الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

أفكار انتحارية تلازمني منذ فترة ولم أستطع التخلص منها، فما الحل؟

السؤال

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

سأحاول التعريف بنفسي:
أنا فتاة عزباء في الحادية والعشرين من عمري، حَصَلْتُ على شهادة البكالوريا ولم أتمكن من الدراسة في الجامعة لظروف قهرية تتعلق بالاغتراب عن بلدي والتكلفة المادية.

لدي العديد من الهوايات؛ إذ أهوى أنواعاً متعددة من الرسم (كالرسم بالألوان المائية، والخشبية، وقلم الحبر الأسود، ورسم المباني، والتفاصيل الدقيقة، وغيرها)، كما أتقن فن "الكروشيه" منذ أحد عشر عاماً، وأحب التريكو، وتدوين مشاعري وأفكاري، وتسجيل اليوميات والأحداث، فضلاً عن شغفي بفن "الجورنالينج" (دفتر القصاصات)، ومؤخراً بَدَأْتُ في تعلم الخط العربي.

كانت لدي ذنوب متعددة لا أُفضّل ذكرها، وُكُنْتُ أَتُوبُ منها وأعود إليها مراراً، إلى أن تُبْتُ منها بفضل الله تعالى منذ أكثر من خمسين يوماً ولم أَعُدْ إليها.

أنا مريضة باضطراب ثنائي القطب من النوع الثاني، وأعاني من وسواس قهري شديد للغاية في كل شيء تقريباً، وأقوى الوساوس التي تُصِيبُنِي يتعلق بموضوع الكفر والدين، وقد بَدَأَ معي منذ المرحلة الابتدائية، لكني خِفْتُ حينها أن أَبُوحَ به فَأَكْفُرَ لِعَدَمِ عِلْمِي الكافي، كما أُعانِي من أفكار انتحارية قوية منذ المرحلة الابتدائية أيضاً.

خَضَعْتُ للعلاج الدوائي (حيث جَرَّبْتُ أكثر من عشرين دواءً مختلفًا)، وست جلسات لِلتَّنْشِيطِ الكَهْرَبَائِيِّ لِلْمُخِّ (ECT)، بالإضافة إلى جلسات عديدة جداً من العلاج السلوكي المعرفي والعلاج السلوكي الجدلي لا أَسْتَطِيعُ إحصاءها، وقد تَحَسَّنْتُ كثيراً مقارنة ببداية رحلة العلاج (التي بَدَأْتُهَا منذ نحو خمس سنوات)، ولكني لا أَزَالُ أُعانِي من المرض وبشدة؛ فكلما تَحَسَّنَتْ حالتي شَعَرْتُ بعمق المرض الذي أُعانِي منه (على حد القول المأثور: "كلما ازْدَدْتُ علماً، عَلِمْتُ أَنِّي لا أَعْلَمُ").

ما زالت تراودني أفكار انتحارية قوية، حتى أَنِّي حَاوَلْتُ اليوم إنهاء حياتي.

تقول أمي بأنني قاسية جدًّا على نفسي، ولكني أَرَى أَنِّي أَسْتَحِقُّ ذلك؛ إذ تأتيني الأفكار الانتحارية بمحتوى مفاده: "أنتِ عبء ثقيل على أهلكِ، تُسَبِّبِينَ لهم الهمَّ والغمَّ ولا فائدة منكِ، وجودُكِ ضرره أكبر من نفعه، وإذا أَنْهَيْتِ حياتكِ الآن فسيرتاح الجميع منكِ، وحتى لو عُذِّبْتِ في النار فعلى الأقل سترتاح والدتكِ منكِ".

لستُ أُقَلِّلُ بذلك من عذاب جهنم و-العياذ بالله-! ولكن الأفكار تأتيني بهذه القوة، وأُحَاوِلُ الردَّ عليها بأسلوب منطقي (بعد أن تفشل تمارين التنفس والمشي وما شابهها)، ولكني ما إن أَبْدَأُ بالرد حتى يأتيني الجواب من عقلي فوراً: "أنتِ لا تستحقين الشعور بالراحة ولا الرد على أفكاركِ، أنتِ مريضة إلى أبعد الحدود، ولن تَتَعَافَيْ أبداً؛ لأنكِ لا تريدين التعافي، فلو أَرَدْتِ التعافي حقاً لَنَفَعَ معكِ العلاج".

فماذا أَفْعَلُ؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ لين حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

قرأتُ رسالتكِ بتمعُّن، وأستطيع أن أفهم منها أن لديكِ أفكارًا ومعاناةً منذ فترة طويلة، تتلخص في اضطراب وجداني ثنائي القطب من النوع الثاني، مصحوبًا أيضًا بوساوس أو أفكار وسواسية قهرية، بالإضافة إلى أفكار انتحارية، وطبعًا، هذا النوع من المعاناة منتشر، خصوصًا في سن الشباب والمراهقة، وغالبًا ما تبدأ الأعراض في هذه السن، ما بين 15 و18 عامًا، خصوصًا لدى المصابين بالوسواس القهري.

من الواضح أنكِ مستوعبة ومتفهمة أن الأعراض سببها الاضطراب النفسي الذي تعانين منه، كما يبدو أنكِ مررتِ برحلة علاج طويلة، شملت العلاج الدوائي، مع تغيير مستمر في نوعية الأدوية، حتى وصل عددها إلى 20 نوعًا، وهذا يثير تساؤلًا.

كذلك كانت لديكِ فرصة للعلاج السلوكي، أو ما يُعرف بالعلاج السلوكي المعرفي، وطبعًا قد تراود الإنسان، من آنٍ إلى آخر، أفكار انتحارية عند شعوره باليأس أو شدة الاكتئاب، وربما تكون غير مخطط لها، لكنها تنبع من الشعور باليأس، ومن عدم الاستجابة للعلاج بالشكل المطلوب.

• أولًا، أحب أن أطمئنكِ إلى أن معظم الأمراض أو الاضطرابات الوجدانية، مثل الاكتئاب والاضطراب الوجداني ثنائي القطب والوساوس القهرية، لها صفة مزمنة، وقد تتكرر من آنٍ إلى آخر، لكنها قابلة للعلاج والشفاء بإذن الله، خاصةً إذا كان الإنسان متفهمًا لطبيعة مرضه.

• ثانيًا، من الواضح أن أفكارًا سلبية كثيرة تنتابكِ، وفيها نوع من اليأس من الشفاء، وشكوك وظنون، وهذه من طبيعة الوساوس القهرية؛ إذ تقحم نفسها على الإنسان، وتكون في الوقت نفسه مناقضة لطبيعته أو معتقداته، ولهذا تسبب له معاناة وصراعًا داخليًّا، يؤديان إلى الشعور بالاكتئاب والندم، وإلى الظن بأن الله سبحانه وتعالى غاضب عليه، أو إلى سيطرة هذه الأفكار السلبية عليه.

• ثالثًا، طبعًا، عندما تنتاب الإنسان منظومة الأفكار السلبية هذه، فإنه سيكتئب، وإذا شعر بالاكتئاب، فقد تنعكس هذه المشاعر على سلوكه؛ فينعزل، أو يفقد جزءًا كبيرًا من حياته الاجتماعية ونشاطه وقدرته على التركيز، إذا كان لديه نشاط أكاديمي أو دراسي أو ما شابه ذلك.

• رابعًا، الشيء الجيد أنكِ تحاولين مقاومة هذه المشاعر السلبية، ويبدو أن لديكِ مستوى مرتفعًا من الذكاء، وهذا أمر جيد. ولديكِ هوايات طيبة ذكرتِ أنكِ تمارسينها، مثل الرسم بالألوان المائية والخشبية والحبر، ورسم المباني، كما أنكِ تتقنين الكروشيه؛ فهذه أمور طيبة جدًّا، تدل على أن لديكِ قدرات فنية وهوايات تستطيعين استغلالها في أوقات فراغكِ، ويمكنكِ تنميتها بالاشتراك في مجموعات، على سبيل المثال، أو من خلال الدراسات والدورات.

• خامسًا، قد تجدين مجالًا للعمل إذا كانت لديكِ موهبة فعلًا في التصميم الداخلي، والأعمال الخشبية، والتريكو، وغيرها من الأعمال النسائية الجميلة؛ فمن الممكن أن تستغلي هذه الموهبة، لأنكِ بحاجة إلى شيء يرفع معنوياتكِ، ويشعركِ بالثقة في النفس، وبأنكِ ما زلتِ قادرة على إحداث تغيير في حياتكِ، والتخلص من الأفكار السلبية الكثيرة التي تعانين منها، مع الاستعانة بالله سبحانه وتعالى.

• سادسًا، هذه الأفكار قد تكون من همزات الشياطين أيضًا، ولذلك فإن الدعاء سيكون أمرًا طيبًا جدًّا بإذن الله، بالإضافة إلى العلاج الدوائي والاستمرار في جلسات العلاج النفسي، أو العلاج المعرفي السلوكي.

• سابعًا، وهذه أمور مهمة، وأعتقد أن حالتكِ تتطلب الاستمرار في المتابعة مع طبيب نفسي متمكن، وعدم تغيير الأطباء من آنٍ إلى آخر، أو تغيير الأدوية باستمرار بهذا الشكل. وربما تكونين بحاجة إلى الأدوية التي نسميها مثبتات المزاج، وأعتقد أن دواء «لاميكتال - Lamictal»، أو «لاموتريجين - Lamotrigine»، قد يناسبكِ بجرعة (100 ملغ) مرتين في اليوم، ولكن طبعًا يُؤخذ بشكل متدرج وتحت إشراف طبي.

• ثامنًا، ومضادات الاكتئاب، عندما تُستخدم مع مثبتات المزاج، قد تكون علاجًا فعالًا لحالات الوساوس القهرية، فمن الممكن أن يكون استخدامهما معًا مفيدًا بإذن الله، وأعتقد أنكِ بحاجة إلى الاستمرار في العلاج، لا التوقف عنه، ومتابعة حالتكِ مع طبيب متمكن دون تغييره؛ لأن وضع الخطة العلاجية يحتاج إلى المثابرة والاستمرار.

• تاسعًا، ومن المهم أيضًا أن تعيشي حياتكِ بشكل جيد، وأن تمارسي الأنشطة، وتطوري هواياتكِ، وتحافظي على التواصل الاجتماعي، وتثقي بالله سبحانه وتعالى أولًا، ثم بنفسكِ، وأن يكون تفكيركِ إيجابيًّا ومتفائلًا لا متشائمًا.

• عاشرًا، وإذا فعلنا ذلك واستمررنا عليه، فلا بد من وجود دعم أسري حولكِ أيضًا؛ إذ لا بد أن تتفهم الأسرة طبيعة المعاناة التي تمرين بها، لكي تستطيع مساعدتكِ، وألا يكون هناك انتقاد مستمر لكِ أثناء فترة المرض، أو اتهام بالكسل والاستسلام، فهذه اتهامات غير صحيحة.

• حادي عشر، الأمر المهم الذي أود أن أنبهكِ إليه هو أنه عندما تشتد الأفكار التي قد تؤذيكِ، كالأفكار الانتحارية، فلا بد أن تتحدثي مع شخص تثقين به ويكون قريبًا منكِ، وإذا أصبح هناك تخطيط أو ضغط قد يؤدي إلى إيذائكِ، فالأفضل التوجه إلى قسم الطوارئ في أي مستشفى؛ لأن الأمر يحتاج إلى تدخل سريع في ذلك الوقت.

وهذا ملخص لفهم طبيعة معاناتكِ وكيفية التعامل معها من خلال العلاج الدوائي، والعلاج النفسي، أو الجلسات النفسية، مع تقدير مستوى الخطورة، خاصةً فيما يتعلق بالأفكار الانتحارية، والتوجه إلى العلاج في الحالات الحادة.

ابنتنا الكريمة، إن شاء الله -كما قلتُ لكِ في البداية- هناك علاج لهذه الاضطرابات، والله يعفو عنكِ، ويمنُّ عليكِ بالشفاء التام والعاجل، ولمزيد من الفائدة راجعي هذه الاستشارات المرتبطة: (2396489 - 2235846 - 2136740 - 2364663 - 2294112).

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً