الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط


الذنوب والمعاصي تضر ولابد، فإن مما اتفق عليه العلماء وأرباب السلوك أن للمعاصي آثارا وثارات، وأن لها عقوبات على قلب العاصي وبدنه، وعلى دينه وعقله، وعلى دنياه وآخرته.

اختيار هذا الخط

والدي هجرني منذ صغري وبنيت حياتي بعيدًا عنه، فكيف أبرُّه؟

السؤال

السلام عليكم.

أبي لم يصرف عليّ، ولم يهتم بي منذ نعومة أظافري، ولا أتذكر منه إلا الضرب، والشتم، والكلام البذيء، والتعذيب بالكهرباء، وكان ينعت أمي وأخواتي بالكلام البذيء، عندما اشتد عودي هربت من المنزل، واشتغلت، وبنيت منزلي الخاص، وتزوجت -ولله الحمد-، ولكن أبي لا يقبلني، ولا يقبل الصلح أبداً، ودائماً يقول: (مات ودفنته).

وبسبب طول المدة حوالي العشرين سنة، لم أدخل بيت أهلي، ونسيت حتى تفاصيله، والأغرب أنه لا يذكر لي سبب العداوة أو الذنب الذي اقترفته وأنا في عمر 10 أو 15 سنة، والذي جعله يقول إني مت ودفنني، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: (رِضَا اللهِ في رِضَا الوالدَيْنِ، وسَخَطُ اللهِ في سَخَطِ الوالدَيْنِ).

انصحوني، ما عساي أفعل؟

الإجابــة

بسم الله الرحمن الرحيم
الأخ الفاضل/ وجيه حفظه الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:

اعلم أن علاقة الابن بأبيه لها طبيعة استثنائية منفصلة تماماً عن الحسابات الدنيوية التي تبنى على المعاملة بالمثل، والمشاحة في استكمال الحقوق الدنيوية الواجبة بين البشر.

لذلك ننصحك بالخطوات التالية:

أولاً: احرص على طلب رضا والدك عليك؛ فالبر بالأب طاعةٌ لله مستقلة عن تقصير والدك في حقك؛ فعلاقتك بوالدك ليست معاملة تكافؤية أو تبادلية (أُعطيك فتُعطيني)، بل هي رابطة، أوجدها الله عز وجل، وجعل برها طاعةً مستقلةً بذاتها، بغض النظر عن قيام الأب بدوره كاملاً أم قصر فيه، والأجر هنا أجرٌ أخروي عظيم مدخر لك عند الله، وليس مجرد مصلحة دنيوية، ولهذا، فإن السعي في رضا الوالد هو تقرب إلى الله سبحانه وتعالى في المقام الأول، وباب عظيم للثواب لا ينبغي غلقه مهما كانت الظروف.

ثانياً: من باب حسن الظن بالله، استشعر أن ما حدث لك من قبل والدك قد يكون رحمة بك من الله، ومن باب قول الله تعالى: {...وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة: 216].

فلعل هذه المعاملة القاسية، والظروف الصعبة التي مررت بها في طفولتك وشبابك، هي التي صنعت منك رجلاً صلباً، قادراً على الاعتماد على نفسه، وبناء بيته، ومستقبله بعصاميّة تامّة، ولو كنت ولداً مدللاً منعماً لما وصلت إلى ما أنت عليه اليوم من مكانة ونضج، فاجعل نظرتك للماضي نظرة امتنان لتقدير الله الخفي، وتجاوز مرارة الأسباب الدنيوية إلى حكمة المولى عز وجل.

ثالثاً: اثبت لأبيك أنك "خيرٌ مما كان يظن فيك":
فعلى الرغم مما شعرت به من تخلي والدك عنك، فإن الفرصة قائمة دائماً لتثبت لوالدك عميق معدنك وأصلك الطيب، فلا تتعامل معه بمنطق الندّ للند، بل بمنطق طلب البر بإلحاح، لتشعر والدك بأنك الابن البارّ الوفّي الذي يبتغي برضا والده وجه الله تعالى، واجعل هدفك أن يرى منك ما يُغيّر تلك الصورة الذهنية القاسية، وأن يشعر أن ابنه أحسن بكثير مما كان يظن ويتقول، فهذه ليست معاملة بين رجلين أجنبيين، بل علاقة ابن بأبيه.

رابعاً: ننصحك بعدم مقابلة الهجر بالهجر، بل عليك بالمداومة على الوصل والدعاء؛ فإياك أن تستمر في هجران والدك، بل بادر بالاستمرار في زيارته، والإكثار من الهدايا التي تستميل القلوب، مع الإلحاح بالدعاء إلى الله سبحانه وتعالى بأن يلين لك قلب أبيك، فالله جل وعلا هو مقلب القلوب بين أصبعين من أصابعه، واعتبر هذا السعي كله باباً عظيماً من أبواب العبادة والتقرب إلى الله، واثقاً تمام الثقة بأن الله لن يضيّع من يحرص على طرق باب الخير، خاصة تجاه والديه.

وخِتاماً: نسأل الله تعالى أن يشرح صدر والدك للصلح، وأن يؤلف بين قلوبكم، وأن يعوضك خيراً عما سلف، وأن يثيبك على ما لقيته من صبر واحتساب، وعلى حرصك على بر والدك وصِلته، وأن يوفقك على القيام بحقه ابتغاء مرضاة الله تعالى، وأن يجعل ما تبذله من سعيٍ في طلب رضاه وصِلته في ميزان حسناتك يوم تلقاه.

وبالله التوفيق والسداد.

مشاركة المحتوى

مواد ذات صلة

الاستشارات

الصوتيات

تعليقات الزوار

أضف تعليقك

لا توجد تعليقات حتى الآن

بحث عن استشارة

يمكنك البحث عن الاستشارة من خلال العديد من الاقتراحات



 
 
 

الأعلى تقيماً