الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أختي الكبرى بدأت تفرِّط في الالتزام ولا تستمع النصيحة، فهل أهجرها؟

السؤال

السلام عليكم.

أختي الكبرى متزوجة، وتملك متجراً تتاجر فيه منذ سبع أو ثماني سنوات، وكانت قبل هذه المدة مثلنا غاية في الأدب والأخلاق، ولكن منذ افتتحت المتجر فقد تغير سلوكها؛ بدءاً من ارتفاع صوتها في الشارع، وقد نصحتها أنا وأهلي، ولكنها لا تستمع.

وبمرور الوقت أصبحت تتلفظ بألفاظ خادشة للحياء، وألفاظ سيئة جداً، وقد نصحتها أيضاً، ولكنها لا تستمع، وأهلي يقفون في صفي، ولكن لم يتغير شيء.

في نهاية المطاف تغيرت ملابسها؛ فهي ترفع كم جلبابها باستمرار، وتظهر رقبتها كثيراً من الخمار (الطرحة)، والوضع يزداد سوءاً أكثر فأكثر.

والآن في فصل الصيف لم تعد ترتدي سروالاً تحت الجلباب في الشارع؛ بحيث تظهر ساقها كاملة مع أدنى هبوب للريح، حتى إنها لا ترتدي سروالاً قصيراً (برمودا)، ولا أريد توضيح أكثر من ذلك، تشاجرت معها كثيراً ونصحتها، وكلّمت أهلي، فنصحوها دون جدوى، وأهلي يريدون تجنب المشاكل؛ لذلك كلمت زوجها، وشرحت له الوضع، وقاطعتها تماماً، ولم أعد أكلمها.

وبعد مدة كنت أتحدث مع أختي الأخرى، فوجدتها تتباهى أمامي بأنها عندما كلمها زوجها قالت له: "إن كان ذلك يعجبك"، فهي على العموم مسيطرة عليه.

فهل ما يصدر عنها بسبب ذنب عملته أنا؟ وهل مقاطعتي لها تعتبر قطع رحم وحرام، أم ما أقوم به هو الصواب؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ محمود حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

مرحبًا بك -أخي الكريم- في استشارات إسلام ويب، وجوابي لك كالآتي:

أولاً: عمدة الأخلاق وسيدها هو خلق الحياء؛ فخلق الحياء من أفضل الأخلاق، وأجلّها، وأعظمها قدراً، وأكثرها نفعاً، بل هو خاصة الإنسانية، فمن لا حياء فيه ليس معه من الإنسانية إلا اللحم والدم، وصورتهما الظاهرة، كما أنه ليس معه من الخير شيء.

فخلق الحياء شعبة وخصلة من الإيمان، ومن لا حياء له لا إيمان له؛ فقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الحياء من الإيمان، والإيمان في الجنة، والبذاء من الجفاء، والجفاء في النار»، ولمّا كان كذلك، أحبه الله، وأحب المتصفين به من أهل الإسلام، فعن أشج عبد القيس أنه قال: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن فيك لخلقين يحبهما الله» قلت: ما هما؟ قال: «الحلم والحياء»، قلت: أقديماً كان فيّ أم حديثاً؟ قال: «بل قديماً»، قلت: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله؛ فلا عجب أن كان هذا الخلق هو خلق الإسلام الأعلى حتى قال فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن لكل دين خلقاً، وخلق الإسلام الحياء».

ثانياً: نشكر لك غيرتك ونصحك لأختك، وحرصك على أن تلتزم الحياء وأحكام الدين، وهذا شيء تشكر عليه، وتؤجر بإذن الله. وبالنسبة لأختك، وتعاملها الجديد بسبب المال: فقد أديت ما عليك من النصيحة، ولكن لا ينبغي التهاجر بينكما؛ فصلة الرحم من أعظم ما أمر الله به، والتهاجر من أعظم ما نهى الله تعالى عنه؛ فقد جاءت نصوص كثيرة صريحة صحيحة بتحريم الهجر والتخاصم والتقاطع بين عموم المسلمين؛ كقوله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان، فيعرض هذا، ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام» (رواه البخاري).

وإذا كان هذا مذموماً في حق عموم المسلمين، فإنه بين الأرحام أشد ذماً، وأعظم ذنباً، وعليه: فالواجب عليكم أن تصلحوا ذات بينكم امتثالاً لقوله تعالى: ﴿وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنفال: 1]، ولقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟» قالوا: بلى، قال: «صلاح ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة»، قال أبو عيسى: هذا حديث صحيح، ويروى عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «هي الحالقة، لا أقول تحلق الشعر، ولكن تحلق الدين» (رواه الترمذي وصححه الألباني).

ثالثاً: اعلم أن أختك هذه من أرحامك الذين تجب صلتهم، وتحرم قطيعتهم؛ ولذا فلا يجوز لك هجرها، وإن أساءت إليك، وابتعدت عن الحشمة في كلامها أمام الناس، وفي لباسها، فقد أديت النصيحة لها، وحتى زوجها لم تقبل النصيحة منه، ولا من أقاربها، فنسأل الله أن يهديها، وعليك أن تصبر على إيذائها وتوفيها حقها من البر والصلة؛ فليس الواصل الذي يصل من وصله، ويحسن إلى من أحسن إليه فحسب، فهذه مكافأة، وإنما الواصل الذي يصل من قطعه، ويحسن إلى من أساء إليه.

وقد روى البخاري وغيره أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها»، فإن فعلت ذلك فأبشر برضوان الله سبحانه وعونه؛ ففي صحيح مسلم أن رجلاً جاء إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: إن لي قرابة أصلهم ويقطعوني، وأحسن إليهم ويسيئون إلي، وأحلم عنهم ويجهلون علي، فقال: «لئن كنت كما قلت فكأنما تسفهم المل، ولا يزال معك من الله ظهير عليهم ما دمت على ذلك».

وختاماً: أسأل الله أن يهدي أختك، وأن يصلح بينكما، آمين.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً