل شكل زوجي.. أرشدوني

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، يا شيخ، ساعدني.

تزوجتُ زوجي، وكانت لديَّ مشكلة في القبول الشكلي، وأما دينه وأخلاقه فممتازة، فاستخرتُ واستشرتُ، وأكملتُ الزواج لدينه وخلقه، على أن يأتي القبول مع الزواج والمواقف، ولكن -يا شيخ- لا أستطيع، ولا أستطيع أن أسمعه، ولا أحب النظر في وجهه، أو أن أكلمه، ومهما حاولتُ أصبح الموضوع ثقيلًا عليَّ، وأُصبتُ بحزن واكتئاب.

وهو جيد، ولم يفعل لي شيئًا سيئًا، ولنا سنة، وقد فتح موضوع الأطفال، فأُصبتُ برعب شديد من أن أبقى معه طوال عمري، وأفكر في الطلاق قبل حدوث ذلك، وأنا نادمة أشد الندم على أنني تجاهلتُ إحساسي، وسمعتُ كلام الناس، مع أنهم أصحاب رأي وحكمة.

فهل هذا قدري أن أعيش بحزن وغصة، أم أتطلق وأتحمل هذا الوصم؟ أفدني -يا شيخ- بالله عليك، فقد أُصبتُ بحالة نفسية سيئة، وأصبحتُ لا أتوقف عن البكاء، والله المستعان.

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ عهد حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بكِ -ابنتنا الفاضلة- في الموقع، ونشكر لكِ الاهتمام والحرص على السؤال، ونبشركِ بدايةً بأن المؤمنة لن تندم إذا استخارت واستشارت، ونسأل الله -تبارك وتعالى- أن يُبدِّل ما في قلبكِ من نفورٍ إلى ألفة، ومن بغضاء إلى حبٍّ ومودةٍ، وأن يعينكِ على إكمال المشوار.

إذا كان الرجل -كما أشرتِ- لم يُقصِّر، ولم يفعل شيئًا مما ذكرتِ، فأرجو أن تعطي نفسكِ فرصة، ومسألة الخِلْفة لا مانع من التفاهم حولها وتأجيلها، إذا كان ذلك باتفاق الزوجين، الأمر لا إشكال فيه، ونتمنى أيضًا أن تهتمي بمسألة الرقية الشرعية، وتعوذي بالله من شيطانٍ لا يريد للبيوت أن تستقر.

واعلمي أن هؤلاء العقلاء الذين شاورتِهم -وقد أشرتِ إلى أنهم أصحاب رأيٍ وحكمةٍ-، ما أشاروا عليك بالزواج إلا لما رأوا فيه من العقل والدين، وعلينا أن نُدرك أن الحياة الزوجية لا تقوم على المظاهر فقط، ولكنها تقوم على معانٍ كبرى، ولذلك قال ﷺ: «فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ»، وقال ﷺ: «مَنْ تَرْضَوْنَ خُلُقَهُ وَدِينَهُ».

وإليكِ قصة هذه المرأة التي أصر زوجها على أن تخبره إن كانت تحبه أم لا، فأبت، فأصرَّ وكرَّر، فلمَّا ألح عليها أخبرته أنها لا تحبه، فدخل عليه من الحزن ما لا يعلمه إلَّا الله، فبلغ الأمر عمر بن الخطاب، فجمع النساء، فقال: «إِذَا سُئِلَتْ إِحْدَاكُنَّ مِثْلَ هَذَا السُّؤَالِ فَلَا تُجِبْ»، ثم قال: «أَوَكُلُّ الْبُيُوتِ تُبْنَى عَلَى الْحُبِّ؟»، فالحب مهمٌّ، لكن هناك معانٍ كبيرةٌ تقوم عليها الحياة، كأخوة الإيمان، والرغبة في إنتاج الذرية، والتذمم، ورعاية الأعراف، ولا شك أن الحب عنصرٌ أساسيٌّ من هذه العناصر.

ولذلك نتمنى أن تهتمي أيضًا بالرقية الشرعية، وحاولي أن تتذكري أن جمال الجسد عمره محدودٌ، لكنَّ جمال الروح بلا حدودٍ، وأن الجمال الفعلي بين الزوجين هو جمال الأخلاق وجمال التعامل، وأنتِ أدرى بمصلحتكِ، فإذا كان الرجل يُقيم دين الله، ويقوم بما عليه، ويجتهد، فحاولي أن تُظهري ما عنده من الخير، وضخمي ما فيه من الإيجابيات، وتعالي إلى السلبيات ففصِّليها، فهناك جزءٌ يمكن أن يتغير، وجزءٌ نتكيف معه ونتعايش.

عمومًا، أنتِ صاحبة القرار، ولكن نتمنى أن تهتمي بمسألة الأذكار، ومسألة الرقية الشرعية، ولا مانع أيضًا من مقابلة طبيبةٍ نفسيةٍ، كإرشاد سلوكي، ليس لتناول الأدوية، تسمعين منها، وتستفيدين من توجيهاتها.

وإذا بذلتِ ما تستطيعين من المحاولات، وأعطيتِ نفسكِ فرصة كافية، واستعنتِ بأهل الخبرة والمختصة النفسية، ثم بقي هذا النفور شديدًا مستحكمًا، بحيث تخشين معه ألَّا تستطيعي القيام بحق زوجكِ أو الاستمرار معه بالمعروف، فلا ينبغي أن تجعلي مجرد خوفكِ من كلام الناس أو وصمة الطلاق سببًا لإلزام نفسكِ بحياة لا تستطيعينها، وكون زوجكِ صاحب دين وخلق لا يعني أنكِ ظالمة له لمجرد عدم قدرتكِ على الاستمرار، وإنما ينبغي أن تتخذي قراركِ بعد تروٍّ واستخارة واستشارة، وقبل الإقدام على الإنجاب؛ حتى لا تزداد المسألة تعقيدًا.

وأرجو أيضًا أن تنظري إلى الأمر بنظرة بعيدة المدى، وألَّا تجعلي الجمال الشكلي وحده أساسًا للحكم على نجاح الحياة الزوجية؛ فجمال الجسد مهما بلغ فإنه يتغير مع مرور العمر، أمَّا جمال الروح وحُسن الخلق وطيب المعاملة فهي معانٍ أبقى أثرًا، وأعظم أهمية في استقرار الحياة الزوجية واستمرارها.

نسأل الله أن يعينكِ على الخير، ومثلما استخرتِ واستشرتِ في البدايات، فاستخيري واستشيري، واستصحبي المعاني التي أشرنا إليها، ونسأل الله أن يُبدِّل ما في نفسكِ إلى حبٍّ ووئامٍ، وأن يجمع بينكما في الخير.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً