الإجابــة:
بسم الله الرحمن الرحيم
الأخت الفاضلة/ يُسرى حفظها الله.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد:
مرحبًا بكِ -أختنا الكريمة-، وأسأل الله لكِ التوفيق والسداد، والثبات على هذا الدين العظيم، وأن يذهب عنكِ هذه الوساوس والمخاوف الشديدة، ويرزقكِ نفسًا مطمئنة، وجوابي لكِ هو كالتالي:
• أولًا: نشكركِ على اهتمامكِ بحفظ القرآن مع التجويد، فهو نعمة عظيمة قد لا تتوفر لكثير من الناس، فاحمدي الله تعالى على ذلك، إضافة إلى حفظ الأربعين النووية، وزادكِ الله خيرًا وحفظًا للقرآن وإيمانًا.
• ثانيًا: لا شك ولا ريب أن تذكر الموت يجعل الإنسان يحسن العمل، ويستعد للقاء الله تعالى، ولكن دون إفراط أو تفريط؛ لأن التفكير الزائد عن حده قد ينقلب إلى ضده، فقد يحدث للإنسان من كثرة تذكر الموت خوفٌ وهلَع شديد، فيتحول الأمر إلى مرض يؤثر في حياته وسلوكه، وهذا غير مطلوب، وخير الأمور أوسطها.
• ثالثًا: على المسلم أن يوازن بين الخوف والرجاء، فكما تفكرين في الموت، فكري أيضًا في رحمة الله تعالى، فهو الرحمن الرحيم، وأرحم بنا من أمهاتنا. وإذا مات المسلم ذهبت روحه إلى الجنة، ويوم القيامة تجتمع الروح والجسد، وتذهبان إلى الجنة؛ لأنها روح مسلمة، وعلينا أيضًا أن نفكر فيما أعده الله تعالى لأوليائه الصالحين وعباده المؤمنين من الثواب العظيم والأجر الجزيل، وما في الجنة من نعيم أبدي سرمدي.
• رابعًا: لا بد أن تعلمي أن التفكير في الموت والخوف منه، في الأصل، لا يقدّم الأجل ولا يؤخره، فالأجل مكتوب، قال تعالى: {وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا}. وفي الحديث عن أم المؤمنين أم حبيبة رضي الله عنها أنها قالت: «اللَّهُمَّ أَمْتِعْنِي بِزَوْجِي رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، وَبِأَبِي أَبِي سُفْيَانَ، وَبِأَخِي مُعَاوِيَةَ»، فقال لها النبي ﷺ: «لَقَدْ سَأَلْتِ اللَّهَ لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ، وَأَيَّامٍ مَعْدُودَةٍ، وَأَرْزَاقٍ مَقْسُومَةٍ، لَا يُعَجِّلُ شَيْئًا قَبْلَ أَجَلِهِ، وَلَا يُؤَخِّرُ شَيْئًا عَنْ أَجَلِهِ، وَلَوْ كُنْتِ سَأَلْتِ اللَّهَ أَنْ يُعِيذَكِ مِنْ عَذَابٍ فِي النَّارِ، أَوْ عَذَابٍ فِي الْقَبْرِ، كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ» (رواه مسلم).
• خامسًا: عليكِ بالتفكير في الأمل، وقد أشار النبي ﷺ إلى ما ينبغي أن يفعله الإنسان إذا أدركته الساعة، وفي يده فسيلة، وهي النخلة الصغيرة أو النبتة التي تُزرع، فاسمعي ما قاله رسول الله ﷺ: «إِنْ قَامَتِ السَّاعَةُ وَفِي يَدِ أَحَدِكُمْ فَسِيلَةٌ، فَإِنِ اسْتَطَاعَ أَنْ لَا تَقُومَ حَتَّى يَغْرِسَهَا فَلْيَغْرِسْهَا» (رواه البخاري في الأدب المفرد).
ففي هذا الحديث تعليم لنا بالأمل، والقيام بأعمال الحياة، والعمل على بنائها ولو عند قيام الساعة، فاجعلي هذا الحديث نبراسًا في حياتكِ يضيء لكِ الطريق.
• سادسًا: هذا الخوف والهلع الذي أصابكِ قد يكون بسبب وسوسة الشيطان، التي يوسوسها لكِ من أجل أن يفسد عليكِ حياتكِ اليومية، فعليكِ بالإكثار من قراءة القرآن حتى يشرح الله صدركِ، وتذهب عنكِ الوساوس. وعليكِ بالإكثار من الذكر، مع المحافظة على الصلوات الخمس والواجبات الشرعية، وعليكِ بهذا الدعاء الذي علّمنا إياه رسول الله ﷺ: «اللَّهُ اللَّهُ رَبِّي، لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا» (رواه ابن ماجه وأبو داود والنسائي).
• سابعًا: عليكِ بحسن إدارة وقتكِ اليومي في حياتكِ، وهذا من أهم الأمور، وذلك بإشغال نفسكِ بأمور الحياة، وعدم الإكثار من التفكير في الموت، التفكير الذي ينقلب إلى مرض ووسوسة، وعلّقي قلبكِ بالخالق سبحانه وتعالى، الذي بيده الخير كله.
وللفائدة راجعي هذه الروابط حول مشكلة الخوف من الأمراض: (
2413811 -
2209566 -
2281190 -
2417008)، والخوف من الموت: (
2405159 -
2323709 -
2322784 ).
أسأل الله تعالى أن يشفيكِ من الوسوسة والخوف والهلع، وأن يرزقكِ نفسًا مطمئنة، آمين.
---------------------------------------------
انتهت إجابة الشيخ الدكتور/ خالد عبد الله الصبري، مستشار الشؤون الأسرية والتربوية.
وتليها إجابة الدكتور/ مأمون مبيض، استشاري الطب النفسي.
----------------------------------------------
نرحب بكِ -أختنا الفاضلة- عبر إسلام ويب، ونشكركِ على تواصلكِ معنا بهذا السؤال.
أختي الفاضلة، نعم، في سؤالكِ عدد من القضايا:
• أولًا: ندعو الله تعالى بالرحمة لوالدتكِ، وأن يسكنها الجنة، ولا شك أن وفاتها تركت لديكِ أثرًا يجعلكِ تتوترين في بعض الأحيان.
• ثانيًا: جيدٌ أنكِ تتابعين مع طبيب القلب، وما أعطاكِ هذه النصيحة إلا لطمأنتكِ، والعمل على تعافيكِ قدر الإمكان. وكلنا سنموت، وهذه هي الحقيقة الكبرى في الحياة، قال سبحانه وتعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ}، ولكن الإنسان لا يموت إلا في وقته وأجله الذي قدّره الله عز وجل. وعلينا أن نتذكر الموت، لا ليقعدنا، وإنما ليدفعنا إلى العمل، والجد، والنشاط، واستغلال الوقت، كما رُوي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «اعْمَلْ لِدُنْيَاكَ كَأَنَّكَ تَعِيشُ أَبَدًا، وَاعْمَلْ لِآخِرَتِكَ كَأَنَّكَ تَمُوتُ غَدًا».
فهذا هو الطريق إلى التوفيق بين أعمال الدنيا وأعمال الآخرة.
• ثالثًا: واضحٌ من سؤالكِ أن فكرة الموت أصبحت شبه وسواسية، بالإضافة إلى الأفكار الوسواسية الأخرى، ومنها خوفكِ من أن تقومي بعمل غير لائق في جلسات العلم. وهذا ما نسميه وسواسًا قهريًا، وصحيحٌ أن اسمه وسواس قهري، إلا أنه ليس بالضرورة مرتبطًا بوسوسة الشيطان، وإنما هي أفكار قهرية تأتي رغمًا عنكِ، وتحاولين دفعها لأنها مزعجة، إلَّا أنها تقتحم ذهنكِ، وأحيانًا قد تصل هذه الأفكار إلى حد نوبة الهلع الشديدة التي وصفتِها بصورة جيدة، عندما شعرتِ بتسارع ضربات القلب، وكأنَّه سيُغمى عليكِ.
• رابعًا: هذا يحتاج إلى تقييم نفسي وعلاج نفسي، وبالمناسبة، إذا تلقيتِ الدعم النفسي من خلال العيادة النفسية، فإن ذلك يمكن أن ينفع في حالتكِ القلبية أيضًا، فهناك علاقة وثيقة بين القلب والنفس. وأحمد الله تعالى -أختي الفاضلة- على أنكِ حريصة على حفظ القرآن والأربعين النووية، وقد سعدتُ جدًّا لأنكِ تمكنتِ من حفظ ثلاثة عشر جزءًا مع التجويد.
وعلى فكرة -أختي الفاضلة-، هذه الأفكار الوسواسية القهرية ليست دليلًا على ضعف الإيمان، بل على العكس، قد تكون دليلًا على قوة الإيمان؛ لأن الأفكار القهرية تأتي بما هو عزيز على الإنسان، وواضحٌ من سؤالكِ أنكِ -ولله الحمد- حريصة على دينكِ وأخلاقكِ وقربكِ من الله عز وجل.
لذلك، إذا تعبتِ ولم تخف هذه الأعراض النفسية بعد قراءة جوابي، فأرجو ألا تتأخري أو تترددي أو تتخوفي من مراجعة العيادة النفسية.
الأمور -إن شاء الله- طيبة، وأرجو ألَّا تنسينا من دعوة صالحة في ظهر الغيب.
وبالله التوفيق والسداد.